"معهد الشرق الاوسط"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
أصبح من المألوف لدى الامريكيين وصف حربنا الحالية مع إيران بأنها عالقة في نوع من المنطقة الرمادية، فلا هي حرب شاملة ولا هي سلام حقيقي. ولسنا وحدنا في ذلك، فالعراق يجد نفسه عالقا في حالة مشابهة من عدم الحسم، بين امريكا وإيران، وبين ما يمكن احتماله وما لا يمكن احتماله، وبين التقدم والانتكاس.
وكما هي الحال في وضعنا المضطرب والملتبس، فإن وضع العراق هو الآخر من صنعنا إلى حد كبير ــ وإن لم يكن ذلك بالكامل.
ولفهم المأزق الذي يواجهه العراق حاليا، لا بد من إدراك ثلاثة أمور:
أولها أن أشد الانقسامات السياسية حدة لم تعد بين السنة والشيعة والكرد، وإنما أصبحت بين الشيعة أنفسهم.
وثانيها أن رئاسة الوزراء تحولت بصورة متزايدة إلى واجهة تخفي وراءها صراعا بين أصحاب النفوذ ومراكز القوى في الكواليس.
وثالثها أن العراق قد يتبين أنه أكبر ضحايا الحرب مع إيران، رغم أن دوره فيها لم يتجاوز بالكاد دورا هامشيا.
سمحنا بسحق السنة أولا، ثم الكرد
بدأت الحرب الأهلية الثانية في العراق ــ وهي الحرب التي يسميها الامريكيون حرب تنظيم داعش ــ عام 2014، وانتهت بعد ثلاث سنوات بانتصار الشيعة العراقيين على كل من المجتمعين السني والكردي.
وقد نتج هذا التطور إلى حد كبير عن إحجام الولايات المتحدة عن التعامل مع الصراع باعتباره عودة إلى الحرب الأهلية الأولى، تلك الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة عندما أوجدت فراغا أمنيا بعد غزوها للعراق عام 2003، ولم تنجح في إنهائها إلا من خلال استراتيجية زيادة القوات عامي 2007 و2008، التي أدت إلى تأمين البلاد وإبرام اتفاق لتقاسم السلطة بين مكونات المجتمع.
ومن خلال تركيزنا الضيق على القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، سمحنا لقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران بسحق السنة أولا، ثم الكرد.
ونتيجة لذلك، أصبحت السياسة العراقية اليوم تدور بالكامل حول الشيعة. فما زال الحزبان الكرديان الكبيران، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، موجودين، لكن كلا منهما بات مضطرا إلى الرجوع إلى بغداد للحصول على الأموال والموافقات، بطريقة لم يكن بحاجة إليها قبل عام 2017.
أما حفنة من الأحزاب السنية التي يقودها محتالون صغار، فتتصارع من أجل الحصول على الفتات الذي تمنحه لها مختلف الأحزاب الشيعية التي تمسك بكل السلطة والثروة الحقيقيتين في البلاد.
والأسوأ من ذلك أن كل انتخابات تشهد انتقال المزيد من السلطة إلى الأحزاب الشيعية الأكثر قربا من إيران.
ولا يزال التقسيم الثلاثي للعراق ــ إلى شيعة وسنة وكرد ــ قائما، وهو التقسيم الذي بالغ الامريكيون في تأكيده ثم أسهموا في تعميقه، لكنه بات يكاد يكون خارج صلب القضية.
فكل السلطة في العراق يمارسها الشيعة، والصراعات الوحيدة التي تهم في تحديد المسار المستقبلي للبلاد هي تلك التي تدور بين مختلف الأحزاب والشخصيات الشيعية.
وفضلا عن ذلك، وبسبب الطريقة التي سارعت بها الولايات المتحدة إلى تشكيل حكومة بعد غزو عام 2003، ثم تجاهلت السياسة الداخلية العراقية بعد انسحاب القوات الامريكية عام 2011، فإن أفضل الشخصيات داخل المعسكر الشيعي أخذت تتراجع تدريجيا، وبصورة لا هوادة فيها، لمصلحة أسوأ الشخصيات.
حرب الملوك الطامحين
في منتصف تموز/يوليو، جاء رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، إلى واشنطن، وقد شعر العراقيون والامريكيون على حد سواء بحماس كبير إزاء الزيارة. وتم توقيع عشرات الصفقات التجارية الجديدة، فيما أُعجب الرئيس دونالد ترامب بالزيدي على الفور، ودعاه إلى البقاء في البيت الأبيض لتناول غداء لم يكن مقررا، ووصفه بأنه «رجل ذكي للغاية». وقال ترامب متوقعا: «هذا الرجل سيكون قائدا عظيما في الشرق الأوسط، وليس في العراق فحسب. وسوف يمتد نفوذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط».
وكان ذلك مهما، لأن الزيدي اختير رئيسا لوزراء العراق تقريبا لسبب وحيد، هو كسب ود الرئيس الامريكي. وخلافا لما ادعاه ترامب، فإن الزيدي لم يفز في الانتخابات العراقية التي أوصلته إلى السلطة.
بل إنه لم يشارك فيها أصلا. فقد اختير بعد سبعة أشهر من إجراء الانتخابات من قبل صاحب السلطة الحقيقي خلف العرش، كبير القضاة في العراق، فائق زيدان.
واختار زيدان الزيدي لأنه كان يعتقد أنه، على حد تعبير كثير من العراقيين، «دونالد ترامب العراقي». وكان زيدان يريد «دونالد ترامب عراقيا» لأن ترامب، كما أقر بنفسه، هدد بقطع جميع المساعدات عن العراق إذا لم يختر العراقيون شخصا يحظى بإعجابه.
وبالنسبة إلى الامريكيين، ينبغي أن يوضح اختيار الزيدي نقطتين أساسيتين. أولا، على الرغم من مدى النفوذ الذي أصبحت إيران تتمتع به في العراق، فإن امريكا لا تزال مهمة بالنسبة إلى بغداد، ولا تزال واشنطن قادرة على ممارسة نفوذها على البلاد.
وكثيرا ما افترض الامريكيون خلال العقد الماضي أن العراق أصبح خاضعا لإيران إلى درجة لم يعد معها من المجدي محاولة التأثير في مستقبله، وهو ما أدى في النهاية إلى نبوءة تحقق ذاتها.
وثانيا، فإن الرجل الذي يمسك بزمام الأمور في العراق ليس رئيس الوزراء، وإنما زيدان، من موقعه غير المألوف رئيسا لمجلس القضاء الأعلى في العراق. ولا سيما منذ انتهاء الحرب الأهلية العراقية الثانية، برز زيدان بوصفه الرجل الأكثر نفوذا في العراق.
وعلى الرغم من لقبه الوظيفي، فإنه ليس رجلا شديد الالتزام بالعدالة أيضا، إذ يمارس السلطة بقسوة لا تقل عن قسوة العديد من الدكتاتوريين العراقيين السابقين، وإن كان ذلك لا يقترب بأي حال من أهوال صدام حسين.
كما أنه ليس بالضرورة صديقا للولايات المتحدة. لكنه قومي عراقي؛ ولا يبدو أنه يريد أن يكون أداة بيد طهران، كما أنه يدرك جيدا حجم القوة الامريكية. فضلا عن ذلك، فإنه الحاكم الأكثر قوة في عراق ما بعد الغزو منذ رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
ومع ذلك، فإن سلطة زيدان ليست مطلقة. فإلى جانب مواجهته الإيرانيين، والامريكيين في بعض الأحيان، يواجه زيدان، بحسب التقارير، تحديا من زعيم شيعي آخر هو قيس الخزعلي، زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق المدعومة من إيران، وهي جماعة صنفتها الولايات المتحدة منظمة إرهابية. والخزعلي مسؤول شخصيا عن قتل جنود امريكيين خلال حرب العراق، لكنه مع ذلك يطمح إلى أن يصبح رئيسا لوزراء العراق وانتزاع السلطة من زيدان. ولهذا السبب، بدأ الخزعلي بإرسال إشارات انفتاح إلى الولايات المتحدة، تماما كما يفعل زيدان.
وقد يصبح الصراع على السلطة العليا في العراق بين زيدان والخزعلي السمة الأبرز للسياسة العراقية خلال الأشهر، وربما السنوات، المقبلة. وقد يتبين أن هذا الصراع أكثر تأثيرا في تحديد مسار الأحداث من رغبات كل من الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يؤدي صراعهما إلى إقصاء واشنطن وطهران تماما من المشهد.
وعلى الرغم من الضربات التي تلقتها إيران خلال الصراع المستمر، لا يزال العراقيون شديدي الحذر من جارتهم الشرقية الكبرى، ولا سيما لأن كثيرا منهم يخشون أن ترجح كفة إيران في نهاية المطاف، وأن تخرج من الحرب وهي تسيطر على مضيق هرمز، وبحوزتها عشرات أو مئات المليارات من الدولارات لإنفاقها.
لكن الحرب أعادت أيضا إحياء احترام العراقيين لدور امريكا، سواء بسبب استعراض القوة العسكرية الامريكية التي لا تضاهى، أو بسبب حاجة بغداد الملحة إلى المساعدة الامريكية في ما يتعلق بصادراتها النفطية في ظل استمرار القتال.
العراق وحرب إيران
لو اكتفينا بقراءة الصحف الامريكية، فقد يُعذر المرء في الاعتقاد بأن العراق بقي إلى حد كبير خارج الحرب مع إيران فهناك تقارير عن هجمات متفرقة تشنها الميليشيات العراقية المدعومة من إيران على القوات الامريكية وحلفائها، تتبعها ضربات انتقامية امريكية وإسرائيلية، وسعودية الآن أيضا، لكن هذه الهجمات كانت محدودة نسبيا. أما كرد الحزب الديمقراطي الكردستاني، فقد تعرضوا بانتظام لضربات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، لكن عمليات القصف هذه بالكاد تجد صدى في الصحافة الغربية.
ويحدث ذلك رغم أن الكرد، خلافا لحلفاء امريكا الآخرين في المنطقة، لا يمتلكون أي دفاعات جوية خاصة بهم، كما أن الولايات المتحدة ولا إسرائيل خصصتا أي دفاعات جوية لحمايتهم.
لكن التأثير الأسوأ للحرب على العراق كان يتمثل في تداعياتها على صادرات النفط العراقية، فقبل اندلاع الحرب، كان العراق قد ارتقى إلى المرتبة الرابعة بين كبار مصدري النفط في العالم، بعد السعودية وروسيا والولايات المتحدة فقط. وكان العراق يصدر ما بين 3.5 و4 ملايين برميل من النفط يوميا، يمر معظمها عبر مضيق هرمز. وقد أدى إغلاق المضيق إلى خنق صادرات النفط العراقية، لتتراجع إلى نحو 250 ألف برميل يوميا فقط، أي ما يزيد قليلا على 6 بالمئة من حجم مبيعاتها قبل الحرب.
النفط هو المحرك الأساسي للاقتصاد العراقي. وتشكل مبيعات النفط ما بين 85 و90 بالمئة من إيرادات الحكومة العراقية. ويعمل نحو 40 بالمئة من قوة العمل بصورة مباشرة لدى الحكومة، كما أن أكثر من 60 بالمئة من العراقيين الذين يحصلون على أجور منتظمة بدوام كامل يعملون في القطاع الحكومي. فضلا عن ذلك، يعتمد نحو 40 بالمئة من السكان في مصادر دخلهم على نحو كبير أو كلي على الأشخاص الذين يعملون مباشرة لدى الحكومة.
ولذلك، اضطر العراق، شأنه شأن الدول العربية الأخرى في منطقة الخليج، إلى الاعتماد على مدخراته لتغطية هذا العجز الهائل في الإيرادات. لكنه، خلافا للسعودية والإمارات والكويت وقطر، لا يمتلك صناديق ثروة سيادية ضخمة يمكنه السحب منها. فعدد سكان العراق كبير جدا، إذ يبلغ نحو 48 مليون عراقي، مقارنة بنحو 22 مليون مواطن سعودي فقط، كما أن اقتصاده يعاني من فساد واسع النطاق يحول دون تراكم مدخرات عامة كبيرة.
وقبل اندلاع الحرب في نهاية شباط/فبراير، كان لدى العراق نحو 110 مليارات دولار من احتياطيات النقد الأجنبي. وبعد أربعة أشهر، في أوائل تموز/يوليو، وحتى بعد مرور بضعة أسابيع كان خلالها المضيق مفتوحا إلى حد كبير، انخفضت الاحتياطيات العراقية إلى أقل من 80 مليار دولار. وإذا ظل المضيق مغلقا، فإن العراق، وفقا لمعدل استنزاف احتياطياته الحالي، لن يتمكن من تغطية نفقاته لأكثر من تسعة إلى عشرة أشهر على أبعد تقدير.
نهاية حقبة، مرة أخرى
وسط كل ذلك، تنسحب الولايات المتحدة من العراق، مرة أخرى. ومن المقرر أن تغادر القوات الامريكية كردستان العراق في 30 أيلول/سبتمبر، بعد أن كانت قد انسحبت من بقية أنحاء العراق العام الماضي. ويتوقع مسؤولون امريكيون، وكذلك العديد من النخب العراقية، أن تستمر بعض المهام الامريكية، مثل التدريب وبيع الأسلحة، من خلال مكتب كبير للتعاون الأمني داخل السفارة الامريكية.
وبالطبع، هذا هو بالضبط ما حاولت الولايات المتحدة القيام به عام 2011، لكنها اكتشفت آنذاك أن الخطوة كانت سابقة لأوانها، وأن غياب القوات العسكرية الامريكية أدى سريعا إلى عودة الحرب الأهلية وغزو تنظيم داعش.
هذه المرة، يفترض أن يترافق الانسحاب الامريكي مع نزع سلاح الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، لكن لا أحد يتوقع فعليا أن يحدث ذلك بالشكل الذي يجري الإعلان عنه. فقد وافقت معظم الميليشيات، بما فيها ميليشيا الخزعلي، على نزع سلاحها. وحتى هذه الفصائل يتوقع منها أن تسلم جزءا فقط من ترسانتها، أو أن تدمج مقاتليها في قوات الأمن العراقية، بما يتيح لها السيطرة بصورة أفضل على هذه القوات.
لكن مجموعتين على الأقل، هما كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء، رفضتا ببساطة إلقاء سلاحهما. ونظرا إلى أنهما الجهتان الرئيسيتان المسؤولتان عن الهجمات التي استهدفت الامريكيين وحلفاءهم خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا الأمر ليس مسألة هامشية على الإطلاق.
ولا أحد يعرف ما الذي ستكون الحكومة العراقية مستعدة أو قادرة على فعله تجاه هاتين الجماعتين، لكن ذلك سيكون اختبارا حاسما لكل من واشنطن ــ التي تريد نزع سلاحهما ــ وطهران ــ التي لا تريد ذلك.
فإلى أين يترك كل هذا العراق؟
إنه مفتوح على جميع الاحتمالات.
كل واحد من هذه العناصر يوفر للولايات المتحدة نقاط نفوذ يمكنها استخدامها، إذا كانت إدارة ترامب مستعدة لتوظيفها. وبإمكان واشنطن دعم السنة والكرد، أو حتى مجرد التهديد بذلك، من أجل تحفيز الجماعات الشيعية على التصرف بصورة أفضل.
وبالمثل، تستطيع واشنطن أن تضع خطوطا حمراء ومطالب واضحة أمام كل من زيدان والخزعلي، وأن تساعد أحدهما في مواجهة الآخر، أو أن تدعم مرشحا ثالثا في مواجهة الاثنين معا.
وليس على الولايات المتحدة أن تفعل ما يكفي للفوز بالصراع على السلطة؛ بل يكفيها أن تزيد من تعقيد الصراع الداخلي بالقدر الذي يضمن امتثال العراق لمتطلباتها.
كما تستطيع الولايات المتحدة مساعدة العراق على إدارة أوضاعه المالية من خلال تقديم قروض عبر مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو حتى من خلال وزارة الخزانة الامريكية نفسها، مقابل إحداث تغييرات ملموسة في السياسات.
ومع ذلك، فإن مأزق العراق يمثل أيضا سببا إضافيا، من بين مليون سبب، يوضح لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل أن يُنظر إليها على أنها خسرت الحرب مع إيران، ناهيك عن أن تكون قد تخلت عن السيطرة على مضيق هرمز وقبلت بإكراه إيران لحلفائنا في الخليج.
فالعراقيون يراقبون المشهد بعناية أيضا. وإذا اعتقدوا أن إيران هي التي انتصرت في الحرب، فإن النفوذ الامريكي الكبير المتبقي في العراق سيتبخر.
وعندها سيتحول العراق فعلا إلى دولة تابعة لإيران، وسيصبح بوابة للنفوذ والقوة الإيرانيين إلى العالم العربي.
*كينيث م. بولاك هو نائب رئيس السياسات في معهد الشرق الأوسط. وقد عمل محللا عسكريا لشؤون الخليج العربي في وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (CIA)، ومديرا لشؤون الخليج العربي في مجلس الأمن القومي الامريكي، ومديرا لمركز سياسات الشرق الأوسط في مؤسسة بروكينغز.