×

  کل الاخبار

  الفساد.. الخطر الأكبر على حاضر ومستقبل العراق وإقليم كردستان!



*نوزاد المهندس

*خاص-المرصد

  يبدوأن ظاهرة الفساد المقيتة أصبحت ظاهرة مستشرية في جميع الدول والمجتمعات، المتقدمة منها والمتخلفة، وألحقت أضرارا جسيمة بالاقتصاد والمالية والبنية التحتية وسمعة الأنظمة السياسية، وغدت تشكل كابوسا وتهديدا حقيقيا لحاضر ومستقبل المجتمعات البشرية، لا سيما المتخلفة والفقيرة منها، كما كانت سببا في انتشار الظواهر الاجتماعية السلبية كالتخلف، الفقر، البطالة، الأمية، وازدياد معدلات الجريمة... إلخ.

  والعراق، بما في ذلك إقليم كردستان، ليس بعيدا عن هذه الظاهرة فحسب، بل إنها نمت وتجذرت وتغلغلت في كافة مفاصل ومؤسسات الحكم، خاصة بعد عام 2003 وحتى يومنا هذا. إذ هُدرت مليارات الدولارات من عائدات هذا البلد لتذهب إلى جيوب القادة السياسيين، العوائل المتنفذة، الأحزاب، المسؤولين الفاسدين، والمصارف، ودول المنطقة والعالم، لينعم هؤلاء بالثراء الفاحش، وفي المقابل عانت أغلبية المجتمع العراقي من الفقر والفاقة.

  لذلك، فإن عملية استئصال الفساد أو الحد منه في العراق تعد مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد؛ لأن الفساد اتخذ مسارا نظاميا (ممنهجا) منذ عام 2003. ولمعالجة هذه الظاهرة، يحتاج الأمر إلى استراتيجية شاملة وتدريجية تشمل ثلاثة قطاعات رئيسية:

• القانوني والقضائي

• الإداري والتكنولوجي

• السياسي والاجتماعي

وفيما يلي نستعرض أبرز الخطوات التي يمكن أن تشكل أساسا لمكافحة الفساد:

 

١. الإصلاح القانوني واستقلال القضاء

• فصل السلطة القضائية عن الصراعات السياسية:طالما ظلت المحاكم والمؤسسات الرقابية مثل (هيئة النزاهة) تحت تأثير المحاصصة الحزبية والسياسية، فلن يكون بمقدورها حسم ملفات الفساد الكبرى. لذا يجب أن تتمتع هذه الهيئات باستقلال مالي وإداري تام.

• تفعيل قانون "من أين لك هذا؟": من خلال المتابعة الدقيقة لثروات المسؤولين السابقين والحاليين ومقارنتها بدخولهم الحقيقية.

• حماية الشهود والمبلغين: تعديل القوانين بما يضمن توفير الحماية القانونية والجسدية الكاملة للأشخاص الذين يكشفون عن الانتهاكات وقضايا الفساد.

 

٢. الإصلاح الإداري والرقمنة (الحوكمة الإلكترونية)

• تطبيق نظام الحوكمة الإلكترونية (E-Governance):إن إلغاء التعامل المباشر بين المواطن والموظف أثناء إنجاز المعاملات يغلق الباب الأكبر أمام الرشاوى والإتاوات. وتعتبر رقمنة الضرائب، الجمارك، والعقود العامة خطوات أساسية في هذا الصدد.

• الشفافية في العقود النفطية والصناعية: العراق، كبلد ريعي يعتمد كليا على النفط، بحاجة ماسة إلى إعلان كافة إيرادات مبيعات النفط وآلية إنفاقها في المشاريع الخدمية والصناعية (مثل مصانع الإسمنت وقطاع الطاقة) بوضوح للرأي العام.

• الرقابة الصارمة على الحدود والجمارك: تضيع الإيرادات غير النفطية للعراق عبر المنافذ الحدودية بسبب الفساد؛ لذا فإن السيطرة عليها عبر أنظمة إلكترونية حديثة تكتسب أهمية بالغة.

 

٣. القضاء على نظام المحاصصة

• اعتماد مبدأ الكفاءة (Meritocracy) بدلا من الولاء الحزبي: تعيين أصحاب الاختصاص، الأكاديميين، وذوي الخبرة في المناصب العليا والتنفيذية (كالمدراء العامين والمستشارين) بدلا من تقاسمها ككعكة سياسية.

• تعزيز مؤسسة الرقابة المالية: تفعيل دور ديوان الرقابة المالية لإجراء تدقيق صارم ومسبق ولاحق لميزانيات الوزارات والنفقات.

 

٤. دور المجتمع المدني والتوعية الثقافية

• حرية التعبير والصحافة الاستقصائية: يجب أن يتمتع الصحفيون ومراكز البحوث بالحرية الكاملة في متابعة قضايا الفساد دون خوف من الاغتيال أو الملاحقة القانونية الكيدية.

• الوعي الاجتماعي: تربية الأجيال القادمة على قيم المواطنة ورفض الفساد كـ "سلوك طبيعي".

وهنا يطرح السؤال نفسه: من أين تبدأ نقطة الانطلاق في عملية استئصال الفساد أو مواجهته؟ هل تبدأ من مستوى السلطة في الأعلى؟ أم تنجح من خلال الوعي الاجتماعي والإداري؟

  بكل تأكيد، فإن موازنة هذه العملية بين الوعي الاجتماعي، التنظيم الإداري، والتزام القيادة السياسية، هي الرؤية العلمية والواقعية الدقيقة الكفيلة بإحداث تغيير حقيقي. فالتغيير لا يمكن أن يأتي من الأعلى إلى الأسفل فقط (لأنه سيفشل دون قاعدة اجتماعية واعية)، ولا يمكن أن يأتي من الأسفل وحده إذا كانت قمة السلطة تضع العوائق والعراقيل. لذلك، فإن الأبعاد الثلاثة لسيادة القانون والإرادة السياسية، ثم الإصلاح الإداري، وأخيرا الوعي الاجتماعي، تشكل نظاما دائريا يكمل فيه كل عنصر الآخر:

 

1. المستوى الأدنى (غرس الوعي والثقافة العامة):

عندما يعي المواطن أن الفساد ليس مجرد سرقة للمال العام، بل هو تدمير لقطاعات التعليم، الصحة، وفرص العمل، فإنه لن ينظر إلى الفساد كـ "شطارة" أو "تسيير للأمور". هذا الوعي يخلق ثقافة اجتماعية تعزل الفاسدين وتشكل ضغطا مستمرا على المؤسسات من أجل التغيير.

 

2.المستوى المتوسط (التطوير الإداري والتحديث):

 الوعي بدون نظام إداري رصين يذهب سدى. والتطوير الإداري يعني وضع معايير واضحة لـ "تقييم الأداء" Performance Evaluation))، وترسيخ مبدأ "الاستحقاق والكفاءة" في التعيينات والترقيات بعيدا عن المحسوبية والوساطة، فضلا عن تقليص البيروقراطية العقيمة التي توفر بحد ذاتها بيئة خصبة للرشوة.

 

3. المستوى الأعلى (الإرادة السياسية واحترام المؤسسات):

هذه هي مرحلة الاختبار الحقيقي للسلطة. عندما تخضع القيادات العليا نفسها لسلطة القانون، وتحافظ على استقلالية القضاء والرقابة المالية، فإن ذلك يمثل إشارة على جدية التغيير. إن اتخاذ مواقف واضحة وصارمة ضد الفاسدين — خاصة إذا كانوا من الدوائر المقربة للسلطة أو الحزب — يبعث برسالة قوية للمجتمع وموظفي الدولة مفادها أن "عصر الحصانة قد انتهى".

وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية وحساسية: ما هو العائق الأكبر في الوقت الحالي بالعراق أمام تحقيق هذا "التوازن المتزامن"؟ هل هو غياب الإرادة السياسية في الأعلى، أم تجذر الثقافة البيروقراطية في الوسط؟

من الواضح أن مشكلة الفساد في العراق ليست داخلية فحسب، بل إن "تدويل الفساد" Internationalization of Corruption) ) وتداخل الصراعات الخارجية مع المصالح المحلية جعل عملية الإصلاح معادلة غامضة للغاية. عندما يمتلك بلد ما موقعا جيوسياسيا استراتيجيا وموارد غنية كالنفط والقطاعات الصناعية الكبرى، فإن القوى الإقليمية والدولية لا تريد أن تكون مجرد متفرج. من هنا، يصبح الفساد أداة سياسية قوية لإبقاء العراق في حالة عدم استقرار، لأن:

 

1. الفساد كبوابة للهيمنة الخارجية:

بالنسبة للقوى الخارجية، فإن التعامل مع مؤسسة قوية، شفافة، ووطنية أمر في غاية الصعوبة. لذلك، فإن تقويض نظام الحكم وشراء الذمم والمناصب عبر الأطراف الفاسدة هو أسهل طريقة لإبقاء القرار السياسي والاقتصادي العراقي تحت السيطرة. هذا يضمن ذهاب أموال العراق وثرواته لملء جيوب الجهات التي تدين بالولاء للخارج، بدلا من توجيهها لتطوير البنية التحتية.

 

2. إضعاف القطاع الوطني لصالح السوق الخارجية:

 غالبا ما يؤدي التدخل الخارجي المباشر إلى تعطيل قطاعات الإنتاج المحلي (الصناعة والزراعة). على سبيل المثال، تفضل دول الجوار أن يبقى العراق دائما سوقا استهلاكية لبضائعها (من الإسمنت ومواد البناء وصولا إلى المواد الغذائية والطاقة). وهنا، يتحول الفاسدون في الداخل إلى جسر لتعطيل المصانع الوطنية لصالح الشركات الأجنبية.

 

3. الاستحواذ على العقود الكبرى Mega-Contracts):

 إن صراع الدول الكبرى (خاصة المنافسة الكبيرة بين أمريكا والصين في المنطقة) يدور غالبا حول الاستحواذ على المشاريع الاستراتيجية في العراق، مثل مشاريع الطاقة، خطوط النقل، والموانئ. وفي بيئة فاسدة، تتحول هذه العقود إلى أداة للمساومات السياسية بين القوى الكبرى بدلا من حسمها وفقا للمعايير الفنية والاقتصادية الوطنية.

وللخروج من هذا المأزق العصيب الذي يمر به العراق بسبب الفساد، يمكن التساؤل: كيف يمكن للعراق أن ينجو من "فخ الأطماع الخارجية" هذا؟ هل عبر تعزيز التحالفات الاقتصادية المتوازنة، أم أن الحل الوحيد يكمن في بروز قوة وطنية موحدة في الداخل تضع مصلحة العراق فوق كل شيء؟

كخارطة طريق للخروج من هذه المرحلة، فإن الخطوة الأولى تكمن في صون العراق لسيادته الوطنية وتنمية اقتصاده، وهو ما يُعرف بمفهوم: "الاحتكار المشروع للقوة والقرار من قبل الدولة". هذا المفهوم يمثل خارطة طريق متكاملة لانتقال العراق من مرحلة "شبه الدولة" أو "الدولة المفككة" إلى مرحلة "دولة المؤسسات"، ويمكن تفسيره كالآتي:

 

1. تأميم (أو إضفاء الصبغة الوطنية على) القوات الأمنية (الجيش والشرطة):

 طالما بقي السلاح خارج إطار الدولة، ووجدت قوى مسلحة موازية (الميليشيات)، فإن مفهوم "سيادة القانون" سيبقى مجرد حبر على ورق. لا يكتسب السلاح شرعيته إلا إذا كان تحت إمرة المؤسسات الرسمية. إن إنهاء الميليشيات واحتكار القوة بيد الجيش والشرطة هو الخطوة الأولى والأهم من أجل حماية القرار السياسي من ضغوط السلاح الداخلي والخارجي، وخلق بيئة آمنة للاستثمار (لأن رأس المال يهرب من البيئات غير المستقرة).

 

2. إضعاف القيادات التقليدية والمنظومة الحزبية:

تحولت الأحزاب التقليدية في العراق بعد عام 2003 من أدوات للتنظيم السياسي إلى "شركات اقتصادية واجتماعية" تمد في عمرها عبر المحسوبية، الوساطة، وشراء الولاءات. وإضعاف دورها يتطلب قطع مصادر تمويلها غير المشروعة عبر إضفاء الشفافية على الإيرادات والعقود العامة، وتطبيق قانون صارم للأحزاب يمنع أي حزب من امتلاك جناح مسلح أو اقتصادي خاص به.

 

3. القضاء المستقل.. الحصن الأخير:

 إذا كان الجيش والشرطة يمثلان قوة التنفيذ، فإن القضاء المستقل هو العقل الواعي للدولة.

عندما يتمتع القاضي بالأمان المهني والجسدي، ولا تستطيع أي قوة سياسية أو مسلحة توجيه قراراته، سيتساوى حينها أكبر قائد سياسي مع أبسط مواطن أمام القانون. وهذا كفيل بإعادة ثقة المواطن بالدولة.

لذلك، فإن الركائز الثلاث الهامة:

• إنهاء الميليشيات والسلاح المنفلت.

• مأسسة الجيش والمحاكم.

• إنهاء المحسوبية والأحزاب التقليدية.

هي الدافع للتحرك الجاد نحو مواجهة ظاهرة الفساد في العراق. إنها تعني نقل المجتمع من حالة "العقد البدائي" (حيث يدين الأفراد بالولاء للعشيرة، الطائفة، أو الحزب) إلى حالة "العقد الاجتماعي الحديث" (حيث الولاء للدولة والقانون وحدهما).

وهنا يمكن طرح السؤال: هل حملة رئيس الوزراء علي الزيدي هي خطة استراتيجية أم تكتيك مؤقت؟ هل تهدف لتهدئة الشارع العراقي والمجتمع الدولي وتثبيت ركائز سلطته؟

هذا السؤال يقع اليوم في صلب الواقع السياسي العراقي المليء بالمتغيرات. لطالما كانت حملات مكافحة الفساد من قبل رؤساء الوزراء في العراق تقع بين مطرقة وسندان:

• الإرادة الجادة للإصلاح الجذري من جهة.

• جدار المحاصصة وضغوط القوى المسلحة والدولية من جهة أخرى.

ولإجراء تقييم واقعي لحملة علي الزيدي، يجب النظر إلى العوامل الكفيلة بنجاحها، مقابل العقبات الشديدة التي قد تقصر من عمر هذه الحملة:

 

عوامل نجاح الحملة (إذا استمرت حتى النهاية):

• الضغط الشعبي والشرعية: يمكن لرئيس الوزراء أن يتخذ من الدعم المباشر للشارع والأوساط الثقافية والأكاديمية درعا له ضد القوى السياسية الكلاسيكية.

• استهداف "الأموال والثروات": إن تغيير الاستراتيجية من مجرد اعتقال الأشخاص إلى مصادرة الأملاك والأصول المسروقة هو السلاح الأكثر فعالية؛ لأنه يقطع الشريان المالي لشبكات الفساد.

• تقويض الحصانة: إذا شملت الحملة الشخصيات الرفيعة في الأحزاب الحاكمة والقادة المسلحين دون تمييز، فإنها ستمنح ثقة عميقة بمؤسسات الدولة.

 

العقبات التي قد تجعل الحملة "مؤقتة":

• رد الفعل العنيف من الميليشيات والأحزاب: عندما يصل الإصلاح إلى الخطوط الحمراء للمصالح المالية ونفوذ القوى المسلحة المرتبطة بالخارج، فمن المحتمل استخدام الضغط الأمني، السياسي، أو حتى زعزعة استقرار البلاد كورقة ضغط ضد الحكومة.

• قانون الوضع المؤقت (الخطوة التكتيكية): كثيرا ما شوهد في التاريخ السياسي للعراق تكثيف الحملات لفترة معينة لتهدئة الشارع أو لإضعاف خصم سياسي، لكن بمجرد تغير التوازنات، تتباطأ العملية.

• المنظومة القضائية تحت الضغط: إذا لم يتم فصل مؤسسات الحكم والمحاكم تماما عن معترك الصراع السياسي، فلن تتمكن من دعم القرارات الصارمة لرئيس الوزراء حتى النهاية.

 

المعادلة الحاسمة:

يتوقف النجاح المباشر والنهائي لهذه الحملة على مدى قدرة علي الزيدي على تحويل هذه الخطوات من "قرارات شخصية وحكومية مؤقتة" إلى "نظام وتشريعات مؤسسية راسخة". فإذا اعتمدت العملية على إرادة رئيس الوزراء وحده، فإنها ستتعطل بتغير الحكومات؛ أما إذا أصبح الجيش والقضاء وديوان الرقابة المالية هم الملاك الحقيقيين للعملية، فستشكل تحولا تاريخيا.

في الختام، إن استئصال الفساد في العراق لا يتم بقرار واحد أو بين ليلة وضحاها؛ بل يتطلب ((إرادة سياسية حقيقية وضغطا مستمرا من المجتمع المدني)). وطالما لم يُطبق القانون بالتساوي على الجميع، فستبقى المؤسسات ضعيفة.

وكما يُقال في الفكر السياسي "لا تتحقق السيادة الوطنية دون استقلال اقتصادي"، فإن ((مكافحة الفساد في العراق ليست مجرد معركة إدارية، بل هي معركة استعادة السيادة الوطنية)). وطالما بقي القرار الاقتصادي وتعيين الكوادر العليا تحت تأثير الأجندات الخارجية ودول الجوار، فستبقى "مظلة الحصانة" تظلل الفاسدين دائما.


05/07/2026