*محمد شيخ عثمان
فاجعة شنكال لم تكن مجرد هجوم إرهابي عابر، بل كانت لحظة سوداء في تاريخ العراق والإنسانية، عندما تحول مجتمع آمن إلى ضحية لإحدى أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث، ففي أيام قليلة، ارتكب تنظيم داعش جرائم هزت ضمير العالم، عبر قتل آلاف من الأبرياء، واختطاف النساء والأطفال، وممارسة الاستعباد الجنسي، وتشريد مئات الآلاف، وتدمير إرث ديني وثقافي يعود إلى قرون.
لقد أثبتت تلك المأساة أن التطرف لا يستهدف جماعة بعينها، وإنما يستهدف قيم التعددية والتعايش والكرامة الإنسانية، وما تعرض له الإيزديون لم يكن اعتداء على مكون أصيل من مكونات العراق وكوردستان فحسب، بل كان اعتداء على الضمير الإنساني بأسره، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة وعددا كبيرا من البرلمانات والدول إلى الاعتراف بما جرى بوصفه جريمة إبادة جماعية تستوجب العدالة وعدم الإفلات من العقاب.
ورغم مرور سنوات على الكارثة، فإن جراح شنكال ما تزال مفتوحة. فما زال آلاف المفقودين مجهولي المصير، وما تزال المقابر الجماعية شاهدة على حجم المأساة، فيما لا تزال آلاف العائلات تكافح من أجل العودة إلى ديارها واستعادة حياة طبيعية تليق بكرامة الإنسان و إن إعادة إعمار شنكال ليست مشروعا عمرانيا فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية، تبدأ بإرساء الأمن والاستقرار، وتمر بتعويض الضحايا وإنصافهم، ولا تنتهي إلا بإعادة بناء الثقة والأمل.
الوفاء الحقيقي لضحايا شنكال لا يكون بإحياء الذكرى السنوية وحدها، وإنما بتحويل هذه الذكرى إلى التزام دائم يمنع تكرار مثل هذه الجرائم، ويؤسس لدولة تحمي جميع مواطنيها دون تمييز، وتكرس العدالة وسيادة القانون، وتصون التنوع الديني والقومي باعتباره مصدر قوة وغنى للمجتمع.
وفي مسار الدفاع عن حقوق الإيزديين، برز الاتحاد الوطني الكوردستاني بوصفه أحد أبرز الداعمين لقضيتهم على المستويين الوطني والدولي، إذ تبنى منذ الأيام الأولى للمأساة خطابا يقوم على إنصاف الضحايا، وكشف حقيقة ما جرى، والعمل على ترسيخ الاعتراف القانوني والحقوقي بالجريمة بوصفها إبادة جماعية.
ولم يقتصر هذا الدور على المواقف السياسية، بل امتد إلى دعم الجهود الرامية إلى توثيق الجرائم، وإسناد المبادرات التشريعية الخاصة بإنصاف الناجين، والدفاع عن حقوق المكون الإيزدي في المحافل العراقية والدولية، والمطالبة المستمرة بمحاسبة الجناة، والكشف عن مصير المفقودين، وإعادة إعمار شنكال وتهيئة الظروف لعودة أهلها بكرامة وأمان. وقد ظل هذا الالتزام يمثل جزءا ثابتا من رؤية الاتحاد الوطني في حماية التعددية وصون حقوق المكونات الأصيلة في كوردستان والعراق.
ستبقى شنكال عنوانا للألم، لكنها يجب أن تتحول أيضا إلى عنوان للإرادة والانتصار على ثقافة الكراهية، فالأمم التي تحفظ ذاكرة ضحاياها، وتنصفهم، وتحاسب الجناة، هي وحدها القادرة على بناء مستقبل أكثر أمنا وعدالة. أما النسيان، فهو انتصار متأخر للجريمة، وإعادة إنتاج للمأساة بصور مختلفة.