×

  کل الاخبار

  حذف أصفار العملة العراقية.. بين الإثارة الإعلامية والجدية الحكومية



 

عاد ملف حذف الأصفار من الدينار العراقي ليطفو على سطح الأحداث والنقاشات الاقتصادية والسياسية في العراق، بعد حديث وزير الاتصالات مصطفى سند عن صدور قرار يتعلق بتغيير العملة وحذف الأصفار منها، في تطور أعاد فتح واحد من أكثر الملفات النقدية جدلاً في العراق، وسط تساؤلات اقتصادية وشعبية عن حقيقة القرار، والجهة التي أصدرته، وموعد دخوله حيز التنفيذ.

 

ما هو حذف الأصفار؟

عملية حذف الأصفار هي إعادة تسمية للوحدة النقدية (Denomination)، وليست خفضاً أو زيادةً في القيمة الحقيقية للثروة أو القوة الشرائية.

وهي ببساطة استبدال الأوراق النقدية الحالية بأخرى جديدة تحمل قيماً أقل، فمثلاً، كل (1000 دينار) يصبح (ديناراً واحداً) جديداً، ولكن تبقى القيمة الشرائية متساوية لحظة الإحلال؛ فالسلعة التي تباع بـ 10,000 دينار ستباع بـ 10 دنانير فقط بالعملة الجديدة، دون أن يغنى المواطن أو يفتقر بسبب الرقم الجديد نفسه.

 

الأهداف المرجوة من الخطوة

يطرح الخبراء والمؤيدون لمشروع حذف الأصفار عدة مزايا تنظيمية وإدارية محتملة، منها:

* تخفيف العبء عن الأنظمة الحسابية، والبرمجيات المصرفية، وتداول كتل نقدية ضخمة وبطاقات الدفع التي تتطلب أرقاماً مليارية في العمليات اليومية البسيطة.

* إعادة تقريب شكل الحسابات المحلية مقارنة بالدولار وبقية العملات العالمية في السجلات الرسمية.

* إلزام السوق بمهلة لاستبدال العملة القديمة قد يجبر أصحاب الأموال المكتنزة في المنازل أو الأسواق السوداء على إدخالها إلى الجهاز المصرفي الرسمي، مما يتيح للدولة رقابة أعلى على مصادر الأموال.

 

التبعات والتحديات الاقتصادية

رغم المزايا الشكلية والتنظيمية، يحذر خبراء اقتصاديون من مغبة تنفيذ الخطوة دون توفر بيئة مستقرة.

ويؤكد أ.د. أيوب أنور سماقيي، الأستاذ الجامعي ورئيس فرع أربيل لنقابة اقتصاديي كوردستان، في تصريح صحفي، أن "مايتردد حاليا بهذا الشأن، هي بمثابة "تكتيك" ومحاولة لإعادة الأموال التي جُمِعَت أو أُخفِيَت خارج البنك المركزي".

ويشير إلى أنه بسبب ارتفاع مستوى الفساد وإخفاء كميات كبيرة من الأموال، واجهت الحكومة نقصاً في السيولة وعانت من عجز حاد في دفع الرواتب لعدة أشهر"، مؤكدا أنه "وفقاً للمعايير الاقتصادية، فإن العبث بالعملة في ظل هذا الوضع غير المستقر سيؤدي إلى ظهور المزيد من المشكلات".

ويوضح المختصون أن حذف الأصفار لا يعني تبخر أو مصادرة الأموال غير المشروعة تلقائياً؛ فصاحب المليارات سيستبدل أمواله بالنسبة والتناسب (10 مليارات تصبح 10 ملايين بالعملة الجديدة)، وبالتالي فإن ملاحقة الفساد تتطلب منظومة قانونية ومصرفية رصينة وليست مجرد عملية رياضية على الأوراق النقدية".

من جانب آخر، تتطلب عملية تغيير العملة وسحب الإصدارات القديمة وتوفير الجديدة، تكاليف باهظة تتحملها خزينة الدولة، فضلاً عن الحاجة لحملات توعية شعبية واسعة لمنع الارتباك في الأسواق.

فيما يرى البعض، أنه في حال الشروع بهذه الخطوة، قد يلجأ المضاربون أو أصحاب الأموال المشبوهة أثناء الفترة الانتقالية لاستبدال أموالهم بأصول ثابتة كالذهب أو العقارات أو العملات الأجنبية (الدولار) لتفادي الرقابة المصرفية، ما قد يشكل ضغطاً إضافياً على سعر الصرف الأجنبي.

 

آلية الشروع بالعملية

تتطلب عملية حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي، أن تمر عبر مجلس الوزراء العراقي، وبعد التصويت عليها، تُرسل إلى مجلس النواب العراقي وتحديدا إلى اللجنة المالية لمناقشتها، ثم تُرسل إلى رئاسة مجلس النواب.

وبعد أن تُرسل رئاسة البرلمان المشروع إلى أعضاء المجلس، يتم تحديد موعد جلسة القراءة الأولى له، ومن ثم القراءة الثانية والتصويت عليه".

وترى سرو محمد، عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة الاتحاد الوطني الكوردستاني، أن الوضع الاقتصادي في العراق سيء وأن الحكومة تلجأ إلى كل الطرق لزيادة الإيرادات والقضاء على الفساد. ولتنفيذ هذا المشروع، يجب على وزارة المالية بالتعاون والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة تقديم مشروع قانون إلى البرلمان للتصويت عليه.

وأضافت قائلة: "من الناحية الإيجابية، ستؤدي هذه العملية إلى تعزيز قيمة العملة العراقية وكشف الأشخاص الذين اخفوا أموالهم، لأنهم سيضطرون عند استبدال الأموال القديمة بالعملة الجديدة إلى الإفصاح عن مصدر أموالهم."

يؤكد المختصون أن نجاح أي خطوة كهذه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى السيطرة على معدلات التضخم، واستقرار سعر الصرف، وتحقيق استقرار أمني وسياسي حقيقي، فضلًا عن تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد المطلق على النفط، إذ إن قوة العملة مستمدة من قوة الاقتصاد الإنتاجي لا من عدد أصفارها.

 

الموقف الرسمي

حتى الآن، يتسم الموقف الرسمي بنوع من الضبابية، أو عدم وجود قرار نهائي حاسم، فبينما تظهر مطالبات نيابية أو تصريحات حكومية متفرقة تعيد إحياء النقاش حول دراسة المشروع واستبعاد مخاطر التضخم، خرج المتحدث باسم الحكومة العراقية (حيدر العبودي) بنفيٍ قاطع لوجود أي توجه أو قرار حكومي رسمي وشيك لتغيير العملة الوطنية أو حذف ثلاثة أصفار منها، مؤكداً أن ما يتم تداوله بهذا الخصوص لا يستند إلى قرارات تنفيذية معتمدة من مجلس الوزراء.

بدوره يُبقي البنك المركزي العراقي هذا الملف ضمن دراساته الفنية والاستراتيجية القديمة المتجددة، لكنه يشدد دائماً على أن أي خطوة من هذا النوع تتطلب بيئة اقتصادية مستقرة وتشريعات دقيقة، ولا يمكن اتخاذها بشكل عشوائي لكونها ترتبط بالاستقرار النقدي والسياسة المالية للبلد.


24/08/2026