×


  کل الاخبار

  تركيا - إسرائيل: هل يمكن أن تقع الحرب حقا؟



*بوابة اخبار تركيا

إسلام أوزكان:انتقد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في كلمة ألقاها، الأربعاء الماضي، خلال اجتماع الكتلة النيابية لحزب «العدالة والتنمية»، وبعبارات شديدة اللهجة، تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي نشره عبر حسابه على منصة «إكس» في 11 نيسان - عقب تعثّر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد -، وقال فيه: «تحت قيادتي، ستواصل إسرائيل محاربة نظام الإرهاب الإيراني وأذرعه. وعلى العكس من ذلك، فإن أردوغان يساعدهم بل ويذبح مواطنيه من الأكراد».

وأكد إردوغان حق تركيا في السيادة ضمن سياساتها الإقليمية، موجّها رسالة إلى المجتمع الدولي بقوله: «سنستمرّ في تسمية القاتل قاتلا»، مضيفا: «لا توجد قوة تستطيع أن تهزّ إصبعها لتركيا أو لرئيس الجمهورية التركية». وقبل يومين من تصريح إردوغان، كان وزير الخارجية التركي، حاقان فيدان، أدلى بتصريحات قال فيها إن «إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو، وتحاول حكومتها حاليا إظهار تركيا كعدو»، في إشارة إلى استمرار تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب.

غير أن التوتر الحالي لا يعود إلى تصريح نتنياهو المذكور وحده، ولا إلى تصريحات المسؤولين الصهاينة السابقة والردود التركية عليها. فمنذ المشادة التي وقعت بين إردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، شيمون بيريز، خلال «منتدى دافوس» عام 2008، والعلاقات التركية - الإسرائيلية تشهد مسارا متقلّبا اتّسم بالصعود والهبوط. كما شكّل مقتل عشرة مواطنين أتراك على متن سفينة «مافي مرمرة» ضمن «أسطول الحرية» المتّجه إلى غزة عام 2010، نقطة تحول بارزة في مسار هذه العلاقات.

ولطالما أثارت التقلّبات في العلاقات التركية - الإسرائيلية حيرة المراقبين، وطرحت تساؤلات بشأن احتمال بروز تركيا كفاعل جديد قد يواجه إسرائيل، إلى جانب إيران ومحور المقاومة. غير أن أنقرة لم تعمد إلى إحراق الجسور مع تل أبيب، بما في ذلك خلال المرحلة التي تلت حادثة «مافي مرمرة»، حيث لم تكن العلاقات مثالية، لكنها لم تنقطع بشكل نهائي. ولذا، ذهب البعض إلى القول إن ردودَ إردوغان الحادّة تجاه إسرائيل تبقى في إطار البلاغة اللفظية (الريتوريك)، من دون أن تترجَم إلى أفعال على أرض الواقع.

 

كوابح التصعيد وقيود «الواقعية السياسية»

تتّسم السياسة الخارجية التركية تجاه إسرائيل بدرجة عالية من التعقيد الفريد؛ إذ تتحرّك بين ضرورات الجيوسياسة والاقتصاد من جهة، وضغوط الرأي العام والطموحات الإقليمية من جهة أخرى، الأمر الذي يفسّر حال «الراديكالية في الخطاب والبراغماتية في الفعل» التي تنتهجها أنقرة.

وتبرز عدّة عوامل بنيوية تحدّ من إمكانية «قطع الجسور» نهائيا مع إسرائيل، أبرزها عضوية تركيا في «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، وارتباطها العميق بالمنظومة الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فضلا عن اندماجها الاقتصادي المتجذّر في السوق الأوروبية عبر اتفاقية «الاتحاد الجمركي». ويجعل هذا الارتباط أيّ تحول جذري نحو محاور بديلة، من مثل روسيا أو الصين، محفوفا بالمخاطر، لعدم وجود بدائل مؤسّسية جاهزة تعوّض المظلّة الأطلسية.

علاوة على ذلك، يفرض الاعتماد الاقتصادي التركي الكبير على الاستثمارات الخارجية ورأس المال الأجنبي، على صانعي القرار الأتراك، تبنّي سياسات مرنة. وتبرز هنا المصالح التجارية والمالية المرتبطة برأس المال الخليجي، والصلات الاقتصادية لدوائر الحكم في أنقرة بعواصم الخليج، كعامل موازن يمنع الانزلاق نحو سياسة يصفها البعض بـ«المغامرة غير المحسوبة». أمّا على الصعيد العسكري، ورغم تطور الصناعات الدفاعية المحلية، لا يزال الجيش التركي يعتمد في جزء من ترسانته على التكنولوجيا الامريكية، والأسلحة التي خضعت سابقا لتحديثات إسرائيلية.

تضاف إلى ما تقدّم، طبيعة السياسة التي ينتهجها إردوغان، والتي يرى مراقبون أنها تقوم بدرجة كبيرة على البراغماتية السياسية، بل وحتى «الانتهازية»، أكثر من اعتمادها على بنية أيديولوجية صلبة أو مبادئ ثابتة. وتتيح هذه السياسة، لإردوغان، هامش مناورة واسعا، يستطيع عبره تحقيق مصالح آنية، وتثبيت دعائم القيادة الإقليمية التي تعتقد أنقرة أنها لن تكتمل من دون نوع من الدعم أو الرضا الغربي.

في هذا السياق، ترى الباحثة والأكاديمية التركية، كونول طول، أن التصعيد بين أنقرة وتل أبيب يُستخدم كأداة لحشد القاعدة الشعبية وتعزيز أوراق القوة الداخلية لدى كلّ من الطرفين. وبالنسبة إلى إردوغان، يوفّر الخطاب الحادّ تجاه إسرائيل فرصة لتعزيز شعبيّته وترسيخ صورة «القائد القوي»، بالاستفادة من الحساسية المناهضة لإسرائيل والمؤيدة لفلسطين - القوية جدا في تركيا -، خصوصا في هذه المرحلة التي يواجه فيها صعوبة في حلحلة المشكلات الاقتصادية المتزايدة في البلاد. وعليه، يبقى احتمال تحوّل هذا الخطاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الطرفين ضئيلا جدا، رغم وجود مصالح متضاربة بينهما.

وتحظى القضية الفلسطينية بإجماع شعبي واسع في تركيا، مقابل كراهية متجذرة تجاه السياسيات الإسرائيلية، ما يجعل دعمَ هذا التوجّه من قِبل «العدالة والتنمية»، ضرورة سياسية للحفاظ على تماسك القاعدة الانتخابية للحزب. أمّا على المقلب الخارجي، فيعتبر محللون أن الدعم الخطابي التركي لفلسطين يندرج ضمن «استثمار سياسي منخفض التكلفة»، يمنح أنقرة حضورا شعبيا واسعا في العالمَين العربي والإسلامي، ويعزّز من صورتها كقوة إقليمية مدافعة عن المظلومين، من دون أن يضطرّها بالضرورة إلى دفع أثمان باهظة على أرض الواقع.

ومع ذلك، يرى بعض الخبراء الأتراك أن العلاقات بين تركيا وإسرائيل تشهد تحولا نحو «تعارض هيكلي»، مردّه فجوة أيديولوجية نشأت بين نهج «العدالة والتنمية» تجاه القضية الفلسطينية وعقيدة الأمن الإسرائيلية. ويجادل أصحاب الرأي المتقدّم بأن هذه الفجوة أضعفت محاولات التطبيع القائمة على مبدأ «ربح-ربح» - والتي جُربت في الماضي بسبب مشاريع الطاقة وجيوسياسية شرق المتوسط -، خصوصا في ظلّ تداعيات حرب الإبادة في قطاع غزة.

وفي هذا الإطار، يرى الباحث والكاتب، حسام الدين أصلان، أن احتمال نشوب صراع مباشر بين تركيا وإسرائيل، وإن كان مستبعدا على المدى القريب، إلا أن وقوعه، على المدى البعيد، يعدّ «أمرا حتميا». ووفقا للكاتب، فإن الخطابات الإسرائيلية الحادّة المناهضة لتركيا التي تركز على وصف الأخيرة بـ«العدو»، والتي تتصاعد من قِبل قيادات السلطة والمعارضة في إسرائيل على حدّ سواء، نابعة من رؤيتهم لتركيا كتهديد، وشعورهم بهذا التهديد يقترب منهم يوما بعد يوم.

ويرى أصلان أن اندلاع حرب بهذا الحجم لن يقتصر على كونه أزمة إقليمية فحسب، بل سيتحول إلى أزمة عالمية؛ ذلك أن المسألة ستتجاوز حدود الدولتين لتجذب إليها كافة النظام الدولي، مشيرا إلى أنه مع «تغير» التوازنات في سوريا، فإن تعزيز تركيا لفاعليتها الاستراتيجية في المنطقة يحمل في طياته إمكانية توسيع نطاق نفوذها ليصل إلى الحدود اللبنانية والإسرائيلية، وهو ما أدّى بالفعل إلى إدراك إسرائيل لتركيا كـ«تهديد وجودي». وفي الوقت نفسه، يذهب البعض إلى القول إن تطور الصناعات الدفاعية التركية، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، منح تركيا «جرأة» أكبر في لغتها الدبلوماسية، رغم استمرار بعض مظاهر الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.

في المحصلة، يمكن القول إن السياسة التركية تجاه إسرائيل هي نتاج صراع مستمرّ بين «الممكن والمأمول»؛ فبينما تفرض الالتزامات الدولية والواقع الاقتصادي نوعا من المرونة والارتباط بالمنظومة الغربية، يدفع الوجدان الشعبي والتطور العسكري والسياسي نحو خطاب أكثر حدّة. وبناء عليه، ستبقى هذه العلاقة تتحرك في «متاهة راديكالية» تجمع بين المواقف الكلامية الحادّة والتعاون الاستراتيجي المستتر مع الكيان الإسرائيلي، في انتظار تغيرات جذرية في موازين القوى العالمية أو الإقليمية.

وأيا يكن، فالأكيد أن كلّا من تركيا وإسرائيل ترتبط تاريخيا بالعالم الغربي، أو بعبارة أخرى بالنظام العالمي، وذلك عبر خلفيات تاريخية راسخة، وإن عبر هياكل ومناهج مؤسسية مختلفة. إذ تقوم علاقة تركيا على الشراكة العسكرية والاقتصادية مع الغرب، فيما تمثل إسرائيل امتدادا إقليميا لهذا النظام ضمن بنية سياسية وعسكرية معقدة.


23/04/2026