*فرست عبدالرحمن مصطفى
يبدو أن تشكيل حكومة إقليم كوردستان لم يعد حدثا سياسيا بل تحول إلى مشروعٍ علمي طويل الأمد يحتاج إلى سنوات من البحث والدراسة وربما إلى بعثةٍ فضائية لفهم أسبابه. فبعد عشرين شهرا من الانتخابات ما زالت الحكومة المنتظرة تتجول بين الاجتماعات واللجان والوفود وكأنها سائحٌ أضاع عنوان منزله.
عشرون شهرا مرت وخلالها وُلد أطفال وتعلموا المشي وتغيرت حكومات في دول أخرى وسقطت حكومات وقامت أخرى وربما اكتشف العلماء كواكب جديدة، لكن حكومة الإقليم ما زالت قيد التفاوض وكأن ولادتها تحتاج إلى موافقة الكواكب الثمانية مجتمعة.
الأحزاب الكوردستانية تؤكد في كل مناسبة أنها حريصة على مصلحة المواطن حتى إن المواطن نفسه بدأ يشعر بالحرج من هذا الكم الهائل من الحرص. فكلما ازدادت التصريحات عن الاهتمام بمعاناته ازدادت معاناته فعلا. وكلما سمع كلمة "قريبا" شعر أن المقصود بها أحد القرون القادمة لا الأسابيع القادمة.
أما الاجتماعات فقد أصبحت من أبرز الإنجازات السياسية في الإقليم. اجتماع بعد اجتماع وبيان بعد بيان وصورة تذكارية بعد صورة تذكارية حتى بات المواطن يعتقد أن الحكومة قد تشكلت بالفعل، لكن أحدهم نسي الإعلان عنها.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن حماية التجربة الكوردستانية تبدو التجربة وكأنها مريض في غرفة الإنعاش يتلقى الخطب بدل العلاج. الجميع يعلن تمسكه بالشراكة الوطنية لكن هذه الشراكة تشبه قطارين يسيران على سكتين متوازيتين، يقتربان في البيانات ويبتعدان في الواقع.
المواطن البسيط لا يريد معرفة تفاصيل توزيع المناصب ولا أسرار الاجتماعات المغلقة. كل ما يريده أن يعرف إن كانت هناك حكومة أم مشروع حكومة أم مجرد فكرة فلسفية عن الحكومة. يريد كهرباء لا بيانات ورواتب لا وعودا وقانونا لا مؤتمرات صحفية.
المفارقة أن الانتخابات أُجريت من أجل اختيار سلطة تدير شؤون الناس لكن النتيجة الوحيدة الواضحة حتى الآن هي أن الناس أصبحوا يديرون شؤونهم بأنفسهم بينما لا يزال الساسة يديرون مفاوضاتهم مع بعضهم البعض.
واليوم لم يعد السؤال في الشارع الكوردستاني، متى ستتشكل الحكومة؟ بل أصبح، هل ستدخل هذه الحكومة يوما ما موسوعة الأرقام القياسية باعتبارها أطول حكومة تحت التشكيل في التاريخ السياسي الحديث؟
وفي انتظار الإجابة، يبقى المواطن واقفا في الطابور نفسه يستمع إلى الشعارات ذاتها ويشاهد الوجوه ذاتها، ويحلم فقط بمعجزة سياسية تعيده إلى قناعة قديمة كان يؤمن بها يوما "أن صوته الانتخابي قادر على أن يصنع حكومة لا أن يدخل في إجازة مفيدة لمدة عشرين شهرا".