غارات سعودية امريكية وتصعيد يعيد صياغة قواعد اللعبة
صحيفة"الغارديان"البريطانية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
تقرير:بيتر بومونت/كبير المراسلين الدوليين:حذر محللون من أن الضربات الامريكية - السعودية التي استهدفت ميليشيات مدعومة من إيران في العراق دفعت المنطقة إلى "مرحلة غير مسبوقة".
وفي ظل تحذيرات شديدة من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى نزاع يزداد "عدم قابلية للتنبؤ"، أضاف قرار الرياض الانضمام علنا إلى الولايات المتحدة في استهداف مواقع مرتبطة بـقوات الحشد الشعبي العراقية، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن عشرين مقاتلا، بعدا جديدا يزيد من تعقيد الحرب.
وجاءت الضربات التي نُفذت يوم الأربعاء بعد فترة هدوء قصيرة في الهجمات الامريكية المباشرة على أهداف داخل إيران، إلا أن حلفاء طهران في اليمن ومناطق أخرى أصبحوا أكثر انخراطا في النزاع.
وفي المقابل، أطلقت إيران صواريخ على منشآت عسكرية امريكية في الأردن، في أول هجوم تنفذه في المنطقة منذ توقف القتال مع الولايات المتحدة.
وقد بدت تلك الضربات المتبادلة مؤشرا على انتهاء فترة التهدئة. وقال الرئيس الامريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة "ستوجه ضربات قوية لإيران"، في الوقت الذي ادعى فيه أن الضربات داخل العراق نُفذت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، رغم إدانة بغداد لهذه الهجمات.
وفي اليوم نفسه، هزت انفجارات ميناء لشحن الغاز الطبيعي على ساحل البحر المتوسط في دمياط المصرية، ويُعتقد أنها نجمت عن هجوم بطائرة مسيّرة، في أول ضربة يُعلن عنها داخل الأراضي المصرية منذ اندلاع الحرب. ولم تتضح الجهة التي أطلقت الطائرة المسيّرة.
وقالت شركة الأمن البحري البريطانية أمبري (Ambrey) إن ناقلة تخزين عائمة مملوكة لشركة امريكية كانت موجودة في الميناء تعرضت للإصابة بطائرة مسيّرة، في تطور قد يمثل مؤشرا جديدا على اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط.
في بغداد، وصفت رئاسة الجمهورية العراقية الغارات الجوية التي استهدفت قوات الحشد الشعبي، المعروفة أيضا باسم الحشد الشعبي، وهي تحالف مسلح يضم فصائل نافذة موالية لإيران، بأنها "انتهاك صارخ لسيادة العراق واستهداف لمؤسساته الرسمية."
ويُعد الحشد الشعبي شبكة من الفصائل ذات الغالبية الشيعية، تأسست عام 2014 لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقد أشرف على جهوده الجنرال الإيراني قاسم سليماني، القائد السابق لـفيلق القدس، الذراع المسؤولة عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني. وكان سليماني قد قُتل في غارة صاروخية امريكية استهدفته في بغداد خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب.
وفي أعقاب هذه الضربات، ألغى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي كان قد التقى ترامب مؤخرا، اجتماعا كان مقررا عقده يوم الخميس في جدة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
من جهتها، أعلنت حركة حزب الله النجباء العراقية، وهي إحدى الفصائل المدعومة من إيران، أن المصالح والأمن الامريكي والسعودي سيواجهان عواقب جراء هذه الهجمات. وخلال تشييع المقاتلين الذين قُتلوا، ردد المشيعون هتافات طائفية شيعية وشعار "الموت لامريكا"، بينما كانوا يحملون جثامين القتلى في أكياس خاصة بالجثث خارج أحد مستشفيات مدينة الموصل شمال العراق.
ويواجه العراق، الذي تضرر بشدة من إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره غالبية صادراته النفطية، صعوبة كبيرة في منع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من الامتداد إلى داخل حدوده.
وقد سعت الحكومات العراقية المتعاقبة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الولايات المتحدة، التي غزت العراق عام 2003، وإيران، التي عملت على مدى سنوات على توسيع نفوذها داخل البلاد، ودعمت فصائل مسلحة قوية لعبت دورا رئيسيا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ورغم أن تقارير أفادت بأن السعودية شاركت في عدد محدود من الضربات السرية ضد إيران في إطار هذه الحرب، فإن انخراط الرياض العلني في العمليات يمثل نقطة تحول جديدة في مسار الصراع. وكان الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن قد أعلنوا، قبل نحو أسبوع فقط، فرض حصار على الموانئ والشحنات السعودية عند مدخل البحر الأحمر.
وشهدت الأيام الأخيرة من التصعيد الخطير استمرار طهران ووكلائها في استهداف قواعد ومنشآت تابعة للولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك داخل السعودية، رغم فترة التوقف القصيرة التي كانت الولايات المتحدة قد أعلنتها في عملياتها العسكرية.
لا أحد يريد الإبقاء على الوضع القائم
ولخصت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز الأبحاث البريطاني تشاثام هاوس، حالة الفوضى المتزايدة في المنطقة بقولها: "يحاول الجميع فهم ما أصبح يزداد عبثية يوما بعد يوم. وهناك من يرى أن التوقف غير الرسمي للولايات المتحدة عن توجيه ضربات مباشرة لإيران دفع طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على وكلائها للإبقاء على الضغط على واشنطن. لكن لم يعد هناك مجال للإنكار المقبول، لأن الجميع يدرك مدى الترابط بين هذه العلاقات."
وأضافت وكيل أن عدم قابلية التكتيكات الإيرانية للتنبؤ يبدو، من وجهة نظر طهران، استراتيجية متعمدة للضغط على ترامب، إما لدفعه إلى مواجهة أوسع أو إلى تقديم تنازلات، مع السعي في الوقت نفسه إلى الإبقاء على "قبضة خانقة" على مضيق هرمز.
كما رأت أن دول المنطقة تنظر إلى حالة الفوضى التي أفرزها الصراع باعتبارها فرصة تاريخية، بما في ذلك لإضعاف إيران. وأضافت أن الجانب السعودي يتبنى بدوره نهجا يقوم على عنصر المفاجأة وعدم القدرة على التنبؤ.
وقالت: "لا أحد يريد الإبقاء على الوضع القائم."
منعطف غير مسبوق
من جانبه، قال إتش إيه هيليير، الزميل المشارك الأول في شؤون الشرق الأوسط لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI): "من وجهة النظر السعودية، هناك شعور بأن الإيرانيين يتصرفون على هذا النحو لأنهم يعتقدون أن دول الخليج العربية لن ترفع مستوى التصعيد. والسعوديون يريدون أن يوضحوا أن هذا التقدير خاطئ، وأنه إذا كانت طهران تعتقد أن دول الخليج هدف سهل، فهي مخطئة."
وقال هيليير إن المشكلة تكمن في أن السعوديين ربما نظروا إلى استهداف قوات الحشد الشعبي باعتباره عملا محسوبا بدقة، إلا أن رد الفعل المقابل قد يكون من المستحيل التنبؤ به.
وأضاف: "ولأننا لا نعرف كيف سيكون ذلك الرد، فإننا دخلنا بالفعل إلى منعطف غير مسبوق، ليس فقط بسبب ظروف الحرب الدائرة هذا العام، وإنما أيضا بسبب التعقيدات الأوسع التي تشهدها المنطقة."
وتابع قائلا: "وتكمن الخطورة في أن طهران ترى نفسها مستهدفة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في حرب تعتبرها معركة وجودية. وهي تنظر إلى كل ما يجري من خلال منظور مفاده أنها مضطرة إلى إعادة رسم قواعد اللعبة في المنطقة بصورة جذرية، حتى وإن كانت مخطئة أو تبالغ في تقدير قدرتها على فرض هذا التحول."