×

  المرصد العراقي

  العراق… وطنٌ أكلته السلطة وأحرقته العروبة والطوائف



فرست عبدالرحمن مصطفى:

منذ أن دوّى صوت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 والعراق يدخل من بابٍ إلى آخر من أبواب الانقلابات والدم. لم تُبنَ الدولة على فكرة الوطن بقدر ما بُنيت على فكرة الغلبة، غلبة العسكر على المدنيين وغلبة الحزب على الدولة وغلبة الطائفة والعروبة على الإنسان العراقي. وكلما تغيّر الحاكم بقيت العقلية ذاتها، عقلية الخوف من الشراكة والخشية من التعدد والإيمان بأن العراق لا يُحكم إلا بقبضةٍ تُقصي الآخرين.

كان العراق بعد سقوط الملكية يقف على حافة فرصة تاريخية، بلدٌ غني ومتعدد القوميات والطوائف، قادرٌ على أن يكون نموذجاً للشرق كله. لكن السلطة منذ أيام عبد الكريم قاسم وحتى الحكومات المتعاقبة، لم تستطع أن تفهم أن الوطن لا يُدار بالشعارات الثورية وحدها. فبدل أن تتحول ثورة تموز إلى مشروع دولة، تحولت إلى بداية سلسلة طويلة من الصراعات على السلطة. سرعان ما دخل القوميون والشيوعيون في نزاعٍ دموي ثم بدأت الانقلابات تلتهم بعضها بعضاً وكأن العراق خُلق ليكون وطناً مؤقتاً للحكام لا وطناً دائماً لشعبه.

وفي قلب هذه الفوضى كانت القضية الكوردية جرحاً مفتوحاً لا يريد أحد معالجته بصدق. كل الحكومات العراقية تقريباً نظرت إلى الكورد بعين الشك لا بعين الشراكة. فمنذ ثورة أيلول مروراً باتفاقية الجزائر 1975 ثم حملات الأنفال والقصف الكيميائي على حلبجة، كان الحل العسكري هو اللغة المفضلة لدى السلطة المركزية. لم يفهم كثير من الحكام أن إنكار حقوق القوميات لا يصنع وطناً موحداً بل يصنع كراهيةً مؤجلة تنفجر مع الزمن.

ثم جاء حزب البعث ليحوّل العراق إلى جمهورية خوف. دولةٌ كاملة كانت تتحرك بإشارة رجلٍ واحد، بينما الحاشية تصنع حوله جداراً من الوهم فلا يسمع إلا التصفيق، ولا يرى إلا صورته في المرايا. وفي ظل تلك السلطة تحولت الحرب إلى قدر العراقيين، حربٌ مع إيران استنزفت الأرواح والثروات ثم غزو الكويت الذي فتح أبواب الحصار والجوع والعزلة. كانت البلاد تتآكل ببطء بينما الخطابات الرسمية تتحدث عن النصر والصمود. وهكذا يصبح خراب الوطن مجرد تفصيل صغير أمام بقاء الحاكم.

وحين سقط النظام عام 2003 ظن العراقيون أن أبواب الخلاص قد فُتحت. لكن ما حدث كان انتقالاً من دكتاتورية الفرد إلى دكتاتورية الأحزاب والطوائف. صار العراق يُقسّم بالمحاصصة لا بالكفاءة. وأصبحت الوزارات غنائم سياسية بينما المواطن يبحث عن الكهرباء والماء والأمان. لم يعد السؤال من يبني الدولة؟ بل من يسيطر على الدولة؟ وهكذا وُلدت طبقة سياسية تتقاسم النفوذ باسم الطائفة والعروبة لكنها تتفق جميعاً على اقتسام الخراب.

الأخطر من كل ذلك أن الصراع لم يعد بين السلطة والشعب فقط بل بين أبناء الشعب أنفسهم. فالحروب الطائفية التي انفجرت بعد 2006 كشفت حجم الكارثة التي تراكمت لعقود. صار العراقي يُقتل على الاسم والهوية والمذهب، وتحولت المدن إلى خرائط خوف. وعندما ظهر تنظيم داعش لم يكن مجرد حادثٍ عابر بل نتيجة طبيعية لدولةٍ فشلت في بناء العدالة والثقة الوطنية. وحين تنهار فكرة الوطن تنمو الوحوش في الفراغ.

إن مأساة العراق لم تكن في نقص الثروات ولا في ضعف التاريخ بل في فشل النخب السياسية في فهم معنى الدولة. فكل سلطة جاءت وهي تحمل مشروع الهيمنة لا مشروع الوطن. وكل قائد أحاط نفسه بحاشيةٍ تزين له الأخطاء حتى أصبح الحاكم بعيداً عن أنين الشارع لا يسمع سوى أصوات المنتفعين. وعندما يُعزل القائد عن الحقيقة تبدأ الدولة بالسقوط حتى لو بقيت القصور مضاءة.

واليوم بعد أكثر من ستة عقود من الدم والانقلابات والحروب والطائفية يقف العراقي حائراً أمام وطنٍ متعب. وطنٌ يملك النفط لكنه يفتقد الاستقرار يملك التاريخ لكنه يفتقد المستقبل. وما دام الحكم قائماً على الأحزاب الطائفية والقومية الضيقة فإن العراقيين لن ينتظروا إلا مزيداً من إعادة إنتاج الأزمات نفسها، بأسماءٍ جديدة ووجوهٍ مختلفة.

ولهذا فإن الأزمة العراقية اليوم أعمق من أن تُحلّ بخطابٍ فردي أو بشخصيةٍ سياسية مهما بلغت قوتها. فلا الزيدي قادرٌ وحده على إخراج العراق من هذا الركام ولا العروبة السياسية التي حكمت العراق لعقود استطاعت أن تبني دولةً تتسع للجميع. لأن المشكلة لم تكن يوماً في اسم الحاكم فقط بل في العقلية التي أدارت الوطن بمنطق الهيمنة لا بمنطق الشراكة، وبفكرة السلطة لا بفكرة الدولة. والعراق لا يحتاج حاكماً أقوى بل يحتاج فكرة وطنٍ أقوى من الجميع.

 

 


24/05/2026