*ساطع راجي
وضع العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان هي تلخيص للوضع السياسي في العراق بعد 2003، ومقياس لنمو العقلية السياسية للقيادات الحزبية ومستوى مأسسة الدولة العراقية وقدرة الفاعلين السياسيين على فهم الدستور وتطبيقه.
في العراق صار تشكيل الحكومات يعد إنجازا كبيرا، او على الأقل هذا ما تريد القيادات السياسية الإيحاء به للمواطنين، رغم ان هذا التشكيل منظم في الدستور وهو محطة دورية لكل أربع سنوات، لكن تحويله السياسي الى انجاز هدفه منع التساؤل عن مضمون الحكومة، او الأهداف العليا التي اتفقت عليها القوى السياسية لكي تنجزها الحكومة عدا الأنشطة اليومية والمشاريع والوعود المعتادة.
في تشكيل حكومة الزيدي، وقبلها في الحكومات السابقة، كانت المشاكل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم حاضرة في الحوارات وكثيرا ما انبعثت رسائل مباشرة او غير مباشرة توحي بأن المشاكل تم حلها لكن طبعا ضمن صفقة حزبية وتفاهمات شخصية بين القادة بلا مأسسة ولا تنظيم ولا تشريعات حتى ترسخت صورة "الزواج المضطرب" بين الطرفين، حيث يقضي الطرفان معظم الوقت في الشجار والترضية والمحاكم والتصالح المؤقت، لأن القوى السياسية العراقية (بمختلف مكوناتها) لا تريد أصلا حسم مفهوم الدولة الاتحادية (الفيدرالية)، فالجميع يريد إبقاء المفهوم عائما لإستخدامه في المناورات والمساومات، ويمكن الرجوع الى قائمة طويلة من مقترحات تشكيل الأقاليم في البصرة والجنوب والمنطقة الغربية والاقاليم الطائفية، واللافت ان معظم الأحزاب المشاركة في الحكم تغير موقفها من النظام الاتحادي وتشكيل الأقاليم باستمرار، فالذي يرفض الأقاليم بالأمس يطالب بتشكيلها اليوم والعكس حدث أيضا.
هذا الموقف من النظام الاتحادي هو ما يعرقل تشريع القوانين الخاصة بإدارة الثروة النفطية والمال العام والصلاحيات الإدارية، لتبقى كل هذه الملفات حاضرة في اتفاقات تشكيل الحكومات، أي ان ما يخص الدولة يتحول الى مجرد رصيد حزبي، وهو ما يسيطر على العلاقة بين بغداد وكردستان، ففي المكانين يريد الحزبيون عقد صفقاتهم الخاصة وهي غالبا صفقات تنهار بسرعة وهو ما تبدو علاماته واضحة هذه الأيام.
ان حالة العلاقة بين بغداد وكردستان، هي ذاتها بين جميع المحافظات وبغداد، اذ لا تتضح حدود الصلاحيات ولا تنتظم الأموال (عدا الرواتب) وتتضارب المشاريع وتعيش إدارات المحافظات في حالة صراع مع وزارتي التخطيط والمالية، ولا تحل الإشكالات الا بحسابات حزبية تسمح بفك الاشتباك في الجزء الأصغر من المشاكل بين تبقى الأجزاء الكبرى بلا حل وتشهد هياكل الأبنية التي لم تستكمل بسب خلافات التمويل على ذلك.
الهيمنة الحزبية على مؤسسات الدولة هو ما يعرقل حل المشاكل الفنية والمالية والإدارية، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في تعدد الوفود والزيارات بين بغداد وأربيل، حتى صار من الصعب تحديد الأشخاص المسؤولين عن التفاوض، لكن نلاحظ بسهولة ان المرونة وادعاءات الحل تحصل كلما كان الوفد حزبيا او مسيسا وتزداد الصعوبات حين يتفاوض الفنيون والاداريون، وهو ما يحدث أيضا في مشاكل المحافظات العراقية عامة، وصار المحافظ وكذلك بعض مسؤولي الإقليم يعتبر حصوله على وعد بصرف جزء من المستحقات المالية نصرا شخصيا دون الاهتمام بتأسيس علاقة واضحة وثابتة ومقننة بين المحافظة او الإقليم والمركز، علاقة تتجاوز المجاملات الشخصية والصفقات الحزبية.
حالة اللااستقرار بين الحكومة الاتحادية والاقليم وكذلك المحافظات تعطل أي عملية تنموية حقيقية وتساهم في اثارة الفتن وسيادة مناخ التحريض والانقسامات وهو ما يذهب بالدولة الى مزيد من الضعف وبالمواطنين الى مزيد من الغضب، وتضعف كلا من الدولة العراقية وكذلك إقليم كردستان.
لا تريد القوى الحزبية السماح بترسيخ مؤسسات الدولة والالتزام بالدستور، وهو ما يتضح في تعطيل قانون النفط والغاز، لأن ذلك يقلص من قدرتها على الاستئثار بالمال العام وعقد صفقاتها الخاصة والتشويش على الرأي العام والهائه بإثارة الأحقاد، وهو لعب سياسي على حافة الانهيار دائما.