×

  قضايا كردستانية

  الصحافة العراقية والتعاطي مع القضية الكردية



*محمد شيخ عثمان

 من الشراكة الوطنية إلى المسؤولية العالمية

 

لا تقتصر أهمية الذكرى السابعة والخمسين بعد المئة لتأسيس الصحافة العراقية، على الاحتفاء بتاريخ الكلمة الحرة ورواد الصحافة وشهدائها، بل تفتح المجال أيضا لمراجعة الدور الوطني والمسؤول  الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام العراقية في التعامل مع القضايا المصيرية للبلاد، وفي مقدمتها القضية الكردية بوصفها إحدى أقدم القضايا القومية العادلة في الشرق الأوسط.

كل الحقائق تشدد على ان  الإعلام المهني مطالب بـ”ترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل والإسهام في بناء مستقبل يليق بالعراقيين جميعا” وهذه الرسالة الوطنية تكتسب أهمية خاصة عند التعاطي الإعلامي مع القضية الكردية، التي لا تمثل شأنا محليا عراقيا فحسب، بل قضية تاريخية وإنسانية ذات أبعاد إقليمية ودولية.

لا تنحصر مسؤولية الصحافة العراقية تجاه القضية الكردية في نقل الأخبار أو متابعة الخلافات السياسية الآنية ومسالة الرواتب والواردات، بل تتجاوز ذلك إلى تبني خطاب مهني مسؤول يعترف بالحقوق المشروعة والتاريخية والدستورية لشعب كردستان، سواء في العراق أو حتى في الأجزاء الأخرى من كردستان، انطلاقا من مبادئ حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وفق القانون الدولي،فالتعاطي الإيجابي والمسؤول مع الحقوق الكردية لا يمثل تنازلا سياسيا أو اصطفافا قوميا، بل يشكل استثمارا استراتيجيا في استقرار الدول وتعزيز وحدتها الداخلية وقد أثبتت التجارب التاريخية أن احترام التعددية القومية والثقافية وبناء شراكات عادلة بين المكونات يسهمان في ترسيخ الاستقرار السياسي ورفع مكانة الدول إقليميا ودوليا.

وفي الحالة العراقية تحديدا، لعب الكرد ليس قبل عام 2003  بل بعده ايضا دورا محوريا في حماية وحدة العراق وترسيخ النظام الاتحادي، وساهموا في بناء العملية السياسية على أساس التوافق الوطني والشراكة الدستورية بين المكونات العراقية.

كما كان للكرد دور بارز في مواجهة الإرهاب والدفاع عن العراق خلال الحرب ضد تنظيم داعش، فضلا عن مساهمتهم في الحفاظ على مؤسسات الدولة واستمرار العملية الديمقراطية في أصعب المراحل.

ورغم ذلك، ما تزال بعض المنابر الإعلامية العراقية تتعامل مع الحقوق الدستورية للكرد بمنطق الشك أو التحريض أو الإنكار، وتتبنى أحيانا خطابا يدعو إلى تقليص المكتسبات الدستورية أو تعديل الدستور بصورة أحادية تمس جوهر النظام الاتحادي الذي توافق عليه العراقيون بعد عام 2003.

طبعا مثل هذا الخطاب لم  يخدم يوما وحدة واستقرار العراق، بل يهدد أسس الشراكة الوطنية ويعيد إنتاج الأزمات التاريخية فالصحافة الوطنية الحقيقية يجب ان لا تكون أداة لإثارة النزاعات أو تغذية الانقسامات، وإنما جسرا للحوار والتفاهم والاعتراف المتبادل.

من هنا فإن مسؤولية الصحافة والإعلام العراقي تقتضي الدفاع عن الدستور، واحترام التعددية، والتعامل مع القضية الكردية باعتبارها جزءا من مشروع بناء دولة المواطنة والشراكة، لا باعتبارها ملفا للخلاف أو المزايدات السياسية.

كما أن مكانة العراق الإقليمية والدولية ترتبط إلى حد كبير بمدى نجاحه في إدارة تنوعه القومي والثقافي فالدول التي تحترم حقوق مكوناتها وتعترف بخصوصياتها تحظى بثقة المجتمع الدولي وتتمتع باستقرار أكبر وقدرة أوسع على لعب أدوار إقليمية مؤثرة.

في يوم الصحافة العراقية، يبقى الرهان على إعلام مهني ومسؤول يرفض خطاب الكراهية، ويناصر العدالة الدستورية، ويدافع عن الحقوق المشروعة لجميع المكونات، وفي مقدمتها الحقوق الكردية فالإعلام الذي يحمي التعددية ويحترم الحقيقة لا يخدم الكرد وحدهم، بل يخدم العراق بأسره ويعزز صورته دولة ديمقراطية متعددة وقادرة على تحويل تنوعها إلى مصدر قوة واستقرار.

كل الوقائع اثبتت ان مستقبل العراق لا يبنى بالإقصاء أو الإنكار، وإنما بالشراكة والاعتراف المتبادل واحترام الحقوق الدستورية والتاريخية لجميع أبنائه وهنا تكمن الرسالة الأسمى للصحافة العراقية في عيدها الوطني: أن تكون صوتا للحقيقة، وجسرا للوحدة، وحارسا للدستور  ومنبرا للعدالة والسلام والاخوة والتعايش.

والف تحية واعتزاز لزملائنا الصحفيين العراقيين بهذا اليوم الاغر .


18/06/2026