*محمد شيخ عثمان
بينما يرزح المواطن في إقليم كردستان تحت وطأة أزمات معيشية متكررة، من تأخر الرواتب إلى اتساع رقعة البطالة بين الشباب وخريجي الجامعات، تتصاعد في المقابل تساؤلات ملحّة حول مصير الموارد العامة، وحدود الشفافية في إدارتها.
هذه التساؤلات لم تعد مجرد همس في الشارع، بل تحولت إلى قضية رأي عام، تغذيها تقارير استقصائية دولية تطرح روايات مقلقة عن حجم الثروات والاستثمارات خارج الإقليم.
في هذا السياق، برزت تحقيقات صادرة عن OCCRP ، والتي أشارت إلى امتلاك عقارات واستثمارات في الولايات المتحدة يُقال إنها مرتبطة بأفراد عائلة حاكمة قيمتها تجاوزت 100 مليون دولار خلال الفترة بين 2005 و2019، مع الإشارة إلى استخدام شركات خارجية (offshore) لإدارة هذه الأصول، بما يعقّد تتبع ملكيتها المباشرة.
ولم تتوقف هذه المعطيات عند حدود الأرقام العامة، بل تطورت في تقرير أحدث إلى تحرك قضائي داخل الولايات المتحدة، حيث أعلنت وزارة العدل الامريكية عن تقديم دعوى مصادرة مدنية تستهدف قصرا فاخرا في بيفرلي هيلز، يُقال إنه مرتبط بمنصور بارزاني. وبحسب الشكوى، فإن العقار، الذي قُدرت قيمته بنحو 30 مليون دولار، تم شراؤه وتجديده عبر أموال يُزعم أنها نتجت عن مخطط احتيالي مرتبط بعقود لتوريد وقود الطائرات خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وتشير وثائق الدعوى، التي اطّلع عليها مشروع OCCRP، إلى أن متعهدا امريكيا حصل على عقود بمئات الملايين من الدولارات، مقابل دفع مبالغ مالية عن كل لتر وقود، في ترتيبات منحت وصولا حصريا لتوريد الوقود عبر مطار أربيل. كما تذكر أن أسعار الوقود التي تم تحصيلها تجاوزت بكثير المعدلات المعتمدة لدى وزارة الدفاع الامريكية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذه التعاقدات وآليات الرقابة عليها.
ورغم خطورة هذه الادعاءات، فإنها تبقى – حتى الآن – ضمن إطار الدعاوى والتحقيقات، حيث لم يصدر حكم قضائي نهائي يثبتها، كما لم تصدر ردود تفصيلية من جميع الأطراف المعنية. وهذا يفرض ضرورة التعامل معها بمنهجية مهنية، تقوم على عرض الوقائع دون قفز إلى استنتاجات نهائية.
غير أن جوهر القضية لا يكمن فقط في صحة هذه الاتهامات من عدمها، بل في البيئة التي تسمح بتكرارها.
فضعف مؤسسات الرقابة، وتراجع الدور الفعلي للبرلمان، وغياب الشفافية الكاملة في إدارة الإيرادات، كلها عوامل تخلق مناخا خصبا للشكوك، وتوسّع الفجوة بين المواطن والسلطة.
اليوم، لا يطالب المواطن الكردستاني بأكثر من حقه الطبيعي: معرفة أين تذهب ثروات بلاده، وكيف تُدار موارده، ومن يضمن عدالة توزيعها. فبين معاناة الداخل وحديث الخارج عن استثمارات بمئات الملايين، ويبقى السؤال معلقا: هل تتحول هذه الملفات إلى فرصة للإصلاح وتعزيز الشفافية، أم تبقى مجرد عناوين عابرة في تقارير دولية؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير هذه القضايا، بل ستحدد مستقبل الثقة بين الحاكم والمحكوم في إقليم يقف اليوم على مفترق طرق بين إدارة الأزمات وبناء دولة مؤسسات حقيقية وهذه احدى اسباب تمسك الاتحاد الوطني باستراتيجية ضرورة ارساء الحكم الرشيد يخدم الموطن و يعزز مسار حكم الاقليم وكيانه الدستوري.