*سيار الجميل
صحيفة "العربى الجديد"
ليس أخطر ما يواجهه العراق اليوم تعدد الأزمات، بل غموض السؤال نفسه: مَن يملك القرار؟ فالدول قد تتعثر وتمر بمراحل ضعف، لكنها تظل قادرة على النهوض ما دامت تمسك بخيوط إرادتها. أما حين يصبح القرار موزعا أو خاضعا لتوازنات الداخل وضغوط الخارج، تتحول الأزمة من أزمة حكم إلى أزمة كيان. يقف العراق اليوم بين مطرقة تضغط من داخله وسندان يفرض إيقاعه من خارجه، بين قوى تتنازع النفوذ ودولة تحاول إثبات سيادتها. فلا الداخل مستقر بما يكفي، ولا الخارج بعيد بما يكفي، وفي هذا التداخل تضيع الحدود بين ما هو وطني وما هو مفروض. لذلك لم يعد السؤال: هل يخرج العراق من أزمته؟ بل: هل يملك أصلا قرار الخروج؟ وهل باستطاعة رئيس الوزراء الجديد القيام بمهمة التحول المنشود؟
العراق اليوم أشبه بمَن يسير فوق جسر قديم: لم ينهَر، لكنه غير مطمئن. هناك دولة مثقلة بتوازنات القوى والسلاح والاقتصاد الريعي والانقسام المجتمعي، يقابلها مجتمع حي، وشاب، ومتعلم، لم يعد يقبل بسهولة بالشعارات القديمة. وهذه هي حقيقة "المطرقة والسندان".
لا تكمن المشكلة في الأشخاص فقط، بل في البنية نفسها. فالنظام السياسي بعد 2003 أوجد طبقة لها مصالحها البينتهامية (النفعية) قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى عند الفشل، ما يجعل أي رئيس حكومة مقيدا بتسويات مسبقة، لذلك أثبتت فكرة "المنقذ الفرد" محدوديتها، فكل شخصية جديدة تصطدم بثلاث دوائر: مصالح قوى عميقة، وجمهور متعب وضجر، وبيئة إقليمية معقدة. وعليه، أي مشروع تغيير حقيقي لن ينجح إذا بقي أسير القواعد القديمة البالية، بل يحتاج إلى نَفَس طويل يعتمد على التنظيم المجتمعي لا الخطابات. وقد برز في السنوات الماضية عامل مهم، هو وعي الجيل الجديد الذي أدرك أن المشكلة ليست في فساد أفراد، بل في شكل الدولة نفسها الذي ترسمه المحاصصات، لكن التغيير لا يحدُث بسرعة. فالدول المركبة لا تُعاد صياغتها بثورات عاطفية، بل عبر إصلاحات تدريجية تشمل استقلال القضاء، وتنويع الاقتصاد، وتقوية الإدارات المحلية، وتعديل قوانين الأحزاب والانتخابات. والأكثر أهمية هو بناء "مراكز قوة مدنية" داخل المجتمع: نقابات مستقلة، وإعلام مهني، ومؤسسات فاعلة، ومشاريع اقتصادية تقلل الارتهان السياسي. فالدولة لا تخشى الخطابات بقدر ما تخشى مجتمعا مستقلا عنها.
وفي الوقت نفسه، لا بد من الواقعية، فالعراق ليس على حافة الانهيار، لكنه أيضا لم يبلغ الاستقرار. هو في منطقة وسطى طويلة ومؤلمة، لذلك قد تخيب بعض الآمال، لكن الفرق اليوم أن الوعي الشعبي أعمق، والجيل الجديد أقل قابلية للتصديق الأعمى، وهذه بداية تحول حقيقي وإن كان بطيئا. وتتضح أزمة القرار أكثر في علاقات العراق الإقليمية. فهو لا يتحرك في فراغ، بل في فضاء تتقاطع فيه المصالح. العلاقة مع إيران هي الأكثر تعقيدا، إذ تتجاوز الجوار إلى نفوذ عميق في السياسة والأمن والاقتصاد، ما يجعل سؤال الاستقلالية مشروعا. ومع ذلك، لا يمكن اختزالها بالتبعية وحدها، فداخل العراق قوى تسعى لإعادة التوازن. إن الدول المركبة مثل العراق لا تتغير بثورة عاطفية خلال أشهر. إن التغيير الحقيقي يحتاج إلى استقلال قضائي فعلي، واقتصاد يقلل الاعتماد على النفط والتوظيف السياسي، وإدارات محلية قوية، وقانون أحزاب وانتخابات يحدان من احتكار طبقة القوى التقليدية البالية.
أما العلاقة مع تركيا فمحكومة بمعادلة الأمن والمياه والاقتصاد، إذ تسعى أنقرة إلى حماية مصالحها، بينما يحاول العراق الحفاظ على سيادته بإمكانات محدودة، ما يُنشئ علاقة متوترة أحيانا وبراغماتية أحيانا أخرى. أما سورية، فالعلاقة معها ترتبط بتعقيدات إقليمية أوسع، تجعل العراق حلقة وصل بقدر ما هو ساحة تأثر. في المحصلة، لا يبدو العراق تابعا بالكامل ولا مستقلا تماما، بل دولة هشة إلى حد اليوم، تحاول التوازن من دون أن تنجح بعد في تحويله إلى سياسة مستقرة. وهنا التحدي، إعادة تعريف العلاقات على أساس المصالح الوطنية.
أما علاقته مع دول الخليج العربي، فهي مثال واضح على هذا التوازن الحذر. فهذه الدول لا تنظر إلى العراق على أنه عدو، بل شريك محتمل، لما يمتلكه من عمق اقتصادي وبشري وجغرافي عربي. وقد شهدت السنوات الماضية محاولات تقارب ملحوظة، لكن السؤال الحاسم بالنسبة إلى الخليج يبقى: هل القرار بيد الدولة أم بيد الفصائل؟ وطالما توجد جماعات وفصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، وترتبط بإيران، فسيبقى القلق قائما، وستظل العلاقة محكومة بالحذر. ومع ذلك، تميل دول الخليج اليوم إلى "الاحتواء الهادئ"، وتسعى إلى الحفاظ على العلاقة من دون صدام مباشر، إدراكا منها أن استقرار العراق مصلحة مشتركة. وهنا تظهر مفارقة واضحة، فالخليج العربي يريد التقارب مع العراق، لكنه يخشى أن يتحول إلى ساحة نفوذ ضده، لذلك تتسم العلاقة بالتذبذب: تقارب ثم توتر ثم تهدئة... وتفاقم التوتر في هذه العلاقات خلال الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
مستقبل هذه العلاقات، بل مستقبل العراق نفسه، يتوقف على ثلاثة أمور: قدرة الدولة على احتكار السلاح، وإعادة التوازن في علاقاتها الإقليمية، ونجاح الجيل الجديد في بناء هُوية وطنية تتجاوز الانقسامات إذا اضمحلت المحاصصة السياسية والمجتمعية، فإذا تحقق هذا قد يتحول العراق إلى شريك إقليمي قوي خلال السنوات المقبلة، أما إذا بقي ساحة صراع فسيظل هشا مثل سفينة فقدت بوصلتها، محكوما عليه بمعادلة: التعاون… لكن بحذر شديد.
وهكذا، يعود السؤال الأول، لا بوصفه سؤالا سياسيا عابرا، بل سؤالا وجوديا: هل يملك العراق حقا قرار الخروج من بين المطرقة والسندان، أم أن هذا القرار ما زال بانتظار من يستعيده؟