*باتريك وينتور
صحيفة"الغارديان"البريطانية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
إذا استؤنفت المحادثات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام القليلة المقبلة في إسلام آباد، فسيواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقبتين سياسيتين رئيسيتين:
الأولى، إثبات أن أي اتفاق سيبرمه سيكون أفضل من الاتفاق الذي وقعه باراك اوباما عام 2015، والذي انسحب منه عام 2018.
والثانية، إثبات أن الاتفاق الجديد أكثر فائدة من العرض الذي كان مطروحا في جنيف في فبراير قبل أن يشن حربه.
وإلا، فسيكون قد تسبب بأضرار جسيمة للاقتصاد العالمي رغم وجود بدائل أقل كلفة من حيث الدماء والأموال. كما سيتعين عليه إثبات أن إيران لم تحقق مكاسب دائمة من خلال سيطرتها على الملاحة عبر مضيق هرمز. هذه هي المعايير التي ستراقبها فرق التفاوض عن كثب.
بطبيعة الحال، لا يمكن إجراء مقارنة دقيقة بين خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) المؤلفة من 159 صفحة، والتي جاءت في سياق تاريخي محدد، وأي اتفاق قد يخرج من إسلام آباد، إذ إن طبيعة البرنامج النووي الإيراني تغيرت بشكل كبير منذ ذلك الحين. كما أن قضايا أخرى، مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وإدارة مضيق هرمز، أصبحت أكثر بروزا الآن مقارنة بعام 2015.
في جانب واحد، قد يكون أي اتفاق جديد أفضل من اتفاق 2015، لأنه لن يتضمن ما يُعرف بـ"بنود الغروب" (sunset clauses)، وهو أحد أبرز انتقادات ترامب لاتفاق أوباما. فالاتفاق الجديد سيحدد مواعيد زمنية لإجراءات معينة، لكنه مصمم ليكون دائما.
بشكل عام، هناك أربع نقاط خلاف رئيسية يسعى فريق ترامب إلى تحقيق تقدم فيها مقارنة بسلفه الديمقراطي:
أولا: تخصيب اليورانيوم داخل إيران
في محادثات جنيف بتاريخ 26 فبراير، طالبت الولايات المتحدة، بتوجيه من ترامب، بأن توقف إيران جميع أنشطة التخصيب داخل أراضيها لمدة 10 سنوات. لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أشار إلى أن الحد الأقصى المقبول إيرانيا هو ثلاث سنوات.
وفي محادثات إسلام آباد، رفعت واشنطن مطلبها إلى تعليق لمدة 20 عاما، بينما صرّح ترامب بأنه يفضل حظرا دائما.
عمليا، لا أحد يعلم كم من الوقت ستحتاجه إيران لاستئناف التخصيب، نظرا للأضرار التي لحقت بمنشآتها الرئيسية.
في اتفاق 2015، سمح أوباما لإيران بالتخصيب لمدة 15 عاما، ولكن بنسبة نقاء لا تتجاوز 3.67%، وهي مناسبة للاستخدامات المدنية، دون الاعتراف الصريح بحق التخصيب كمبدأ.
ثانيا: مخزون اليورانيوم عالي التخصيب
حدد اتفاق 2015 سقف مخزون إيران عند 300 كغم بنسبة تخصيب 3.65%.
أما الآن، فتملك إيران 440.9 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة يمكن رفعها بسرعة إلى مستوى 90% المستخدم في الأسلحة النووية.
عرضت إيران في جنيف خفض هذا المخزون إلى 3.67%، وهي عملية لا رجعة فيها، كما اقترحت عدم تكوين مخزون مستقبلا، وأن يتم التخصيب حسب الحاجة فقط.
في المقابل، طالبت الولايات المتحدة في إسلام آباد بنقل كامل المخزون خارج إيران، ويفضل تحت إشراف أمريكي، رغم أن السبب وراء رفض التخفيف داخل إيران تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير واضح.
ثالثا: رفع العقوبات
نص اتفاق 2015 على الإفراج عن نحو 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع القيود عن تجارة النفط، مع الإبقاء على عقوبات تتعلق بالإرهاب وحقوق الإنسان.
وفي محادثات جنيف، كان من المتوقع رفع أكثر من 80% من العقوبات.
لكن إدارة ترامب تواجه قيودا سياسية داخلية، إذ سبق أن انتقد سياسيون مثل ماركو روبيو الاتفاق، معتبرين أن إيران ستستخدم الأموال لتعزيز قوتها العسكرية.
لذلك، يسعى ترامب لفرض قيود على كيفية إنفاق إيران لهذه الأموال، وهو ما ترفضه طهران، التي تطالب بضمانات بعدم إعادة فرض العقوبات مستقبلا. وهنا تتجلى فجوة الثقة الكبيرة بين الطرفين.
رابعا: القضايا غير النووية
تشمل دعم إيران لقوى حليفة، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ومستقبل مضيق هرمز.
كان ترامب ينتقد اتفاق 2015 لأنه ركز فقط على الملف النووي دون معالجة سلوك إيران الإقليمي. والسؤال الآن: هل سيؤجل هذه القضايا أم سيضمها إلى اتفاق شامل؟
في الداخل الإيراني، توجد انقسامات حول كيفية التعامل مع الحصار الأمريكي للموانئ، وكذلك حول إدارة مضيق هرمز.
وأشار المحامي الدولي الإيراني علي ناصري إلى وجود اتجاهين:
الأول تصعيدي، يدعو لاستخدام المضيق لتحقيق عوائد مالية وتعويضات وتعزيز الهيبة الوطنية.
والثاني براغماتي، يرى في المضيق ورقة تفاوض للحصول على وقف إطلاق نار دائم ورفع العقوبات وضمانات أمنية.
وشبّه ناصري هذا الخيار باختبار "المارشميلو" الشهير في جامعة ستانفورد في سبعينيات القرن الماضي، والذي يقيس القدرة على تأجيل الإشباع. وقال إن مستقبل إيران يعتمد على قدرتها في تجنب المكاسب الفورية واختيار مسار تدريجي طويل الأمد.
وفي النهاية، يبدو أن الطريق نحو السلام يقع بين اختبار ترامب لنفسه مقارنة بأوباما، واختبار إيران في ضبط النفس.
* محرر الشؤون الدبلوماسية