*عماد أحمد
*الترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
لقد كتب تاريخ البشرية دائما بين ساحتين: ساحة الحرب ومائدة الحوار. ففي الأولى تسعى القوة إلى فرض إرادتها، وفي الثانية يسعى العقل إلى وضع حدود للقوة. غير أن هناك لحظات نادرة يقترب فيها هذان العالمان من بعضهما؛ حين تجتمع الرياضة والسياسة، والعاطفة والمصلحة، والتنافس والدبلوماسية في صورة واحدة.
ويعد عام 2026 واحدا من تلك اللحظات. فمن جهة، تتجه أنظار ملايين البشر إلى بطولة كأس العالم لكرة القدم؛ ذلك الحدث الذي يوحد، ولو مؤقتا، مختلف اللغات والقوميات والأديان تحت راية اللعبة. ومن جهة أخرى، يراقب الشرق الأوسط الجهود المبذولة للحوار والتوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ وهو حوار لا تقتصر نتائجه على البلدين فحسب، بل تمتد أهميته إلى المنطقة بأسرها وإلى معادلات القوة والأمن الجديدة فيها.
ظاهريا يبدو أن أحد الأمرين رياضة والآخر سياسة، لكن في العمق يسعى كلاهما إلى الهدف نفسه وهو إيجاد التوازن.
فكرة القدم بلا قوانين لا معنى لها؛ إذ لو تحرك كل لاعب وفق هواه ومن دون حدود، لتحول الملعب إلى ساحة قتال. والأمر ذاته ينطبق على السياسة. فإذا تحدثت كل دولة بلغة القوة وحدها، تحول العالم إلى ميدان صراع لا نهاية له. ولهذا قامت الحضارات على أساس القوانين والاتفاقات، لأن القوانين هي الخطوط البيضاء التي تحدد حدود اللعبة.
لكن في كل مباراة كبيرة لا يكون اللاعبون وحدهم من يحددون المصير؛ فهناك الحكم، ذلك الشخص الذي لا يهاجم ولا يدافع، غير أن غيابه يحول المباراة إلى ساحة معركة. فالحكم لا يسجل الأهداف، لكنه يمنع تسجيلها باللكمات أو عبر انتهاك القواعد. وتكمن قوته في حياده وحمايته للقوانين، لا في دعمه لأحد الأطراف.
وفلسفة السياسة تقبل المبدأ ذاته. فالمؤسسات الدولية والقوانين الدولية والدول الوسيطة تؤدي في كثير من الأحيان دور الحكم نفسه. وقد لا تكون دائما عادلة، وربما تتأثر أحيانا بالمصالح، لكن وجودها يبقى أفضل من غيابها، لأن العالم من دون حكام يعود سريعا إلى قانون الغاب؛ أي إلى قاعدة أن الأقوى يمتلك حقوقا أكثر.
ومن زاوية أخرى، فإن الحوار الأمريكي الإيراني لا يمثل مجرد علاقة بين دولتين. فخلف هذه المعادلة يقف عدد من اللاعبين الآخرين. فإسرائيل منشغلة بأمنها وتنظر بعين الريبة إلى أي تغيير محتمل. ولبنان ما يزال يعيش أوضاعا غير مستقرة وينتظر معرفة شكل التوازنات المقبلة في المنطقة. أما حزب الله فيحاول إيجاد موقع جديد له بين الواقع السياسي وإرثه العسكري. وكما هو الحال في كأس العالم، لا يلعب أي فريق بمفرده في السياسة؛ ففوز أي طرف أو خسارته يترك أثرا على بقية الأطراف.
ويعلمنا التاريخ درسا مهما: فمعظم الحروب تبدأ في الميدان، لكنها تنتهي في غرف التفاوض. وبعد سنوات من استنزاف الثروات وسفك الدماء، تضطر جميع الأطراف إلى العودة إلى الطاولة التي غادرتها في البداية. وهذا ليس دليلا على الضعف، بل دليل على أن القوة وحدها ليست حلا. فالقوة قد تفتح الباب، لكن الحوار وحده هو القادر على العبور من خلاله.
ولعل أهم دروس كأس العالم 2026 هو أن النجاح لا يتحقق بالقوة وحدها. فالفريق البطل ليس دائما الأقوى أو الأكثر خشونة في اللعب، بل هو الذي يفهم ويعرف القواعد بصورة أفضل، يتفهم زملائه بشكل أفضل، ويستطيع إيجاد التوازن بين القوة والذكاء، وبين الهجوم والدفاع، وبين الواقع والطموح.
وفي السياسة أيضا تسري القاعدة نفسها. فالطرف الناجح هو الذي يستطيع إيجاد توازن بين مصالحه ومصالح الآخرين، لأن الانتصار الحقيقي لا يكمن في هزيمة خصمك، بل في بناء نظام يستطيع الجميع العيش في إطاره.
وفي نهاية كل مباراة يطلق الحكم صافرة النهاية، ويرفع الفريق الفائز الكأس، لكن في المباريات السياسية التي يصنعها التاريخ يكون الانتصار الحقيقي عندما تنجو الدول من الحرب وتتمكن من بناء مستقبل أكثر هدوءا. فكأس العالم ينتهي بعد أسابيع قليلة، أما السلام أو الحرب فقد يستمران زمنا طويلا ويغيران مصير أجيال كاملة.
ولهذا، وكما في كرة القدم، نحن بحاجة في السياسة إلى لاعبين جيدين، لكننا بحاجة أكثر إلى حكام عادلين وقوانين محترمة؛ لأن الملعب من دون قوانين يتحول إلى خراب، والمستقبل من دون اتفاق لا يكون سوى تكرار للماضي.
فالطلقات تطلق في الميادين، أما معاهدات السلام فلا توقع إلا على الموائد. والتاريخ لا يخلد من امتلك أكبر ترسانة من الأسلحة، بل يتذكر من اختار الحوار في اللحظات الحساسة بدلا من الحرب، ومن فضل التوافق على انهيار الأوضاع. وذلك هو، في فلسفة الحياة والسياسة، الانتصار الحقيقي.