×

  کل الاخبار

  بعد مذكرة التفاهم.. هل تقترب المنطقة من مرحلة جديدة؟



*سوران الداوودي

 

العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تعد من العلاقات الدولية الأكثر تعقيدا وتأثيرا في منطقة الشرق الأوسط في العقود الأربعة الماضية. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وما تبعها من قطيعة سياسية وأزمات متلاحقة التوتر هو السمة الغالبة للعلاقة  القائمة بين البلدين.  اما اليوم فان المتغيرات الإقليمية والدولية الحاصلة  تؤكد وجود مصالح مشتركة تجبر الطرفين على البحث عن تفاهمات قد تؤيدي الى تخفيف حجم الصراع وفتح مساحات جديدة للتفاهم.

تعلم اميركا أن منطقة الشرق الأوسط ذات أهمية استراتيجية حساسة لا بسبب موارد الطاقة فحسب، وانما لموقعها الجيوسياسي وتأثيرها في الأمن الدولي. حيث تسعى واشنطن في الوقت نفسه إلى عدم التورط في حروب جديدة تستنزف مواردها وقدراتها، تحديدا في الوقت الذي تتصاعد تركيزها على التحديات العالمية الأخرى، واهمها المنافسة مع الصين والتوترات مع روسيا. من هذه النقطة  ترى الإدارة الأمريكية أن إدارة الصراع مع إيران عبر التفاوض والدبلوماسية أقل كلفة وأكثر تاثيرا من الذهاب الى المواجهة العسكرية المباشرة.

فيما ايران ومنذ سنوات  تواجه ضغوطا اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات الدولية والأميركية، ما انعكس سلبا على  القطاع الاقتصادي ومستويات المعيشة وفرص الاستثمار والتنمية. ورغم قدرة ايران  في التعامل مع هذه الضغوط إلى حد كبير، فهي تدرك أن استمرارهذا المشهد يفرض تحديات متزايدة على المدىات البعيدة. لذلك تبدو القيادة الإيرانية مهتمة بالمسارات التي  يمكن أن تؤدي إلى تخفيف القيود الاقتصادية واستعادة جزء من العلاقات الاقتصادية الطبيعية مع العالم، مع الحفاظ على ثوابتها السياسية والأمنية.

ويتمحور الخلاف الأساسي بين الطرفين حول البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى ملف الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران في عدد من دول المنطقة فواشنطن وحلفاؤها يطالبون بضمانات تمنع إيران من تطوير سلاح نووي، بينما طهران تؤكد أن برنامجها النووي ذو أهداف سلمية  مطالبة برفع العقوبات واحترام سيادتها وحقوقها الدولية.

وفي السياق ذاته ، يرى عدد من المحللين أن  العقبات التي تمنع فرص التوصل إلى اتفاق شامل مازالت قائمة بسبب انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين. لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحا هو الوصول إلى تفاهمات محدودة أو مرحلية تتناول القضايا الأكثر إلحاحا، مثل ضبط مستويات تخصيب اليورانيوم، وتبادل بعض التنازلات الاقتصادية، والحد من التصعيد العسكري في المنطقة. وقد تتيح هذه التفاهمات بناء قدر من الثقة يمهد لاتفاقات أوسع في المستقبل.

في المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال فشل المفاوضات وعودة التصعيد السياسي أو العسكري مع الاخذ بنظر الاعتبار وجود العامل الإسرائيلي ، خاصة إذا تصاعدت الخلافات حول الملفات الحساسة أو تعرضت الجهود الدبلوماسية لانتكاسات مفاجئة. وعند حدوث ذلك، فإن المنطقة قد شهد مرحلة جديدة من عدم الاستقرار تنعكس على الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وفي المحصلة، يبدو أن المصالح المشتركة للطرفين تدفعهما اليوم نحو تجنب المواجهة الشاملة والبحث عن أرضية للتفاهم، حتى وإن كانت محدودة. وبين خيار الاتفاق وخيار التصعيد، تبقى الدبلوماسية هي المسار الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة عانت طويلا من الصراعات والأزمات. ومن هنا فإن أي تقدم في مسار التفاهم الأمريكي الإيراني لن يقتصر أثره على البلدين فحسب، بل سيمتد ليشمل مجمل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط. ولعل أبرز ما يمكن أن يترتب على أي تفاهم أمريكي ـ إيراني يتمثل في انعكاساته المباشرة على ملفات المنطقة الأكثر تعقيدا.

 في العراق قد يساهم تخفيف التوتر بينهما  تقليل مستوى الصراع بين القوى السياسية القريبة من  واشنطن وتلك القريبة من طهران، الأمر الذي یساهم فی خلق بيئة أكثر استقرارا تسمح للتفرغ الكلي للملفات الاقتصادية والخدمية والتنموية.  وربما ينعكس ذلك على مستوى التنسيق الأمني ومحاربة التنظيمات الإرهابية وتقليل احتمالات التصعيد العسكري داخل الأراضي العراقية أيضا.

اما  في المشهد السوري فإن أي تقارب بين الجانبين قد يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة تتعلق بمستقبل الوجود العسكري والقوى المحلية والإقليمية الفاعلة هناك، الأمر الذي قد يساهم في تخفيف حدة الصراع وايجاد ظروف أكثر ملاءمة للتسويات السياسية، رغم تعقيد المشهد وتعدد الأطراف المتداخلة.

في منطقة الخليج فان التقارب الأمريكي الإيراني  سوف يخفف من المخاوف الأمنية المتعلقة بالممرات المائية وحرية الملاحة وإمدادات الطاقة، والذي ينعكس إيجابيا على استقرار أسواق النفط والغاز العالمية ويقلل من التقلبات الاقتصادية التي تتزامن مع الأزمات الإقليمية.

يحمل التفاهم  الأمريكي الإيراني المحتمل أبعادا اقتصادية مهمة، فتخفيف العقوبات على إيران أو تخفيف حدتها  يؤدي  بالتالي إلى زيادة الصادرات النفطية الإيرانية وعودة جزء من الاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي سوف يؤثر في توازنات أسواق الطاقة وأسعار النفط العالمية، ويمنح دول المنطقة فرصا أوسع للتعاون الاقتصادي والتجاري.

وفي المقابل، تبقى إسرائيل أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل هذا المسار، إذ تنظر بقلق إلى أي اتفاق لا يتضمن قيودا صارمة على البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران. لذلك فإن الموقف الإسرائيلي قد يشكل عاملا ضاغطا على مسار المفاوضات على الولایات المتحدە تحدیدا سواء من خلال التحركات السياسية والدبلوماسية أو عبر الخيارات الأمنية والعسكرية التي قد تعيد التوتر إلى المنطقة.

وعلى المستوى الدولي، فإن نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني سيمنح الولايات المتحدة للتركيز على اولوياتها وتوجيه اهتمامها نحو التحديات العالمية الأخرى، ولاسيما المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا، في حين قد تتمكن إيران من كسر جزء من عزلتها الدولية وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع مختلف الأطراف الدولية.

وبذلك، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية لا يرتبط فقط بملف نووي أو خلاف سياسي عابر، بل يتجاوز ذلك ليشكل أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة. وبين احتمالات التفاهم والتصعيد، تبقى قدرة الطرفين على إدارة الخلافات وتغليب المصالح المشتركة العامل الحاسم في تحديد شكل المرحلة الجديدة التي قد تدخلها المنطقة.


05/07/2026