*عماد أحمد
*ترجمة : نرمين عثمان محمد
ليست السياسة مجرد لعبة سلطة، بل هي ميدان تداخل الأفكار والقرارات والمسؤوليات،ومن الناحية التاريخية، أينما اجتمع البشر للتشارك، حضرت السياسة معهم، أحيانا كوسيلة للتنظيم، وأحيانا كأداة للهيمنة.
في الفلسفة، تتمحور السياسة حول السؤال الجوهري: كيف يمكن استخدام السلطة بشكل عادل؟
أما في علم السياسة، فهي نظام لتنظيم القوة والقرارات والمصالح.
يسعى هذا المقال المختصر والمكثف إلى تقديم صورة أكثر وضوحا وعمقا عن السياسة بين هذه الأبعاد الثلاثة، خاصة في سياق ظروف كوردستان.
في جوهرها، ليست السياسة مجرد تنظيم للسلطة، بل تنظيم للحياة.
فالإنسان، كما يقول أرسطو، كائن سياسي، وهذا يعني أن مصير الفرد مرتبط بمصير مجتمعه، وبذلك تصبح السياسة الميدان الذي تلتقي فيه الأفكار والقرارات والمسؤوليات لبناء نظام قادر على تحقيق التوازن بين الحرية والتنظيم.
لكن رغم هذا المعنى السامي، كثيرا ما تقع السياسة في ظل القوة، حين تتحول إلى أداة لحماية المصالح الخاصة.
قوة الأخلاق وقوة السلطة
في التاريخ، ظهرت السياسة دائما بين قوتين: قوة الأخلاق وقوة السلطة.
يقول ميكيافيلي بواقعية مرّة: "الغاية غالبأ ما تبرر الوسيلة"، لكن هذا التصور إذا استُخدم بلا حدود، يتحول إلى طريق مظلم يصبح فيه الإنسان ضحية.
في المقابل، ترى "حنّة آرندت "أنه"حين تنفصل السياسة عن الأخلاق، تصبح مصدرا للكوارث".
وبين هذين الرأيين، يوجد طريق ثالث: السياسة بوصفها فن الممكنات، لكن ممكن لا يتجاوز حدود الأخلاق.
المنطق والعقلانية هما الحَكَم
في كوردستان، للسياسة معنى خاص، لأنها ترتبط بحق مشروع لشعب عاش سنوات طويلة بين الحروب والمفاوضات والنضال.
وهنا لا تقتصر السياسة على إدارة الشؤون اليومية، بل تمتد إلى حماية وجود الوطن، وهذا يتطلب وحدة عميقة، لأن الانقسام والخلاف يضعفان جميع الإنجازات ويمنحان الفرص للقوى الخارجية.
وفي أوقات الأزمات، تكشف السياسة عن وجهها الحقيقي، حيث لا تكون القرارات مجرد قرارات، بل مصائر.
وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن تُتخذ القرارات السياسية بمنطق وعقلانية، لا بالعاطفة والانفعال والعنف، لأن العنف، وإن منح قوة على المدى القصير، فإنه يؤدي إلى فشل عميق على المدى البعيد.
الدبلوماسية فنّ أساسي
كما أن السياسة هي معرفة ميزان القوى بين الداخل والإقليم والعالم، والناجح هو من يستطيع تحقيق التوازن بينها بذكاء.
ومن هذا المنطلق، تصبح الدبلوماسية فنا مهما، لأنها الطريق إلى تحقيق الأهداف بأقل الخسائر.
وفي ظل التغيرات السريعة في المنطقة اليوم، تبقى السياسة التي تستطيع التكيّف مع هذه التحولات. فالتاريخ يعلّمنا أن الذين يتوقفون عند الماضي لا يجدون مكانا في المستقبل، لذلك تحتاج السياسة إلى رؤية بعيدة المدى، لا مجرد حلول مؤقتة.
وفي هذا السياق، تُعد شخصية مثل الرئيس مام جلال نموذجا حيا للسياسة الواقعية الهادئة،فقد أظهرت قدرته على بناء العلاقات والوصول إلى الحلول الوسط أن السياسة لا تُصنع بالقوة وحدها، بل بالثقة والحوار أيضا.
وفي الإطار نفسه، ينبغي للاتحاد الوطني الكوردستاني في هذه المرحلة أن يواصل تبني النهج ذاته، سياسة تقوم على بناء الثقة، وتعزيز الوحدة، والعمل الدبلوماسي.
إن السياسة السلمية، البعيدة عن العنف، ليست خيارا أخلاقيا فحسب، بل ضرورة استراتيجية، فالسياسة التي تُبنى على الحوار والتفاهم تستطيع أن تؤسس لمستقبل راسخ،ويكون العقل والمنطق دليلين في هذا الطريق، حيث تُتخذ القرارات بناء على المعرفة والحساب، لا بناء على الاندفاع العاطفي.
السياسة صورة مشروخة
في الختام، السياسة كمرآة صافية للمجتمع ،إذا كان المجتمع مليئا بالثقة والوحدة، انعكس ذلك في سياسته، أما إذا كان منقسما من الداخل، فإن السياسة تصبح صورة مشروخة.
لذلك تحتاج السياسة إلى الصدق والمسؤولية، وإلى أن يكون الإنسان في مركز القرار.
وفي كوردستان، يُكتب المستقبل بيد السياسة القادرة على تحقيق التوازن بين القوة والأخلاق، سياسة لا تسعى فقط إلى نيل السلطة، بل إلى كسب قلوب الناس وثقتهم أيضا.