×

  رؤى حول العراق

  مساراتٌ جديدةٌ لتفاهمات بناءة بين بغداد واربيل



*عادل الجبوري

 

بعد تسعة أيام من نيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي ثقة مجلس النواب، زار رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور البارزاني بغداد، والتقى على مدار يومين، كبار الشخصيات والزعامات السياسية من مختلف العناين والاتجاهات، وأجرى نقاشات ومباحثات شاملة ومعمقة وصريحة ومثمرة، مثلما هو صرح بذلك، ومثلما اكد من التقاهم واجتمع بهم.

لا شك أن توقيت الزيارة، الذي اقترن مع انطلاق عمل الحكومة الجديدة، ومع جملة تحديات داخلية وخارجية، اقتصادية وامنية بالدرجة الأساس، تتطلب اقصى قدر من التفاهم والانسجام، وتحديد وتشخيص المسارات الصحيحة المطلوبة من أجل التغلب على تلك التحديات، وتحويلها إلى فرص وافاق للنجاح والتقدم والازدهار.

  ومما لا يختلف عليه اثنان، هو أن نجاح الحكومة الجديدة مرهون في جانب كبير منه، بتهيئة الأرضيات والمناخات السياسية المناسبة لمعالجة المشكلات والأزمات الاقتصادية والحياتية الكبرى.

 ولأن المكون الكردي، بشقيه السياسية والمجتمعي، يمثل ثقلا كبيرا في المشهد العراقي العام، لذا لا بد ان يكون عنصرا مساهما بفاعلية في بلورة المعالجات والحلول، بدلا من أن يكون عاملا في مراكمة المشكلات والأزمات. ولعل الإشارات الإيجابية التي لاحت من بغداد وأربيل، خلال الأسابيع الأربعة المنصرمة، تبعث على التفاؤل.

في مقابل ذلك، فإن إقليم كردستان، لا يمكنه معالجة مشكلاته السياسية والاقتصادية بعيدا عن بغداد، لأن كل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية متداخلة ومتشابكة، ومن غير الممكن الفصل في ما بينها، وتجارب الثلاثة وعشرين عاما الماضية أثبتت وأكدت ذلك.

ورغم مرور هذا الوقت الطويل، إلا أن الحوارات بين بغداد واربيل لم تفضِي إلى تفاهمات وتوافقات يعتد بها، ولم تتمخض عنها حلول ومعالجات جذرية للمشكلات والأزمات القائمة، ولم تفرز وتحدد مساحات كل طرف بشكل واضح ومقبول.  ولعل ضعف الثقة، أو كما يحلو للبعض أن يطلق عليه "ازمة الثقة"، كان العامل الأبرز في بقاء الكثير من الملفات مفتوحة والقضايا عالقة، والخطوط متشابكة، والعقد مستعصية بين المركز والإقليم.

وضعف الثقة أو أزمة الثقة، ساهم في تكريس مظاهر "التغالب"، والاستقواء بهذا الطرف الإقليمي- الدولي أو ذاك لفرض الأمر الواقع، وتحقيق أكبر قدر من الامتيازات والمكاسب. ولعل الحديث يطول ويتشعب إلى حد كبير، عند الخوض في الامثلة والمصاديق في هذا الجانب، لكن من المهم جدا الاشارة إلى حقيقة أن الإبقاء على نفس آليات الحوار وأدوات الصراع السياسي، يعني فيما يعنيه استمرار الدوران في حلقة مفرغة، وبقاء الامور متأرجحة بين فترات هدوء وتهدئة، وفترات تصعيد وتأزيم، قد تؤثر بها- سلبا أو إيجابا- ظروف البلد الداخلية، وظروف المحيط الاقليمي والفضاء الدولي إلى حد ما.  يمكن للحوار بين بغداد وأربيل أن يخرج من حلقته المفرغة ويتحرك في مسارات واضحة ومعبدة، نحو افاق مفتوحة فيما لو استند إلى معطيات عملية وواقعية، لعل أبرزها  الدستور، الذي يعد الوثيقة الاهم للعقد السياسي والاجتماعي، الذي تبانى عليه العراقيون، وهم يؤسسون لدولتهم الرشيدة ونظامهم الصالح، بعد تأريخ طويل من ويلات ومآسي الانظمة والحكومات الديكتاتورية الاستبدادية الظالمة.   هذا الدستور الذي كان للأغلبية الشيعية والمكون الكردي الدور الاكبر في ايجاده. لا شك أن فيه الكثير من المخارج والحلول والمعالجات المناسبة للمشكلات القائمة واللاحقة. ومع وجود الدستور، وما يتضمنه من حلول ومعالجات، ومع استمرار الحوارات، فإن غياب الثقة، يبقى هو العائق والعقبة الكأداء أمام أي أفق جيد ونافع. بعبارة أخرى، ما لم تتوفر النوايا الحسنة والإرادات الصادقة من كلا الطرفين، فإن الحوار لن يغادر حلقته المفرغة، وسيكون اشبه بـ"حوار الطرشان!".

ولأن القضايا متداخلة ومتشابكة، والملفات كثيرة، والرؤى والقناعات والتقديرات متباينة، فإنه لا بد من التركيز على أكبر قدر من نقاط التوافق والالتقاء، وتجنب نقاط الافتراق، مع التأكيد على أن المؤشرات والمعطيات الراهنة في هذا الجانب مشجعة إلى حد كبير. والمسألة الاخرى، تتمثل في أنه مثلما يراد أن تكون للحكومة الاتحادية رؤية موحدة وواضحة، لا تتجاذبها الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة، فإن على الاقليم أن يبلور مواقف وتوجهات ورؤى موحدة ومنسجمة، تأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي الكردي، ومدى تأثير تباين مواقف وتوجهات بعض قواه السياسية على مسارات ومعطيات واتجاهات الحوار مع بغداد.

وطبيعي أن التفاهم والتوافق بين المركز والإقليم من شأنه أن يسهم بشكل أو بآخر في تطويق مساحات الخلاف والاختلاف داخل البيت الكردي، ويبعد عنه شبح العودة إلى الاقتتال الأهلي والتفكك والانقسام السياسي والمجتمعي والجغرافي، وفوق ذلك، يمكن أن يساعد بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحد من التدخلات الخارجية.

ومثلما تبلورت قناعات لدى صناع القرار في بغداد مفادها، بأنه لا سبيل لوضع حد لحالة الصدام المستمر بين المركز والإقليم، إلا بسلوك طريق الحوار البناء، فإن صناع القرار في الإقليم، وتحديدا في أربيل، أدركوا تمام الإدراك، أن لا خيار امامهم اذا كان يريدون إخراج الإقليم والشعب الكردي من دوامة المشكلات والازمات المجتمعية الخانقة، إلا بالتوجه الجاد والصادق نحو بغداد، والتعامل بقدر كبير من الواقعية مع مجريات الوقائع والاحداث، لا سيما أن التجارب اثبتت خطأ المراهنة والتعويل على الخارج من أجل فرض خيار معين، ربما يتقاطع بشكل أو باخر مع الثوابت والمصالح والمبادئ الوطنية. 

وقبل زيارة رئيس حكومة الإقليم الأخيرة لبغداد، كان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، قد جاء إلى بغداد قبل أقل من عامين، وأكد في مجمل لقاءاته وحواراته مع مختلف القوى والشخصيات السياسية على مبادئ الشراكة والتوافق والتوازن في إدارة الدولة، وهو ما يتفق عليه معظم-إن لم يكن جميع-الشركاء، بيد أن العبرة تكمن في التطبيق، وهذا ما يتطلب تفهما لحقائق الواقع، وتقديرا لحجم المصالح، وإدراكا لمستوى المخاطر والتحديات، والتأسيس للثقة الحقيقية أولا وأخيرا، ليفضي كل ذلك إلى مخرجات ونتائج ومعطيات تعود بالنفع والفائدة على الجميع.

*صحيفة"الصباح"العراقية


18/06/2026