*مينا العريبي
مجلة "فورين بوليسي" الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
منذ أواخر يونيو، انشغل العراقيون بدراما سياسية تضاهي في روعتها مسلسل " ناركوس" على نتفليكس .
ففي لقطات نشرتها السلطات العراقية، داهمت الشرطة منازل عشرات البرلمانيين والمسؤولين، وكشفت عن مخابئ من النقود والذهب والأسلحة في غرف المعيشة وجدران المطابخ، وحتى مدفونة تحت الأرض. في 23 يونيو، أعلن المجلس الأعلى للقضاء العراقي مصادرة أكثر من 106 ملايين دولار من الأموال المختلسة، وأسفرت مداهمات لاحقة عن مصادرة ملايين أخرى. ولم يُعلن بعد عن القيمة الإجمالية.
بحسب القاضي منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء، فقد خسرت الدولة العراقية ما يُقدر بتريليوني دولار أمريكي بسبب الفساد منذ عام 2003. ولتوضيح ذلك، يُعادل هذا الرقم إجمالي الإنفاق الحكومي لمدة 15 عاما على الأقل .
في العام الماضي، حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، وهو أفضل تصنيف له منذ أكثر من عقد.
وعد كل رئيس وزراء عراقي يتولى السلطة بمعالجة هذه المشكلة. ففي عام ٢٠١٤، صرح حيدر العبادي، الذي عُين حديثا آنذاك، بأن الفساد مستشر في القطاع الأمني وادعى وجود ٥٠ ألف جندي وهمي في صفوف الجيش، تُختلس رواتبهم ومستحقاتهم. ورغم أن العبادي نال الفضل في معالجة هذه المشكلة تحديدا، إلا أن الفساد بشكل عام استمر في التفاقم.
في عام 2020، تولى مصطفى الكاظمي منصبه متعهدا بمكافحة الفساد وفي إطار هذه الجهود، كشف عن شبكات غير مشروعة في مؤسسات الدولة، حيث وُجهت اتهامات بالفساد لمسؤولين، من بينهم رئيس الهيئة الوطنية للمعاشات التقاعدية وخلفه محمد شياع السوداني، الذي ادعى أن حلفاء سلفه نفذوا " سرقة القرن "واتهمهم بسرقة 2.5 مليار دولار من عائدات الضرائب، وهو ما نفوه بشدة.
ويؤكد الكاظمي أن حكومته هي التي بدأت التحقيق في الأنشطة غير المشروعة المتعلقة بأموال الضرائب وحتى الآن، لم تُوجه أي تهم رسمية ضد الكاظمي، مما يوحي بأن مُدعيه يعلمون أن هذه الادعاءات لن تصمد أمام القضاء.
بدأت هذه الجولة الأخيرة من اتهامات الفساد باعتقال نائب وزير النفط آنذاك، عدنان الجميلي.
ونظرا للاتهامات الخطيرة الموجهة إليه، قرر الجميلي التعاون مع السلطات والإيقاع بشركائه في الجريمة. ثم تعاون القضاء العراقي والحكومة لإصدار مذكرات توقيف بحق عشرات المسؤولين وأعضاء البرلمان. وبينما لم تُعلن التفاصيل الكاملة للتحقيقات، إلا أن هذه الاتهامات مرتبطة برشاوى من صفقات نفطية، فضلا عن تهم غسل أموال ذات صلة.
مع ذلك، لا تمثل هذه الاعتقالات الواسعة النطاق أغلبية من اختلسوا أموالا من الدولة العراقية.
علاوة على ذلك، يرتبط هؤلاء الأفراد في الغالب بالسوداني ومثنى السامرائي، زعيم كتلة عزم. ونتيجة لذلك، تبدو "صولة الفجر" في أحسن الأحوال ضعيفة، وفي أسوأ الأحوال تبدو وكأنها تهدف إلى تصفية حسابات شخصية بدلا من استئصال الفساد في العراق بشكل حقيقي.
إذن، ما الذي يدفع رئيس الوزراء العراقي الجديد، وهل من المرجح أن تستمر جهوده؟ منذ توليه منصبه في منتصف مايو/أيار، يبذل علي الزيدي قصارى جهده ليُظهر أنه رجلٌ من الشعب. فعلى سبيل المثال، زار مؤخرا مركز العراق التجاري في بغداد للقاء الناخبين، وذلك في إطار حملة لتعزيز حضوره. كما تُقدم مصادر حكومية إحاطات للصحفيين للتأكيد على أن رئيس الوزراء يُشرف شخصيا على قضايا مكافحة الفساد.
يحتاج الزيدي إلى القيام بذلك جزئيا لأنه لا يزال مرشحا ضعيفا. لم يسبق له أن شغل أي منصب، وتم اختياره كمرشح توافقي والآن، عليه أن يحشد الدعم بسرعة داخل البلاد وخارجها.
على الصعيد المحلي، يبدو أن الأمر ناجح. يخشى الناخبون أن يكون المعتقلون من السياسيين من الصف الثاني أو الثالث. ولكن على الرغم من ذلك، لا تزال الحملة تحظى بشعبية جارفة في العراق.
ولإنصاف الزيدي، فقد تولى منصبه منذ أقل من شهرين. إن بذل جهد شامل ونزيه للقضاء على الفساد برمته سيستغرق وقتا. وسيحتاج إلى بناء تحالفات مناسبة لمواجهة المصالح الراسخة على المحك وهذا يعني أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تقييم جدية زيدي.
وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:
أولها،
وهو ما يرغب فيه معظم العراقيين والجهات الفاعلة الدولية، تصعيد جهود مكافحة الفساد، مصحوبا باستخدام شفاف للأموال المصادرة لتحسين حياة العراقيين. هذا السيناريو بعيد المنال، لكنه سيغير مسار العراق جذريا، وسيجعل الزيدي رئيس الوزراء الأكثر شعبية منذ عقود. وقد يؤدي أيضا إلى سقوط حكومته، لا سيما إذا استُهدف المزيد من النواب، واضطر البرلمان إلى حله.
أما السيناريو الثاني،
فهو سيناريو شهده العراق مرارا وتكرارا. تُجرى الاعتقالات، ثم يجد المتهمون طريقة لإسقاط التهم، فلا يبقى سوى قلة قليلة تتحمل المسؤولية. وهذا من شأنه أن يُلحق ضربة قوية بمصداقية الزيدي، والأهم من ذلك، ضربة للبلاد.
السيناريو الثالث،
الأكثر ترجيحا، هو أن يسعى زيدي إلى تحقيق توازن. وهذا يستلزم توسيع نطاق التحقيقات، دون استهداف جميع المتواطئين، مع توجيه الاتهامات لمن تم اعتقالهم بالفعل. وهذا من شأنه أن يسمح للزيدي بالحفاظ على حكومته الهشة. لكنه يتطلب أيضا دعما كاملا من القضاء وقوات الأمن لتنفيذ مثل هذه الخطة، وهو أمر غير مضمون.
في هذه المرحلة، يمكن للضغط الدولي أن يساعد زيدي على الثبات على موقفه. وقد أطلقت الولايات المتحدة مؤخرا عملية "الغضب الاقتصادي" التي تستهدف الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مما أدى إلى ضغوط على الحكومة العراقية والبنوك العراقية لملاحقة مصادر تمويل هذه الجماعات.
من المقرر أن يزور زيدي واشنطن هذا الشهر ويريد أن يضمن أن يراه الرئيس دونالد ترامب كفؤا ومستعدا لاتخاذ خطوات جريئة. كما تسعى الولايات المتحدة إلى جلب الاستثمارات إلى العراق، ولتحقيق ذلك، يُعد كبح الفساد أمرا بالغ الأهمية.
*مينا العريبي كاتبة عمود في مجلة "فورين بوليسي" ورئيسة تحرير صحيفة "ذا ناشيونال" . X: @AlOraibi