×

  رؤى حول العراق

  الامتحانات الوزارية وقياس القدرات العقلية



*أ. د. عصام عبد العزيز المعموري

النظام التعليمي السائد في مدارسنا قد أسس لظاهرة اسمها (التعليم من أجل الاختبار)

في بيوتنا بدأ لدينا موسم الطوارئ أو الرعب المصاحب للامتحانات الوزارية وتحول التعليم الى معركة حفظ وتلقين.

هل هذه الامتحانات تقيس فعلا ذكاء الطالب وقدرته على التفكير أم أنها مجرد اختبار لقوة ذاكرته وقدرته على استرجاع المعلومات يوم الامتحان ؟.

يصنف المنظر التربوي الأمريكي ( بلوم ) الاختبارات في المجال المعرفي استنادا الى القدرات العقلية التي تقيسها الى ستة مستويات، المستوى الأول يقيس القدرة على الحفظ أو التذكر (استرجاع المعلومات، تعريف، سرد، تحديد) والمستوى الثاني يقيس القدرة على الفهم أو الاستيعاب (شرح الأفكار أو تفسيرها) والمستوى الثالث يقيس القدرة على التطبيق (استخدام المعلومات في مواقف جديدة :حل، تنفيذ، استخدام) والمستوى الرابع يقيس القدرة على التحليل (تفكيك المادة الى أجزاء وربطها: مقارنة، تصنيف، استنتاج) والمستوى الخامس يقيس القدرة على التقييم (اصدار أحكام بناء على معايير : نقد، تبرير، تقييم) والمستوى السادس يقيس القدرة على الابداع (دمج العناصر لتكوين جديد: تصميم، ابتكار، صياغة) وتصنف المستويات الثلاثة الأولى( التذكر والفهم والتطبيق) على أنها تقيس القدرات العقلية الدنيا أما المستويات الثلاثة التي تليها (التحليل والتقييم والابداع) فإنها تقيس القدرات العقلية العليا.

وقبل سنوات تم تكليفي بتحليل الأسئلة الوزارية في مادة الفيزياء للسادس العلمي لعشر سنوات سابقة، باعتباري متخصصا في طرائق تدريس الفيزياء فوجدتها لم تتجاوز قياس مستوى التطبيق ولم تتجاوزها على الاطلاق، وهذا يعني بأنها تقيس قدرات عقلية دنيا فقط وتقيس قدرة الطالب على الحفظ والاستظهار فقط، في وقت ينصح فيه المتخصصون في القياس والتقويم بضرورة توزيع الأسئلة لتغطي جميع المستويات الستة مع التركيز على المستويات العليا لقياس التفكير الناقد وحل المشكلات، لا مجرد الحفظ.

في نظام الامتحانات الوزارية السائد لدينا فان الطالب الذي يحصل على 100 بالمئة غالبا هو ليس الطالب الأكثر ذكاء أو القادر على تقديم حلول غير تقليدية للمشكلة أو المسألة المطروحة، بل هو الطالب الأكثر قدرة على حفظ أو استظهار المعلومات الواردة في الكتاب المدرسي.

إن النظام التعليمي السائد في مدارسنا قد أسس لظاهرة اسمها (التعليم من أجل الاختبار) حيث يصبح هم المعلم أو المدرس هو انهاء المقرر الدراسي وحشو عقول الطلبة بمعلومات لاستدعائها وقت الاختبار.

يصنف الأدب التربوي البريطاني المعلمين الى أربعة أصناف: المعلم الضعيف يلقن والمعلم المتوسط يفسر أو يشرح والمعلم الجيد يعرض والمعلم المتميز يلهم.

نحن بحاجة الى معلم يلهم وقادر على جعل المتعلم مواكبا لمتغيرات العصر، عصر الانفجار المعرفي.

إن المخرجات التعليمية التي أفرزتها ظاهرة (التعليم من أجل الاختبار) هي مخرجات تعليمية لا تتناسب مع سوق العمل الحديث الذي يتطلب مهارات التحليل وحل المشكلات والابتكار.

يجب على واضعي الأسئلة الوزارية التحول من قياس (كم يعرف الطالب) الى (كيف يفكر ويطبق) وهذا هو جوهر الامتحانات الوزارية الفاعلة.

 

وفي هذا المجال يمكن تقديم المقترحات الآتية :

1-الابتعاد عن أسئلة التذكر فقط: عدم الاكتفاء بعبارات مثل (عرف، اذكر، ما المقصود بــ) وضرورة الموازن بين المستويات ( اجعل 30 بالمئة تذكر وفهم و70 بالمئة تطبيق وتقييم  وابداع ).

2- صياغة أسئلة تقيس التفكير وليس الاسترجاع : ففي مستوى التطبيق امنح الطالب موقفا جديدا (نص، جدول، خريطة) واطلب منه استخدام مفهوم لحل مشكلة) وفي مستوى التحليل اطلب: مقارنة، تصنيف، استنتاج أسباب أو تحديد علاقات. وفي مستوى التقييم تطلب من الطالب أن يعطي رأيه أو ينتقد فكرة ما وفق معايير محددة، وفي مستوى الابداع تطلب من الطالب تصميم حل أو كتابة سيناريو أو اقتراح بديل مبتكر.

3- تنويع صيغة الأسئلة: المزاوجة بين الأسئلة المقالية والأسئلة الموضوعية (الاختيار من متعدد والصح والخطأ وأسئلة التكميل والمزاوجة او الربط بين عمودين وغير ذلك) لأن لكل نمط من هذه الأسئلة نقاط قوة ونقاط ضعف والأفضل هو الشامل للنمطين (المقالي والموضوعي).

4- تقديم مادة محفزة للتفكير: نص علمي قصير + جدول احصائي + رسم بياني، ثم أسئلة تفسير وتحليل. أو اختيار حالة دراسية من الواقع ويطلب تحديد الخلل واقتراح تحسينات.

5- ترتيب الأسئلة من الأسهل (تذكر) الى الأصعب (ابداع ) مع منح وقت كاف للأسئلة العليا.

6- تدريب واضعي الاسئلة الامتحانية من خلال ورش عمل متخصصة في صياغة أسئلة التفكير الناقد.

7- توفير نماذج تجريبية ومعايير تصحيح واضحة من خلال: توفير نماذج ارشادية للطلبة قبل الامتحان لتخفيف القلق من تغيير النمط، ووضع معايير تصحيح تحلل الاجابة : درجة لفهم الموقف ودرجة للتحليل ودرجة للإبداع.


18/06/2026