×

  قضايا كردستانية

  نفوذ ونفوس



*ستران عبدالله

 

يتحدثون كثيرا عن النفوذ والتوازن والقرار، حتى من دون أن يربطوا هذه القضايا بالقيم الوطنية والثمن السياسي الذي دفع في سبيل تحقيقها، فهم يتجاهلون السؤال الجوهري: كيف حصلوا على ما بأيديهم؟ وبأي دعم إقليمي رسخوا مواقعهم حتى باتوا اليوم يتباهون بها؟

فإذا كان ذلك الدعم الإقليمي قد أدرك الآن انهم يشكلون عبئا عليه، ويرى انه من المستحسن اعتبار التوازن سياسته المستقبلية.

إن الشعب الكوردي الواعي يحتفظ بذاكرة جيدة تجاه ما جرى، حتى وإن ظن أصحاب المصالح الضيقة وبعض النخب السطحية أنهم وحدهم يدركون الحقيقة. فهذا الشعب الواعي ليس عقيما، وليس عاجزا عن إنجاب نخب جديدة بديلة، تحل محل أولئك الذين أغلقوا أمام شعبنا كل أفق ليوم أفضل، كي يضطروا إلى التعايش مع الظلم والاجحاف.

الأمة الكردية النبيلة معروفة بأنها لا تعلق مستقبلها على جدران الطرق المسدودة، ولا تقبل أن تبقى حبيسة دائرة مغلقة. فهي تمتلك، في كل مرحلة عصيبة وكل ظرف أليم، نافذة للخلاص وأفقا للأمل. كما أنها لا ترهن مصيرها المستحق للبؤس، ولا تستسلم لحصار اللامبالاة المفروض عليها. وستثبت ذلك لكم.

إن مقولة "النفوذ والتوازن والقرار" ليست سوى شعار يردده أولئك الذين لا يرون أبعد من موطئ أقدامهم، ويكتفون بذلك القدر المحدود من السلطة غير المستحقة التي آلت إليهم في لحظة سياسية عابرة. ففي الوقت الذي تقع بين أيديهم مؤسسات كوردستان الرسمية، بما تمثله من مكانة وطنية ورمزية رفيعة، يتعاملون معها بوصفها رهينة لمصالحهم الحزبية الضيقة، لا باعتبارها مؤسسات تعود إلى جميع أبناء كوردستان.

ولو كان الحديث فعلا عن النفوذ والتوازن والقرار، فمن باب الحجة والمنطق يمكن أن يقال ما يأتي:إخوتنا... لقد انتزع منكم الاتحاد الوطني الكوردستاني بغداد، ولم تكتفوا بالحط من مكانتكم أمام بغداد، حتى انتهى الأمر، وللأسف، إلى أن أصبح أكثر من مليون صوت منحكم إياها الناخب الكوردي وكأنها لم تكن.

ونقول: للأسف، لأن تلك الأصوات، مهما كان لونها السياسي، أصفر أم أخضر، تبقى في نهاية المطاف أصواتا كوردية، وكان الواجب أن تُصان هذه الأمانة بحسابات وطنية أكثر دقة، وبمسؤولية أعلى، بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة التي أهدرت وزنها وقيمتها.

بعيدا عن بغداد العاصمة، ولنعبر إلى الضفة الأخرى من حمرين؛ إلى كركوك، حيث لم يعد لكم ذلك الثقل ولا ذلك التأثير، وكذلك الحال في المناطق المتنازع عليها، من الموصل إلى خانقين. فبعد أن كنتم في الماضي تتصرفون وكأنها حديقة خلفية لنفوذكم الأصفر، وتختارون محافظيها وكبار مسؤوليها، بات حضوركم اليوم فيها يكاد لا يُرى، كسراب يحسبه الظمآن ماء.

أما في إقليم كوردستان، الذي طالما تفاخرتم فيه بأغلبيتكم البرلمانية مستندين إلى تسعة وثلاثين مقعدا، فقد تبدلت الصورة اليوم، وأصبح للإقليم صوت آخر ولون آخر.

فالقضية لم تعد مجرد تفاهم بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة الجيل الجديد، بل إنكم تواجهون، في عموم كوردستان، ارتباكا سياسيا وتعثرا واضحا أمام خطاب جديد ورؤية جديدة تفرضان نفسيهما على المشهد. وكان الأولى بكم أن تراجعوا خطابكم وأن تقدموا رؤية مختلفة تواكب هذا التحول.

لكنكم، بدلا من ذلك، ما زلتم تتمسكون بورقة الإنكار، وتواصلون احتجاز مؤسسات الإقليم رهينة لحساباتكم الحزبية الضيقة.

وحتى لا يكون حكمنا مجحفا، يكفي للمرء أن يتصفح شيئا من الصفحات والمواقع التابعة لما يمكن تسميته بـ"سوق السياسة السوداء"، ليرى كيف لم تُبقوا لونا من ألوان الإسفاف والجهل إلا وأغرقتم به خطابكم السياسي، حتى غدا التشهير والتضليل بديلا عن الحجة، والضجيج بديلا عن السياسة.

أيها السادة، إذا كان خطابكم حقا يدور حول "النفوذ والتوازن والقرار"، فمن الإنصاف، بل من مقتضيات الموضوعية، أن تضعوا هذه المعطيات التي عرضناها أمامكم في الحسبان أيضا، لا أن تنتقوا من الواقع ما يخدم روايتكم وتتجاهلوا ما يناقضها.

لكن الحقيقة تشبه الأم التي لا تتمنى أن يُصاب أحد أبنائها بأذى، لأن الألم، في نهاية المطاف، يعود إليها جميعا. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك النفوذ؟ بل: من هو الأحرص على كوردستان؟

إن الأحرص عليها هو من قدم من أجلها دماء زكية، وقاد انتفاضتها، وحمل قضيتها في أحلك الظروف. وهو، مراعاة لهذه الأم التي اسمها كوردستان، لم يجعل يوما عينه على المناصب، ولا على موازين القوى، ولا على مراتب السلطة، وإنما ظل بصره مصوبا نحو المستقبل الذي يستحقه شعبه.

ولهذا يتمسك اليوم بالشراكة الحقيقية في الحكم وصنع القرار، لا طلبا للنفوذ، بل إيمانا بأن الشراكة الوطنية هي الضمانة الوحيدة لوقف القرارات الكارثية، وتصحيح الأخطاء والانحرافات، وبناء مؤسسات تعبر عن إرادة جميع أبناء كوردستان، لا عن إرادة طرف واحد.

إذن، فالقضية ليست قضية نفوذ، بل قضية نفوس. أما التوازن، فهو مطلوب ليصون هذه النفوس ويحفظ كرامة الشعب، والقرار لا قيمة له ما لم يكن في خدمة هذا الهدف.

إن نفوسنا عالية، وكل ما نريده هو أن يبقى الكورد وكوردستان مرفوعي الرأس، وأن يتحرر شعبنا من هواجس المستقبل وقلقه، وألا تبقى لقمة عيشه ومصادر رزقه رهينة للمساومات والصراعات السياسية. ونريد لمنظومة الحكم أن تستعيد عافيتها، وأن تعود إلى نهجها القائم على الشراكة الحقيقية والتوافق الوطني، حتى يستعيد المواطن ثقته بمؤسساته، ويشعر من أعماق قلبه بالرضا والانتماء.

وعندما يتحقق ذلك، ستستعيد الأمة الكوردية حماسها المعهود في الذود عن إقليم كوردستان، وستعود روح التضحية والفداء التي صنعت أعظم محطات نضالها، دفاعا عن كيانها الدستوري، وصونا لمكتسباتها، وإيمانا بمستقبل يليق بتضحيات أبنائها.


12/07/2026