*عماد أحمد
*ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
هناك أيام لا تعيش في صفحات التقويم فحسب، بل تعيش في ضمير الشعوب ومصائرها. فبعض الأيام لا تمر كصفحة عادية من صفحات الروزنامة، وإنما تقف كمحكمة صامتة تصدر أحكامها على الشعوب، وعلى التنظيمات، وعلى القيادات التي تتحمل مسؤوليتها التاريخية في أوقات الخطر، أو تختبئ خلف هدوء زائف وتوازن مخادع.
واليوم هو أحد تلك الأيام؛ يومٌ لا يمثل بالنسبة لإقليم كوردستان مجرد يوم للأخبار والتقارير والإحصاءات، بل هو يوم اتخاذ القرار. قال أحدالمثقفين الحكماء: "لقد فات الأمس سريعا"، وقال أحد ال(پێشمەرگە) القدامى: "غدا سيكون متأخرا." وبين هاتين الحقيقتين تقف حقيقة ثالثة تقول: اليوم هو وقت اتخاذ القرار.
إن إقليم كوردستان اليوم لا يقف أمام أزمة مالية فحسب، بل يواجه أزمة أعمق تتمثل في أزمة الثقة واليأس. صحيح أن الرواتب والخدمات والحياة اليومية للمواطنين مسائل بالغة الأهمية، غير أن وراء كل هذه المشكلات تكمن أزمة أخرى تتفرع منها سائر الأزمات، وهي أزمة العلاقة بين المواطن والسلطة.
فعندما يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ولا يعود الشاب يرى مستقبله في هذه الأرض، وعندما يشعر الطبيب أو المعلم أو الموظف أو صاحب المهنة بأنه مجرد رقم في إقليمه، وليس شريكا في المصير، فإن الأمر لا يعود مجرد أزمة حكومة، بل يصبح أزمة وطن ومواطنة.
وكثيرا ما لا تنهار الشعوب بسبب الفقر، وإنما تنهار بسبب فقدان الأمل. تنهار عندما يقتنع شبابها بأن مستقبلهم يكمن في الهجرة لا في وطنهم، وأن أحلامهم تتحقق خارج الحدود لا داخل بلادهم. عندئذ يضعف الوطن في وجدان أبنائه قبل أن يضعف على أرض الواقع.
واليوم يقف الاتحاد الوطني الكوردستاني أمام اختبار تاريخي. فالحديث عن الاتحاد الوطني الكوردستاني ليس مجرد حديث عن اسم تنظيم سياسي، بل عن جزء من تاريخ الإقليم، ومن آمال الناس، ومن تلك الذاكرة الجمعية التي ما زالت تحتفظ باسم الرئيس الراحل مام جلال، ونضال ال (پێشمەرگە)، وتضحيات الأجيال، حية في قلوب المواطنين.
لكن التاريخ، مهما كان عظيما، لا يستطيع وحده أن ينقذ الحاضر. فالإرث، إذا لم يتحول إلى قوة للتجديد، يصبح عبئا. والاسم الكبير، إذا لم يقترن بقرار كبير، يتحول إلى مجرد ظل يخفي مواطن الضعف.
إن ما جعل الاتحاد الوطني الكوردستاني قوة لم يكن إرث الماضي وحده، وإنما قدرته على قراءة المرحلة واختيار الخطوات الصعبة. فقوته الحقيقية تكمن في أنه كان يظهر، في لحظات الأزمات والانكسارات، قوة قادرة على اتخاذ القرار، لا مجرد متفرج ينتظر ما ستؤول إليه الأحداث.
وهنا يبرز سؤال اليوم:
• هل لا يزال الاتحاد الوطني الكوردستاني يمتلك نفس تلك الجرأة؟
• وهل يستطيع أن يخرج من ظل الماضي ويتحدث بلغة المستقبل؟
• وهل يستطيع، من أجل إنقاذ الإقليم من الخطر، أن يتخلى عن بعض أساليبه القديمة، ويتخذ قرارا جديدا يواكب مرحلة جديدة؟
والجواب هو: نعم، وبكل تأكيد، يستطيع الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يحقق ذلك، إذا استند إلى نهج الرئيس مام جلال وإلى قاعدته الجماهيرية الراسخة.
إن طريق النجاة واضح، لكنه يحتاج إلى الشجاعة. فالخلاص لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالقرارات السليمة والعقلانية. ولا يكفي إعلان حسن النوايا، بل لا بد من تغيير النظام وآليات العمل.
فلا سلطة تستطيع الاستمرار من دون ثقة، والثقة لا تستعاد بالكلمات والوعود، وإنما بالصدق والعدالة والشفافية وتقديم الخدمات. ويجب أن يشعر المواطن بأن له قيمة في هذا الإقليم، وأن لصوته وزنا، وأنه شريك في صناعة القرار، لا مجرد ضحية له.
لقد جرى، باسم الاستقرار، إخفاء كثير من الأزمات تحت السطح، وباسم التوازن أُجلت أخطاء كثيرة، وباسم حماية الإقليم جرى، في أحيان كثيرة، الاكتفاء بحماية الأزمة نفسها لا معالجتها. غير أن الاستقرار الذي يقوم على تأجيل الحلول إنما يحمل في داخله بذور الانهيار.
إن الإقليم بحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمواطن، وإلى تأسيس علاقة جديدة بين أربيل وبغداد على أساس الدستور، وإلى تحديد الحدود الفاصلة بين الحزب والوطن، وبين القانون والمؤسسات، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
ويجب أن تتقدم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية. فهذه ليست مجرد شعار، بل هي شرط لبقاء الإقليم.
وفي هذه المرحلة المعقدة، فإن أي قوة سياسية تضع مصلحة الإقليم تحت ظل حساباتها الضيقة، إنما تسهم عمليا في تقويض الإقليم. وتبلغ القوة السياسية ذروة عظمتها عندما تجعل المصلحة الوطنية فوق المصلحة الحزبية، لأن الوطن إذا ضعف فلن تبقى الأحزاب قوية.
وإذا أراد الاتحاد الوطني الكردستاني أن يستعيد موقعه بوصفه قوة جديرة بالثقة، فإنه يحتاج إلى تجديد جذري؛ تجديد لا يقتصر على الشعارات والخطابات، بل يشمل أسلوب العمل واتخاذ القرار، واعتماد الكفاءة معيارا، وإفساح المجال أمام الشباب والنساء، والاستفادة من خبرات الكوادر المخضرمة، وإعادة تنظيم البيت الداخلي، وتعزيز التواصل الحقيقي مع الجماهير.
فالقوة التي لا تجدد نفسها من الداخل لا تستطيع أن تصنع الأمل في الخارج. والقوة التي تخشى التغيير داخلها، كيف يمكنها أن تكون رائدة في قيادة التغيير؟
إن الحديث عن الأمس لم يعد اليوم سوى شعار لا جدوى منه؛ فالأمس قد مضى. كما أن انتظار الغد ليس حلا، لأن الغد، إذا لم يسنده قرار شجاع يُتخذ اليوم، فلن يكون سوى وعد فارغ.
إن التاريخ لا ينتظر الشعوب التي تؤجل قراراتها خوفا أو ترددا، بل يسير مع أولئك الذين يمتلكون في اللحظات العصيبة إرادة الإصلاح، وصدق الموقف، وروح التجديد.
لذلك فإن النداء واضح:
-كفى تأجيلا.
-كفى توازنات زائفة.
-كفى خوفا من التغيير.
-وكفى حماية للأزمة باسم حماية الإقليم.
وعلى الاتحاد الوطني الكوردستاني ، بوصفه قوة قادرة على تقديم الحلول، أن يبدأ أولا بإصلاح ذاته. وإذا كانت السلطة تريد استعادة ثقة المواطنين، فعليها أن تتحدث بالأفعال لا بالأقوال.
أما الإقليم، إذا أراد أن يبقى قويا ومتماسكا، فلا بد أن يُعاد
بناؤه على أسس الثقة، والإصلاح، والعدالة، والمساواة، وتقديم المصلحة الوطنية.
إن اليوم هو وقت اتخاذ القرار؛ لا من أجل تأجيل أزمة أخرى، ولا من أجل الحفاظ على توازن مؤقت، وإنما من أجل إنقاذ الإقليم من خطر أشد عمقا: خطر التردد، والتراجع، واليأس، والخوف من التغيير.
فليس الخطر الأكبر أن توجد أزمة، وإنما أن تصبح الأزمة أمرا اعتياديا. وليس الخطر الأكبر أن يكون الناس ساخطين، وإنما أن يقتنعوا بأن لا شيء سيتغير. وليس الخطر الأكبر أن يكون الإقليم أمام اختبار، بل أن نفتقد، في لحظة الاختبار، القدرة على اتخاذ القرار.
فإذا لم يُتخذ القرار اليوم، فلن يكون الغد متأخرا فحسب، بل سيُسمى: الندم.