×

  قضايا كردستانية

  اعلام جديد لحزب عريق



*ستران عبدالله

اصبح استخدام منصات الاعلام الجديد بجميع خياراتها المتاحة في الحركات السياسية والعمل الحزبي ظاهرة من ظواهر العصر، ومحطة جديدة في مسار اندماج الصحافة والاعلام في ميدان النشاط الحزبي والنضال السياسي. وهذا امر تحتاج اليه جميع الاحزاب في العالم، ولا سيما احزاب كردستان بمختلف توجهاتها.

لطالما شكّلت الحرية والديمقراطية نقطة الالتقاء بين العمل الحزبي والاعلام بصورة عامة؛ فكلاهما يحتاج الى الحرية بوصفها مبدا، والى الديمقراطية بوصفها اسلوبا في ممارسة العمل السياسي وادارة التنافس والصراعات.

وكانت دعوات الاحزاب الى الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة، تتصدر مطالبها في اطار بناء النظام السياسي وتدشين الانفتاح السياسي والاجتماعي في البلاد. غير ان هذه المطالب كانت دائما عرضة للقمع في ظل الانظمة الدكتاتورية، وكذلك في ظل سلطات الاحتلال.

وكان منح حرية الصحافة يعني، في الوقت نفسه، منح الاحزاب حق اصدار صحفها ومنشوراتها السياسية والفكرية، كما ان ممارسة الحريات السياسية كانت تبدا اولا من خلال المنابر الصحفية. ونحن هنا نتحدث عن مرحلة تاريخية ليست ببعيدة ، حين لم يكن امام الحركات السياسية داخل البلاد سوى فرص اصدار الصحف والمطبوعات، بينما كان البث الاذاعي والتلفزيوني حكرا على الدولة، لم يكن يُتاح للاحزاب التعبير عن ارائها عبر الاذاعة او التلفزيون الرسمي الا في ظل نظام ديمقراطي، او بعد انتقال السلطة، او خلال فترات قصيرة ومؤقتة من الانفتاح السياسي. لذلك كان المصطلح الشائع انذاك هو «حرية الصحافة»، وليس «حرية وسائل الاعلام».

وفي مرحلة الصحافة الحزبية الهادفة، وبصورة عامة خلال العصر الذهبي للصحافة الورقية، كانت الصحف الحزبية، مثل (خبات النضال) و «كوردستان»  و «صحفة النور» ، تحقق في كثير من الاحيان مردودا ماليا واستثماريا، شانها شان اي مشروع تنافسي. اما بفضل قوة محتواها، او انتماء الجماهير للقضية الكردية والديمقراطية، الالتزام بها فضلا عن العائدات المتاتية من الاعلانات. وهكذا اصبحت هذه الصحف مصدرا للدخل والتمويل بالنسبة للاحزاب، بدلا من ان تكون عبئا ماليا عليها، كما هو الحال في الوقت الحاضر.

في المقابل، كانت الاذاعة تمثل انذاك الجهاز الدعائي الداخلي للاحزاب، سواء اثناء الثورات وفي المناطق المحررة، او في المنفى والعمل السري للثوار، حيث كانت الاذاعات تبث رسائلها متجاوزة رقابة السلطات ومحاولات التشويش عليها. وقد تجلى ذلك بوضوح في الثورات الكردية، اذ كان يتعين حماية اجهزة الارسال والرادار من التشويش، واخفاء مواقع محطات البث عن القصف اليومي الذي كانت تشنه طائرات العدو.

ومع ذلك، كانت الاحزاب، سواء في البلدان التي تمر بمرحلة انفتاح سياسي، او في ظروف العمل السري والثوري، تُولي اهتماما اكبر بالمطبوعات والمنشورات؛ كالصحف والمجلات والكتيبات والنشرات، بل وحتى المنشورات السرية التي عُرفت في تجربة المعارضة خلال العهدين القاجاري والبهلوي في ايران. فمع ان الاذاعة كانت تصل الى جمهور اوسع، فان المطبوعات كانت تتيح مساحة اكبر للشرح والتحليل، وهو ما كان اكثر فاعلية في ترسيخ قيم النضال وتعزيز القناعة السياسية والفكرية، واعداد الكوادر الحزبية واقناع الانصار.

وفي اطار الثورة الكردية الجديدة لشعبنا. فقد راى الرئيس جلال طالباني، في الخطة الاولى لانطلاق الثورة، المسماة خط رزكاري (التحرير) ضرورة تاسيس «فرق الدعاية المسلحة»، وهي وحدة لم يكن دورها خوض المعارك او الاشتباكات المسلحة، وانما توزيع الكتيبات والمنشورات الحزبية والثورية في القرى والارياف وضواحي المدن، بحماية مقاتلي البيشمركة، بهدف نشر فكر الاتحاد الوطني الكردستاني واهداف الثورة بين الجماهير.

وبعد ان اصبحت الثورة تسيطر على مناطقها المحررة، انشات مطابع ومراكز للطباعة و اصدرت مختلف انواع المنشورات: الاخبارية، والفكرية، والسياسية، والادبية، والثقافية ذات الطابع الثوري، الى جانب اذاعة «صوت شعب كردستان»، التي اضطلعت بدور حاسم ومؤثر في دعم الثورة وتوجيهها.

 

فضاء القنوات الفضائية

جاء عصر البث الفضائي قبل عصر المواقع الالكترونية والمنصات الرقمية. وقد تمكنت الاحزاب الحاكمة من توظيف المنابر الفضائية الرسمية التابعة للدولة، كما استطاعت، وفقا لقوانين بلدانها، انشاء منابر اعلامية رديفة (منابر الظل او سيبرانية) توصل من خلالها رسائلها وقيمها الى المواطنين بصورة غير مباشرة. اما الاحزاب المعارضة التي كانت تمتلك امكانات مالية وتنظيمية كبيرة، فقد استطاعت هي الاخرى ان تبث قنواتها الفضائية من خارج البلاد لتصل الى بيوت جميع المواطنين، سواء كانوا من انصارها او من خصومها، شريطة الا تكون الدولة قد حظرت استقبال البث الفضائي.

ومع ظهور المواقع الالكترونية، انتهى عمليا الحصار الاعلامي الذي كان يُفرض على الاحزاب المختليفة في مختلف انحاء العالم، سواء كانت تعمل بصورة قانونية او سرية، او كانت احزابا معارضة ديمقراطية او حتى جماعات تُصنَّف على انها «ارهابية». غير ان الضغوط بمختلف اشكالها، من رقابة الكترونية، وحجب للمواقع، اجهزة تشويش امنية وسياسية تفرضها الدول على الاحزاب والقوى المعارضة، ظلت قادرة، على غرار عمليات التشويش التي كانت تُمارس ضد اذاعات الثورة، على الحد من انتشار الافكار والرسائل التي تبثها المنابر الالكترونية.

ومع ما وفرته تكنولوجيا الاتصال من فرص متقدمة عبر الانترنت والمواقع الالكترونية وتطبيقاتها المختلفة، مثل المدونات وبرامج المحادثة كـ«ماسنجر» و«بالتوك»، ادركت الاحزاب والمؤسسات السياسية، رغم حاجتها الماسة الى هذه المنصات، ان جمهورها المستهدف كله لم يكن قد استوعب بعد هذه الفرص الاعلامية الجديدة او لم يمتلك القدرة التقنية على استخدامها، كما ان اجهزة الحاسوب ومتطلبات الاستفادة من الانترنت كانت لا تزال محدودة الانتشار في الدول الفقيرة والنامية. صحيح ان التطور التقني كان سريعا، لكن انتشار ثقافة الاستخدام واكتساب المهارات اللازمة كان يسير ببطء، الى ان جاءت الثورة الرقمية والقفزة الكبرى التي احدثتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي اطلق عليها اسم «الاعلام الجديد»، لتنقل المشهد الاعلامي كله الى مرحلة مختلفة. فقد ازداد عدد الشركات المتخصصة، وتعاظمت قدرات المنصات الرقمية، واصبحت اكثر جاذبية واستقطابا للمستخدمين.

 

القفزة الكبرى

ان ظهور الاعلام الجديد وتعدد منصاته، التي ما تزال تتزايد وتتوسع باستمرار حتى اصبح من الصعب حصرها دون ان نضيف عبارة «وغيرها»، يمثل، من ناحية، امتدادا طبيعيا لتاريخ تطور وسائل الاعلام وتقنياتها. لكنه، من ناحية اخرى، احدث تحولا جذريا مقارنة بوسائل الاعلام التقليدية، ووسّع مجالات الخدمة والاستخدام الى درجة يمكن معها الحديث عن قطيعة نوعية بين الاعلام التقليدي والاعلام الجديد. وقد تمثلت اهم ملامح هذا التحول في توسيع مساحة مشاركة الجمهور فلم يعد المتلقي، سواء كان قارئا او مستمعا او مشاهدا، مجرد مشارك محدود (ضيف مهذب) كما كان في المرحلة الذهبية من ديمقراطية الاعلام التقليدي، بل اصبح هو نفسه منتجا للمحتوى الاعلامي، وصانعا للرسائل والمنصات، بل واصبح قادرا على اعادة توظيف مواد الاعلام التقليدي بما يتوافق مع حاجاته واهدافه.

فبامكانه ان يقتطع جزءا من عمل اعلامي تقليدي، ويعيد تحريره، ويمنحه عنوانا جديدا، ثم يدمجه مع مواد اخرى لانتاج عمل مختلف يخدم غاية جديدة. وليس من الضروري ان تكون هذه الغاية سلبية او مضللة؛ فقد تكون ايضا خدمة لقضية نبيلة، او توظيفا ايجابيا، او محاولة لربط موضوعات متقاربة وانتاج رسالة ذات قيمة.

فعلى سبيل المثال، قد يجمع احد مستخدمي الفيسبوك بين مشاهد لشخصية نجم سينمائي ومقاطع من افلامه لاعداد مادة تعريفية او سيرة بصرية عنه. وقد يعمد احد المناصرين لحزب سياسي الى جمع لقطات من برنامج تلفزيوني مع صور نادرة لاحد شهداء حركة التحرر الوطنية، ثم يضيف اليها موسيقى حزينة، ليخرج بعمل جديد قد يفوق، من حيث الجودة الفنية، المادة التلفزيونية الاصلية، او قد يكون اقل جودة، لكنه يظل ذا قيمة لان فكرته ورسالة انتاجه ايجابيتان، وتخدمان تخليد ذكرى ذلك الشهيد.

 

الديمقراطية الجديدة على المنصة الجديدة

كنت قد تناولتُ في مقال سابق الابعاد الاعلامية لظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وذكرتُ ان من ابرز اشكالياتها وجود شبكات دعم خفية، داخلية وخارجية، محلية واجنبية، تقف وراءها. وهذه الشبكات قد تكون مؤسسات حكومية او شركات استثمارية، لكل منها مصالحها وصراعاتها الخاصة. وتسهم هذه المساندة غير المرئية الى حد كبير في تضخيم شبكات الاعلام الجديد وتمويلها وترسيخ حضورها، بل ان اجهزة الاستخبارات الاجنبية تدخل احيانا على هذا الخط، وهو ما يحول دون اعتبار المزاج السائد على وسائل التواصل الاجتماعي مقياسا دقيقا للراي العام تجاه القضايا العامة. غير ان اعادة مناقشة هذه القضية ليست غاية هذا المقال، كما انها ليست مرتبطة مباشرة بموضوع الاعلام الجديد والعمل الحزبي، لذلك لن نتوسع فيها.

ولاشك ان هذه الاشكالية ما تزال قائمة ولم تُحسم بعد، لكنها لا تحول دون الاستخدام الايجابي والفاعل للاعلام الجديد، ولا سيما في المجال الحزبي، وفي توجيه السياسات الحزبية نحو الجمهور المستهدف ضمن الحدود التي يحددها الحزب نفسه.

ومن هنا اود العودة الى الفكرة التي طرحتها سابقا، وهي ان تطور الاعلام الجديد احدث قطيعة في الوظيفة الحزبية بين الاعلام التقليدي والاعلام الجديد.

وهذه الملاحظة ليست مجرد استنتاج اكاديمي او نظري، بل هي قراءة تنظيمية وحزبية واقعية تنطلق من الواقع؛ فالاعلام التقليدي (الصحف، والاذاعة، والتلفزيون) والاعلام الجديد (المواقع الالكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي) اصبحا اليوم مترابطين، ويكمل كل منهما الاخر في اداء وظائفه المهنية.

فمنصات الاعلام الجديد اصبحت بمنزلة «الحديقة الخلفية» للاعلام التقليدي، ومنابر جماهيرية اضافية تتيح انتشارا اوسع لمحتواه. واصبح المتلقي يستفيد من هذه المنصات في المشاهدة والاستماع والقراءة اكثر مما يعود الى المنابر التقليدية نفسها؛ فلم يعد يجلس امام شاشة التلفاز او ينصت الى المذياع او يطالع الصحيفة الورقية كما كان في السابق وكانها اصبحت مخزن للمحتوى الاعلامي اكثر منه بؤرة للبث. كما تحولت هذه المنصات الى فضاء مهم لاستطلاع ردود فعل الجمهور وتعليقاته ومشاركاته الفاعلة، بما يمنح وسائل الاعلام التقليدية فرصة لفهم اتجاهات الراي العام وقياس مستوى الرضا او الاعتراض على ما تقدمه في منابرها الاصلية.

وفي هذا الاطار، ورغم الترابط والتكامل بين مراحل تطور الاعلام من التقليدي الى الجديد، فانني اعتقد ان القطيعة الحقيقية حدثت بينهما في ميدان الاعلام الحزبي. فقد انتقلت وظيفة الاعلام الحزبي التقليدي الى وظيفة غير مباشرة، يتمثل في نقل الرسائل السياسية العامة عبر وسائل اعلام لا تحمل اسماء الاحزاب، لكنها تؤدي عمليا دورا اعلاميا رديفا لها، وتعكس توجهاتها السياسية بصورة غير معلنة او مباشرة.

في المقابل، اصبح الاعلام الجديد يتولى بصورة مباشرة المهام التنظيمية والحزبية، بل بات جزءا من البنية التنظيمية للحزب نفسه كجزء في العلاقات العامة وهذا يعني ان العمل التنظيمي للحزب اصبح يُدار عبر ادوات الاعلام الجديد، وان الكادر الحزبي لم يعد يقتصر دوره على النشاط التنظيمي التقليدي، بل اصبح يؤدي مهامه الحزبية المباشرة  والمكثفة من خلال هذه المنصات. وهكذا اندمج الاعلام الجديد في جسد التنظيم الحزبي، واصبح اداة لتنفيذ المهام الحزبية، صغيرها و كبيرها.

ويمثل هذا التحول، في التجربة الحزبية، تغييرا جوهريا ونوعيا، اذ يُرجح ان تختفي في المستقبل القريب الصحف والاذاعات والقنوات التلفزيونية بوصفها اجهزة حزبية مباشرة. وستتحول هذه المؤسسات الى وسائل اعلام وطنية او عامة، تحمل اسماءها المستقلة، وتعالج الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية العامة، بينما يتراجع تدريجيا دورها بوصفها منابر وعناوين حزبية ضيقة. وبذلك ستنتقل الوظيفة الحزبية المباشرة الى الاعلام الجديد، تاركة للاعلام التقليدي مهامه الاعلامية العامة.

ولا يعني ذلك ان الاعلام الجديد سيقتصر على اداء الوظائف الحزبية وحدها؛ فبحكم تنوع المجتمع واتساع مجالات الحياة، فانه سيواصل اداء وظائف اعلامية وثقافية واجتماعية متعددة، شانه شان الاعلام التقليدي الذي سيستمر بدوره في الاستفادة من منصات الاعلام الجديد، سواء الموجودة اليوم او التي ستظهر مستقبلا، بوصفها امتدادا لمنابره الاساسية، اي الصحافة والاذاعة والتلفزيون.

غير ان محور حديثنا هنا يقتصر على الوظيفة الحزبية الجديدة التي جاء بها الاعلام الجديد، وهي وظيفة تستحق مزيدا من الدراسة والتحليل لفهم طبيعتها واتجاهاتها المستقبلية.

ان هذا كله ليس سوى انعكاس لتطور الحياة وتطور تكنولوجيا الاعلام، التي تعلمنا في كل مرحلة درسا جديدا.

فيا سادتي:قليلون يعلمون ان الولايات المتحدة عرفت من قبل رئيسا ملونا قبل باراك اوباما بفترة طويلة، لكن عدسات الكاميرا الحديثة سلطت الضوء على حضور اوباما، فاظهرت للعالم حقيقة اتساع الفرص السياسية في الولايات المتحدة، وان بامكان رجل اسود من اصول افريقية، نشا في ظل نظام دولة متقدمة، ان يصل الى اعلى منصب فيها.

وفي سياق تطور تكنولوجيا الاعلام يمكن القول ان نجحة حرب الخليج الاولى عام 1991 كانت قناة CNN، بينما كان بطلة الحرب على طالبان ومعركة تورا بورا في عام 2002 هي قناة الجزيرة. ثم جاءت مرحلة صعود اوباما الى الرئاسة عام 2009، وما رافقها من ازدهار الفيسبوك، تلتها احداث الربيع العربي، ليصبح الفيسبوك بطل المشهد الاعلامي في تلك المرحلة.

اما في المرحلة التي شهدت اعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وكذلك الانتخابات الاخيرة لمجلس النواب العراقي عام 2025، فقد برز التيك توك بوصفه المنصة الاعلامية الاكثر تاثيرا، بما يمتلكه من طبيعة سريعة وخفيفة وجاذبة للمستخدمين.

النص مترجم من اللغة الكردية عن طريق الذكاء الاصطناعي


02/08/2026