×

  رؤى حول العراق

  من ذهب الآلهة إلى ذهب اللصوص..



*د.محمد السهر

 

أعلنت هيئة النزاهة قبل ايام عن ضبط 60 كغم من الذهب مدفونة تحت الأرض في كراج منزل يعود لأحد أقارب وكيل وزير النفط عدنان الجميلي، وبعملية حسابية بسيطة نجد أن حاصل ضرب 60 × 175 مليون سعر سبيكة الذهب عيار 1 كغم= 10.5 مليار دينار( يعادل 8 مليون دولار أمريكي حسب سعر صرف الدولار في البنك المركزي العراقي..

لم يكن الذهب في العراق مجرد معدن نفيس، ولم يكن في أي يوم رقما في خزينة أو سبائك تكدس في الأقبية وتدفن تحت التراب؛ إذ ومنذ أن أشرقت أولى شمس الحضارة على أرض سومر، اكتسب الذهب معنى يتجاوز قيمته الاقتصادية ليصبح لغة للجمال، ورمزا للقداسة، وإشارة إلى النور الذي يربط الأرض بالسماء.

واليوم، ونحن نقرأ خبرا عن ضبط ستين كيلوغراما من الذهب مدفونة تحت أرضية گراج منزل يعود إلى أحد أقارب مسؤول متهم بقضايا فساد، لا نقف أمام واقعة جنائية فحسب، بل أمام صورة تختزل المسافة الهائلة التي قطعها العراق في رحلة التراجع الحضاري؛ من شعب كان يزين معابده بالذهب، إلى طبقة سياسية تدفن الذهب هربا من العدالة.

في حضارات وادي الرافدين، لم يكن الذهب يستخرج بكميات كبيرة من أرض العراق، بل كان يصل عبر شبكات التجارة الممتدة مع الأناضول وإيران والخليج ووادي السند. ولذلك كان نادرا وثمينا، لا يستخدم في الحياة اليومية إلا بقدر ما يعكس مكانته الرمزية.

كان الذهب يزين تيجان الملوك، ويغلف الأواني الطقسية، وتصاغ منه الحلي التي ترافق النخبة إلى قبورها، كما كشفت المقابر الملكية في أور عن روائع لا تزال تبهر العالم حتى اليوم. ولم تكن تلك القطع مجرد مظاهر للترف، بل كانت تعبيرا عن الإيمان بأن الإنسان يحمل معه إلى العالم الآخر شيئا من نور الحياة.

وفي المخيال الرافديني ارتبط الذهب بالآلهة أيضا. فقد كانت المعابد تكتسب مهابتها بما تضم من نفائس ذهبية، وكانت الإلهة عشتار، سيدة الحب والخصب والحرب، تجسد في النقوش والتماثيل وهي تتوشح بالزينة النفيسة، لأن الذهب كان رمزا للقوة والخلود والبهاء، لا رمزا للتفاخر الأجوف أو الثراء غير المشروع.

إن الحضارة التي جعلت الذهب زينة للمعابد، لم تكن تؤمن بأن قيمته في ذاته، بل فيما يمثله من معنى. ولذلك ظل الذهب خادما للفكرة الكبرى التي كانت تتمثل في تمجيد الإنسان، وتكريم الآلهة، وإعلاء شأن المدينة.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو مقلوبا بصورة تدعو إلى الأسى، فالذهب يختبئ تحت الإسمنت، حيث لم يعد شاهدا على الإبداع، بل دليلا ماديا على الخوف. فالشخص الذي يدفن عشرات الكيلوغرامات من الذهب تحت الأرض لا يحاول حماية ثروة مشروعة، بل يحاول إخفاء أثر جريمة، لأنه يدرك أن المال الذي لا يستطيع أن يرى الشمس هو مال ولد في الظلام.

وهنا تكمن المفارقة الحضارية المؤلمة. ففي العراق القديم كان الذهب يعرض للناس ليشهدوا على عظمة المدينة، أما في عراق اليوم فيخفى عن الناس لأنه شاهد على انهيار الضمير.

إن أخطر ما فعلته منظومة الفساد خلال العقود الماضية أنها لم تسرق المال العام فحسب، بل سرقت منظومة القيم. فقد أصبح الثراء السريع فضيلة عند البعض، وأصبحت الوظيفة العامة طريقا إلى الثروة لا إلى الخدمة، وتحول المنصب من تكليف أخلاقي إلى فرصة للاستحواذ على المال، حتى صار دفن الذهب تحت الأرض يبدو، في نظر الفاسدين، إجراء احترازيا عاديا.

لكن الذهب، مهما أخفي، يظل يحمل مفارقة لا تخطئها العين، فهو معدن لا يصدأ، غير أن الأيدي التي تسرقه تصدأ أخلاقيا؛ وهو يبقى لامعا، بينما تتآكل سمعة الأمم التي تسمح بتحويل ثرواتها إلى كنوز مدفونة في السراديب.

إن العراق الذي قدم للعالم أول المدن، وأول القوانين، وأول الملاحم، لا يستحق أن يصبح بلدا تكتشف فيه كنوز الفساد أكثر مما تكتشف فيه كنوز المعرفة. وما بين ذهب أور الذي أضاء ذاكرة الإنسانية، وذهب اليوم المدفون تحت الأرض، تمتد قصة طويلة عنوانها انحدار القيم قبل انحدار الاقتصاد. ولعل أعظم ما نحتاج إليه ليس العثور على مزيد من الذهب المدفون، بل استعادة ذلك المعنى القديم الذي جعل من الثروة وسيلة لبناء الحضارة، لا وسيلة لدفنها.


30/07/2026