*محمد شيخ عثمان
لم تكن وليدة مفاوضات ما بعد سقوط النظام فقط، ولم تظهر فجأة في الدستور الدائم،
وإنما كانت خلاصة لمسار سياسي طويل
قضية كركوك ليست مجرد نزاع على مدينة أو خلاف إداري حول حدود محافظة، كما أنها ليست قضية طارئة ظهرت مع سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، بل هي واحدة من أكثر القضايا السياسية والتاريخية تعقيدا في العراق الحديث، لأنها ترتبط في جوهرها بالهوية، والديموغرافيا، والحقوق القومية، والعدالة، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون.
ولهذا بقيت كركوك، على مدى عقود، نقطة تقاطع بين تاريخ العراق السياسي وصراعاته القومية، ومقياسا حقيقيا لمدى قدرة الدولة العراقية على معالجة أخطاء الماضي دون إنتاج أزمات جديدة في الحاضر.
من يريد قراءة قضية كركوك بصورة موضوعية لا يستطيع أن يبدأ من لحظة سقوط النظام البعثي، ولا من المادة 140 من الدستور العراقي وحدها، لأن المادة لم تولد من فراغ، ولم تكن نصا منفصلا عن سياقه التاريخي والسياسي، وإنما جاءت نتيجة مسار طويل من السياسات والممارسات التي غيرت الواقع السكاني والإداري والقومي للمدينة ومناطق أخرى متنازع عليها، ولا سيما خلال العقود التي سبقت عام 2003 ولذلك فإن فهم المادة 140 يقتضي العودة إلى جذور القضية، وتتبع مراحل تشكلها، والبحث في الظروف التي جعلت من معالجة آثار تلك السياسات قضية دستورية ووطنية لا يمكن تجاوزها بالتأجيل أو الإنكار.
لقد كانت قضية كركوك حاضرة، بدرجات مختلفة، في جميع المراحل الأساسية من تاريخ الدولة العراقية الحديثة فمنذ تأسيس الدولة، بقيت مسألة حقوق الكورد وموقعهم في الدولة العراقية موضع اختبار حقيقي لمفهوم المواطنة والشراكة الوطنية.
وعلى الرغم من أن الدساتير العراقية الأولى تضمنت اعترافا بحقوق الكورد، فإن الفجوة بين النصوص والممارسة ظلت قائمة، وتحولت مع مرور الزمن إلى مصدر دائم للتوتر وعدم الثقة بين المكونات العراقية.
غير أن المنعطف الأخطر بدأ مع صعود حزب البعث إلى السلطة، ولا سيما بعد عام 1968، حين انتقلت سياسات التغيير الديموغرافي في كركوك من ممارسات متفرقة إلى سياسة دولة ذات أهداف واضحة. فقد شهدت المدينة حملات واسعة لإبعاد السكان الكورد والتركمان والكلدوآشوريين، وتغيير أسماء المناطق والأحياء، وإعادة توزيع السكان، وتشجيع نقل عائلات عربية من محافظات أخرى إلى كركوك، في إطار سياسة استهدفت إعادة تشكيل التركيبة السكانية للمدينة ومحيطها.
ولم يكن الكورد وحدهم ضحايا هذه السياسات، إذ طالت آثارها مختلف المكونات غير العربية في المدينة، وهو ما يجعل قضية كركوك، في جوهرها، قضية تتعلق برفض سياسة فرض هوية أحادية على مدينة متعددة القوميات والثقافات، أكثر مما هي مجرد خلاف بين قوميتين.
ومن هنا فإن أي معالجة تاريخية مسؤولة للقضية ينبغي أن تنظر إلى معاناة الكورد والتركمان والكلدوآشوريين وسائر سكان كركوك بوصفها جزءا من تاريخ المدينة الذي يجب توثيقه والاعتراف به، لا الانتقائية في قراءته.
بين التغيير الديموغرافي وخيار المواجهة
كان السؤال الأصعب أمام الحركة الكوردية، في مواجهة تلك السياسات، هو: كيف يمكن مواجهة مشروع واسع لتغيير الواقع السكاني والسياسي في كركوك من دون تحويل المدينة إلى ساحة صراع أهلي بين مكوناتها؟
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي يحاول هذا البحث التوقف عندها، فبعيدا عن الخطابات السياسية المتشنجة، تكشف مسيرة الحركة السياسية الكوردية، في مراحل عديدة، عن اعتمادها الوثيقة والحجة السياسية والحوار والمؤتمرات والاتفاقات باعتبارها أدوات أساسية لمعالجة قضية كركوك، مع إدراكها المبكر أن أي مواجهة مفتوحة بين الكورد والعرب أو بين مكونات المدينة لن تؤدي إلا إلى تعميق الجرح الذي تركته سياسات النظام السابق.
وتبرز أحداث انتفاضة آذار عام 1991 بوصفها محطة مهمة في هذا السياق. فعندما خرجت كركوك من قبضة النظام البعثي خلال الانتفاضة، كان من الممكن أن تتحول المدينة إلى ساحة للانتقام الجماعي، خصوصا بعد سنوات طويلة من التهجير والإقصاء والتغيير الديموغرافي والقمع، لكن ما حدث في تلك المرحلة يستحق التوقف والدراسة، ليس بهدف تبرئة أي طرف من الأخطاء التي وقعت، وإنما لفهم حقيقة أن الخيار القومي الكوردي لم يكن، في جوهره، قائما على الانتقام من السكان العرب الذين جرى نقلهم إلى المدينة ضمن سياسات النظام، بل ظل هناك إدراك بأن معالجة آثار الماضي يجب أن تتم عبر القانون والحوار والاتفاق السياسي، لا عبر عمليات ثأر جماعي تفتح بابا جديدا للصراع.
وهذه النقطة بالذات مهمة لفهم التطورات اللاحقة؛ لأن موقف الكورد من سكان كركوك العرب الذين استقدمتهم الدولة العراقية ضمن سياسات التغيير الديموغرافي كان مختلفا، في جوهره، عن سياسة النظام التي جلبتهم وأعادت توزيعهم على أساس قومي. فالمشكلة لم تكن مع الإنسان العربي بوصفه عربيا، وإنما مع سياسة الدولة التي استخدمت السكان أداة لإعادة هندسة المدينة وتغيير هويتها السكانية.
من المعارضة إلى البحث عن حل عراقي
خلال تسعينيات القرن الماضي، انتقلت قضية كركوك بصورة متزايدة من كونها قضية كردية داخلية إلى قضية عراقية مطروحة على طاولة المعارضة العراقية والمؤتمرات السياسية التي شاركت فيها مختلف القوى المناهضة للنظام السابق. وهنا بدأت ملامح المعالجة السياسية والقانونية للقضية تتبلور بصورة أوضح.
ففي المؤتمرات والبيانات والوثائق التي ناقشت مستقبل العراق، طرحت القيادة الكوردستانية رؤيتها بشأن معالجة آثار سياسات التعريب والتهجير، ولم تطرح القضية، في جوهرها، باعتبارها مشروعا لعزل كركوك عن العراق أو تحويلها إلى قضية صراع قومي دائم، بل باعتبارها واحدة من القضايا التي يجب أن تجد لها الدولة العراقية الجديدة حلا عادلا ودستوريا.
وكان لهذا التوجه منطلقان أساسيان:
أولا: الحفاظ على العلاقة التاريخية بين الكورد والعرب، ومنع تحويل السياسات التي انتهجها النظام البعثي إلى سبب دائم للعداء بين الشعبين.
ثانيا: النظر إلى قضية كركوك باعتبارها قضية عراقية تتطلب حلا عراقيا، ضمن إطار سياسي ودستوري يضمن حقوق جميع مكونات المدينة، وليس باعتبارها ورقة قومية تستخدم لتفكيك العراق أو فرض إرادة مكون على مكون آخر.
ومن هذه الزاوية تحديدا ينبغي قراءة التطورات التي قادت لاحقا إلى المادة 140، فالمادة لم تكن وليدة مفاوضات ما بعد سقوط النظام فقط، ولم تظهر فجأة في الدستور العراقي الدائم، وإنما كانت خلاصة لمسار سياسي طويل، بدأ من الاعتراف بوجود خلل تاريخي في الواقع السكاني والإداري للمناطق المتنازع عليها، مرورا بمحاولات المعارضة العراقية الاتفاق على آليات لمعالجة هذا الخلل، وصولا إلى تثبيت مبدأ المعالجة الدستورية في عراق ما بعد 2003.
من تشخيص المشكلة إلى محاولة معالجتها
أهمية المادة 140 لا تكمن في نصها القانوني وحده، وإنما في الخلفية التاريخية التي أنتجتها. فهي تمثل، في أحد أوجهها، اعترافا دستوريا بأن سياسات التغيير الديموغرافي التي اتبعتها الدولة العراقية السابقة خلقت واقعا مشوها لا يمكن تركه ليصبح أمرا واقعا دائما.
ولهذا جاءت فكرة التطبيع، ثم الإحصاء، ثم الاستفتاء بوصفها مسارا لمعالجة القضية عبر أدوات سياسية وقانونية ودستورية، بدلا من تركها رهينة للقوة أو للأمر الواقع أو للتوازنات الأمنية المتغيرة.
لكن المفارقة أن المادة التي صيغت لمعالجة واحدة من أعقد نتائج سياسات النظام السابق، تحولت هي نفسها، بعد عام 2003، إلى واحدة من أكثر مواد الدستور إثارة للجدل السياسي، بسبب اختلاف القوى العراقية في تفسيرها وآليات تنفيذها وتوقيتها، فضلا عن تراكم المصالح السياسية والقومية والإدارية حول كركوك.
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث؛ فهو لا يسعى إلى إعادة إنتاج الخطاب القومي من طرف واحد، ولا إلى اختزال كركوك في ثنائية الكورد والعرب، وإنما يحاول تتبع مراحل ولادة المادة 140، والظروف السياسية والتاريخية التي سبقتها، والخيارات التي اتخذتها القوى الكوردية في التعامل مع القضية، وصولا إلى إدراجها في الدستور العراقي.
فكركوك ليست مجرد ملف مؤجل في سجل الدولة العراقية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة العراق على مواجهة تاريخه بصدق، ومعالجة أخطاء الدولة السابقة بالوسائل الدستورية، وبناء صيغة تعايش لا تقوم على محو ذاكرة مكون لصالح مكون آخر.
إن معالجة قضية كركوك لا تبدأ بالسؤال: لمن تكون كركوك؟ بقدر ما ينبغي أن تبدأ بسؤال أكثر عمقا: كيف يمكن للعراق أن يصحح آثار سياسات الماضي، ويحمي حقوق جميع سكان المدينة، ويمنع تحويل التنوع القومي والديني فيها إلى مصدر دائم للصراع؟
وهذا هو المدخل الضروري لفهم المادة 140، وفهم لماذا أصبحت هذه المادة جزءا من الدستور، ولماذا بقي تنفيذها، حتى اليوم، واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي العراقي.
مؤتمرات المعارضة العراقية
عملت القيادة الكوردستانية على طرح رؤيتها و تصوراتها بصورة سلمية وعقلانية في كيفية تصحيح مسار الاجحاف الذي ارتكب بحق اجزاء كثيرة من كوردستان من قبل الانظمة العراقية المتعاقبة فعند التمعن في البيانات الختامية لمؤتمرات المعارضة العراقية التي لازالت اطراف منها تشكل جزءا اساسيا من العملية السياسية العراقية نجد ان القيادة الكوردية كما الآن عرضت رؤيتها لحل هذه المسائل بروح اخوية ووطنية مسؤولة ونذكر هنا ابرز ماجاء في مؤتمرات المعارضة العراقية:
ميثاق دمشق:
عند قراءة نص ميثاق دمشق والمعروف بـ ( ميثاق العمل الوطني المشترك) الذي تمخض عن مؤتمر للمعارضة العراقية عقد في دمشق بتاريخ 27 ديسمبر ( كانون الاول ) 1990 نجد هذه العبارة :
ثالثا - تأمين عودة المهجرين والمهاجرين والمبعدين داخل العراق وخارجه الى اماكن سكناهم، واعادة حقوقهم وممتلكاتهم، وتعويضهم تعويضا عادلا.
رابعا - الغاء سياسة التمييز القومي وازالة الآثار السياسية والديمغرافية السكانية لمحاولة تغيير الواقع القومي والتاريخي لمنطقة كوردستان العراق، وحل المشكلة الكوردية حلا عادلا، وضمان الحقوق الثقافية والادارية للاقليات القومية من التركمان والآشوريين وغيرهم.
وكان الموقعون على البيان هم:
- السيد محمد الحيدري، ابو اسراء المالكي، ممثلين عن المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق.
- الحاج ابو بلال الاديب، والسيد جواد محمد، ممثلي عن حزب الدعوة الاسلامية في العراق.
- الشيخ محسن الحسيني، والسيد رضا جواد تقي، ممثلي عن منظمة العمل الاسلامي في العراق
- السيد محمد الآلوسي، ممثلا للكتلة الاسلامية.
-السيد ابو رامز المهدي، ممثلا للحزب الاسلامي العراقي.
- المهندس بيان جبر، ممثلا لحركة المجاهدين العراقيين.
- السيد ابو زيد ممثلا لمنظمة جند الامام.
- السيد جلال طالباني، ممثلا عن الاتحاد الوطني الكوردستاني.
- السيد مسعود البارزاني، ممثلا عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
- السيد كريم احمد، ممثلا للحزب الشيوعي العراقي.
- اللواء حسن النقيب، ممثلا للقوميين المستقلين.
- الدكتور مبدر الويس ممثلا للاتحاد الاشتراكي العراقي.
- السيد مهدي العبيدي، ممثلا لحزب البعث العربي الاشتراكي، قيادة قطر العراق.
- السيد صالح دكله، ممثلا للتجمع الديمقراطي العراقي.
- السيد سامي عبد الرحمن، ممثلا عن حزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني.
- الحركة الديمقراطية الآشورية
مؤتمر بيروت للمعارضة
وجاء في البيان الختامي لمؤتمر بيروت لقوى المعارضة العراقية الذي عقد في 11 ــ13 آذار /1991 ماياتي :
7 ـ يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة لجمع المعلومات وتوضيحها، حول انتهاك النظام الصدامي لحقوق الإنسان الأساسية، ومصادرتها، مثل الاعتقال الكيفي، والمحاكمات الصورية، والتعذيب، والاختطاف والسجن والإعدامات الجماعية، والعقاب الجماعي بحق الأحياء السكنية والمدن، واستخدام الأسلحة الكيماوية، وعمليات التهجير، وحرق القرى، وسياسة الأرض المحروقة
وكانت الاطراف الموقعة هي:
المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق.حزب الدعوة الاسلامية في العراق.منظمة العمل الاسلامي في العراق.الكتلة الاسلامية.الحزب الاسلامي العراقي.حركة المجاهدين العراقيين.منظمة جند الامام.الحزب الديمقراطي الكوردستاني.الاتحاد الوطني الكوردستاني.الحزب الشيوعي العراقي.القوميين المستقلين.الاتحاد الاشتراكي العراقي.حزب البعث العربي الاشتراكي، قيادة قطر العراق.التجمع الديمقراطي العراقي.حزب الشعب الديمقراطي الكوردستاني.الحركة الديمقراطية الآشورية.
مؤتمر صلاح الدين
جاء في البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الموسع للجمعية الوطنية العراقية الذي عقد في صلاح الدين -الاول من تشرين الثاني 1992 ماياتي :
وعند دراسة القضية الكوردية وسبل الحل المنشود اكد الاجتماع حقيقة التنوع والتعدد في تركيبة المجتمع القومية والمذهبية والسياسية واجمع على اهمية تعزيز وترسيخ الوحدة الوطنية الطوعية والمساواة التامة بين جميع المواطنين، معبرا عن احترامه للشعب الكوردي وارادته الحرة في اختيار الصيغة المناسبة للشراكة مع ابناء الوطن الواحدـ وتوقف عند قرار الاتحاد الفدرالي، وناقش صيغة وتجارب النظام الفدرالي واعتبره يمثل صيغة مستقبلية لحكم العراق ينبغي الاستناد اليها كأساس لحل المشكلة الكوردية في أطار المؤسسات الدستورية الشرعية بعد القضاء على نظام صدام حسين وإحداث التغيير المنشود.
وفي هذا الصدد أكد المؤتمر الوطني العراقي الموحد ما توصل اليه اجتماع صلاح الدين _ شقلاوة في ايلول الماضي ومؤتمر فينا في حزيران الماضي حرصه الشديد على وحدة العراق والتعايش بين قومياته على اساس الاتحاد الاختياري، مبددا بذلك كل المزاعم والتخرصات حول خطر التقسيم ومحاولات الانفصال أو التفتيت والتجزئة تلك التي يروج لها النظام الدكتاتوري الذي فرط بسيادة الوطن ورهن ارادته وثرواته وقبل بقرارات مجحفة، كما ان استمرار بقائه يشكل تهديدا حقيقيا لوحدة العراق وسيادته وخطرا دائما ومستمرا على الشعب وعلى الجيران والسلم والأمن الدوليين.
وشدد الاجتماع على تلبية المطامح المشروعة والعادلة للشعب الكوردي وتصفية جميع مظاهر الاضطهاد والقمع العنصري على اساس المبدأ القانوني الذي يقر حقه بتقرير المصير وتأكيد روح الاخوة والاتحاد والشراكة في الوطن الواحد.
مؤتمر لندن
ومن خلال البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية في لندن الذي عقد في 14-15 كانون الأول/ ديسمبر 2002 تم وضع فقرة حول كيفية حل مسائل التعريب والتطهير العرقي الذي تعرض له اجزاء من كوردستان العراق تحت اسم " حول التهجير والتطهير العرقي وتغيير الواقع القومي" وجاء في تفاصيلها ماياتي:
حول التهجير والتطهير العرقي وتغيير الواقع القومي
يدين المؤتمر التهجير القسري والتطهير العرقي واستخدام الأسلحة الكيماوية وتغيير الهوية القومية وما جرى من تغيير في الواقع القومي لمناطق كركوك ومخمور وخانقين وسنجار والشيخان وزمار ومندلي وغيرها ويدعو المؤتمر إلى إزالة آثارها, وذلك عبر الإجراءات التالية:
.عودة المهجرين إلى ديارهم وإعادة ممتلكاتهم إليهم وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر.
. إعادة الوافدين الذين جلبتهم السلطة لإسكانهم في المناطق المشار إليها أعلاه إلى أماكنهم السابقة.
.عودة الكورد الفيليين وجميع العراقيين المهجرين بذريعة أصولهم الإيرانية إلى خارج البلاد بغض النظر عن أصولهم والذين جردتهم السلطة دون وجه حق من مواطنتهم العراقية، إلى العراق وضمان تمتعهم بجنسيتهم العراقية وإعادة ممتلكاتهم إليهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم والكشف عن مصير المعتقلين الفيليين منذ أبريل/نيسان 1980.
. إلغاء جميع الإجراءات الإدارية التي قام بها النظام منذ العام 1968 والتي استهدفت تغيير الواقع الديموغرافي في كوردستان العراق.
بعد سقوط نظام صدام حسين
بعد سقوط النظام العراقي قامت قوات البيشمركة بتحرير مدينتي كركوك والموصل و سلمتهما الى القوات الامريكية في اطار اتفاق بين الجانبين وكان باستطاعة هذه القوات الاقدام على اتخاذ بعض الاجراءات ايضا داخل كركوك والمناطق التي تعرضت للتطهير العرقي ولكنها لم تفعل ذلك من منطلق ايمانها بان الحوار واللجوء الى مبدأ القانون و الوثائق هو انجع السبل لتصحيح المسار وليست القوة والعنف.
و خلال اجتماعات مجلس الحكم و صياغة قانون ادارة الدولة العراقية المؤقتة وخاصة المرافعة التاريخية للرئيس مام جلال في اجتماع لمجلس الحكم يوم الثلاثاء 9/2/2004،عملت القيادة الكوردستانية على تحويل الاقوال الى الافعال عبر ادراج ما طالبت به اثناء مؤتمرات المعارضة العراقية التي لاتزال تشكل اطراف منها جزءا اساسيا من العملية السياسية العراقية في مادة سميت بالمادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت وتنص على ماياتي:
المادة الـ(58) من قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت
(أ)- تقوم الحكومة العراقية الانتقالية ولاسيما الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية وغيرها من الجهات ذات العلاقة، وعلى وجه السرعة، باتخاذ تدابير، من اجل رفع الظلم الذي سببته ممارسات النظام السابق والمتمثلة بتغيير الوضع السكاني لمناطق معينة بضمنها كركوك، من خلال ترحيل ونفي الافراد من اماكن سكناهم، ومن خلال الهجرة القسرية من داخل المنطقة وخارجها، وتوطين الأفراد الغرباء عن المنطقة، وحرمان السكان من العمل، ومن خلال تصحيح القومية.
ولمعالجة هذا الظلم، على الحكومة الانتقالية العراقية اتخاذ الخطوات التالية :
فيما يتعلق بالمقيمين المرحلين والمنفيين والمهجرين والمهاجرين، وانسجاما مع قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، والإجراءات القانونية الأخرى، على الحكومة القيام خلال فترة معقولة، بإعادة المقيمين إلى منازلهم وممتلكاتهم، وإذا تعذر ذلك على الحكومة تعويضهم تعويضا عادلا.
بشأن الافراد الذين تم نقلهم الى مناطق و اراض معينة، وعلى الحكومة البت في امرهم حسب المادة 10 من قانون الهيئة العليا لحل النزاعات الملكية العقارية، لضمان امكانية اعادة توطينهم، اولضمان امكانية تلقي تعويضات من الدولة، او امكانية تسلمهم لأراض جديدة من الدولة قرب مقر اقامتهم في المحافظة التي قدموا منها، او امكانية تلقيهم تعويضا عن تكاليف انتقالهم الى تلك المناطق.
بخصوص الاشخاص الذين حرموا من التوظيف او من وسائل معيشية اخرى لغرض اجبارهم على الهجرة من اماكن اقامتهم في الاقاليم والاراضي،على الحكومة ان تشجع توفير فرص عمل جديدة لهم في تلك المناطق والاراضي.
اما بخصوص تصحيح القومية فعلى الحكومة الغاء جميع القرارات ذات الصلة، والسماح للاشخاص المتضررين، بالحق في تقرير هويتهم الوطنية وانتمائهم العرقي بدون اكراه او ضغط.
(ب)- لقد تلاعب النظام السابق ايضا بالحدود الادارية و غيرها بغية تحقيق اهداف سياسية. على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات الى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة الموافقة بالإجماع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد و بالاجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات.
وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب.
(ج)- تؤجل التسوية النهائية للاراضي المتنازع عليها، ومن ضمنها كركوك،الى حين استكمال الاجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف والى حين المصادقة على الدستور الدائم.
يجب ان تتم هذه التسوية بشكل يتفق مع مباديء العدالة، آخذا بنظر الاعتبار ارادة سكان تلك الاراضي.
وقد حظيت هذه المادة بموافقة اغلبية الاطراف الاساسية في العملية الديمقراطية العراقية ولم تدون من قبل الكورد وللكورد فقط بل جاءت في اطار توافق هذه الاطراف بغية حل المسالة حلا قانونيا يقبل الجميع بنتائجها.
وبعدها تشكلت الحكومة العراقية المؤقتة التي لم تبت في حل المسالة وتطبيق المادة بصورة جدية وطيلة الفترة الانتقالية لم تجد قضية كركوك سوى المماطلة والتأجيل،والحكومات التي تعاقبت على الحكم لم تعمل بتعهداتها لتنفيذ المادة المذكورة والتي تمخضت عنها تداعيات سلبية منها عودة النغمة العنصرية لدى البعض بخصوص كركوك و المادة المذكورة اضافة الى انتشار الشائعات والدعايات المغرضة من قبل جهات مشبوهة لتشويه الحقيقة واعطاء صورة مزيفة عن المسالة برمتها.
المادة 140
وخلال فترة الحكومة الانتقالية و انشغال لجان كتابة الدستور بصياغة دستور يعبر عن تطلعات و طموحات العراقيين جميعا ورغم ما لمسته من عدم التزام الاخرين بتعهداتهم تجاه المادة (58) وتطبيق تنفيذها الا ان القيادة الكوردستانية اصرت على موقفها المؤيد لتطبيق المادة و تثبيتها في الدستور الدائم وتنفيذها في فترة ليست ببعيدة وهي اواخر عام 2006 الا ان بقية الاطراف العربية الحت على ان تحدد اواخر عام 2007 كموعد نهائي لحل المسالة برمتها ورغم ضغوطات الشعب الكوردي الا ان القيادة الكوردستانية وافقت على هذه المدة بعد تاكيد الاطراف على الالتزام بهذه المدة الزمنية واحترامها و قد تمت المصادقة على الدستور وثبتت المادة (140) بهذا الخصوص واشارت المادة ( 143 ) منه الى إلغاء قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وملحقه عند قيام الحكومة الجديدة، باستثناء ما ورد في الفقرة(أ) من المادة (53) والمادة (58) منه،اي أن نص المادة 58 من قانون أدارة الدولة العراقية أصبحت له الغطاء القانوني والدستوري هذا ودون ان ننسى ان المادة (140) لم تكن ضمن المواد المختلف عليها بين الاطراف المشاركة في كتابة الدستور حيث ادرج بعض المواضيع فيه بانه قابل للتراجع والتعديل من خلال توافق الجميع عليها.
وبعد ذلك عرضت مسودة الدستور على الشعب العراقي وبعدها وفي 15/10/2005 جرت عملية الاستفتاء على الدستور الذي حاز على موافقة اغلبية العراقيين.
نص المادة (140)
اولا :ـ تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، بكل فقراتها.
ثانيا :ـ المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية، والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، تمتد وتستمر الى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور، على أن تنجز كاملة (التطبيع، الاحصاء، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها، لتحديد ارادة مواطنيها) في مدةٍ أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الاول سنة الفين وسبعة.
المنهاج الحكومي
وعقب الموافقة على الدستور جرت الانتخابات العامة و انتخابات مجالس المحافظات في عموم العراق بتاريخ 15/12/2005 وقد حازت قائمة (التآخي)التي تتكون من احزاب كوردية وغير كوردية على اغلبية الاصوات في انتخابات مجالس المحافظة بكركوك مقارنة ببقية الاحزاب في اقوى دليل على كوردستانيتها.
وفي بغداد تم تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور نوري المالكي الذي ادخل مسالة تطبيق تنفيذ المادة الـ(140)في برنامج عمل حكومته الذي عرضه على مجلس النواب وحاز على موافقة المجلس باغلبية كبيرة وجاء في برنامج عمل حكومة المالكي بخصوص المادة (140) من الدستور و في فقرته الـ(22) ماياتي:
22- تلتزم الحكومة بتنفيذ المادة 140 من الدستور، والمعتمدة على المادة الـ 58 من قانون إدارة الدولة والمتمثلة بتحديد مراحل ثلاث : التطبيع والإحصاء والإستفتاء في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها، وتبدأ الحكومة إثر تشكيلها في إتخاذ الخطوات اللازمة لإجراءات التطبيع بما فيها إعادة الأقضية والنواحي التابعة لكركوك في الأصل وتنتهي هذه المرحلة في 29/3/2007 م حيث تبدأ مرحلة الإحصاء فيها في 31/7/2007 م وتتم المرحلة الأخيرة وهي الإستفتاء في 15/11/2007 م.
بين الدستور والعدالة والاخوة
لم تكن قضية كركوك بالنسبة إلى الكورد يوما مجرد صراع على مدينة أو تنافس على النفوذ، بل هي قضية ارتبطت بتاريخ طويل من التغيير الديموغرافي والتهجير ومصادرة الحقوق، ولذلك اختاروا، رغم قسوة ما تعرضوا له، أن يجعلوا من الدستور والقانون والحوار طريقا لمعالجة آثار الماضي، بدلا من تحويل المظالم إلى وقود لصراع جديد بين مكونات المدينة.
وعندما أبدت الحكومة العراقية في مرحلة سابقة جدية في تنفيذ المادة 140، استقبل الكورد ذلك بارتياح كبير، وشكلت الحكومة لجنة برئاسة وزير العدل هاشم الشبلي وعضوية ممثلين عن مكونات كركوك، وتمكنت اللجنة، رغم الصعوبات، من اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بتعويض المهجرين والوافدين، وإعادة الموظفين المفصولين، وتسهيل عودة الراغبين إلى أماكنهم الأصلية. ولم يكن هذا المسار بالنسبة إلى القيادة الكوردستانية مشروعا لإقصاء مكون أو طرد آخر، بل محاولة لمعالجة آثار سياسة سابقة وإعادة التوازن إلى واقع اختل بفعل إجراءات لم تكن إرادة سكان كركوك جميعا هي التي صنعتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الاخوة الكوردية ــ العربية ليس شعارا سياسيا عابرا، بل هو خيار ينبغي أن يكون أساسا لأي معالجة مستدامة لقضية كركوك. فقد أدركت القيادة الكوردستانية أن مستقبل المدينة لا يمكن أن يبنى على منطق الغالب والمغلوب، وأن معالجة المظالم لا تعني صناعة مظالم جديدة، وأن استعادة الحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام من مواطنين لمجرد انتمائهم القومي.
المحكمة الاتحادية وحسم الجدل
غير أن المشكلة الحقيقية بدأت عندما تراجعت الحكومات العراقية المتعاقبة عن استكمال تنفيذ المادة 140، وتحولت المواعيد الدستورية إلى سنوات من التأجيل والمماطلة والوعود.
ومع مرور الوقت، لم تختف المشكلة، بل ازدادت تعقيدا، ووجدت القوى الخارجية مساحة أوسع للتدخل، بينما بقيت كركوك تدفع ثمن غياب الحل الدستوري.
والأهم من كل ذلك أن الجدل القائل بانتهاء المادة 140 بانتهاء الموعد المحدد لتنفيذها قد حسمته المحكمة الاتحادية العليا بصورة واضحة.
ففي 30 تموز/يوليو 2019، نظرت المحكمة، بناء على طلب من مجلس النواب، في تفسير المادة 140 من حيث استمرار سريانها من عدمه، وقررت بقاء سريان المادة إلى حين تنفيذ مستلزماتها وتحقيق الهدف من تشريعها. وأكدت أن الخطوات المطلوبة بموجب المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لم تستكمل، وأن الهدف من تشريع المادة 140 ما يزال قائما وواجب التنفيذ، كما أوضحت أن الموعد المحدد للتنفيذ وضع لأغراض تنظيمية ولحث المعنيين على تنفيذها، ولا يمس جوهر المادة ولا يسقط الغاية التي شرعت من أجلها.
وبذلك لم يعد استمرار سريان المادة 140 قضية تخضع للرغبات السياسية أو للتفسيرات المتعارضة؛ فقد قالت المحكمة الاتحادية كلمتها. والمطلوب بعد ذلك ليس البحث عن مبررات لتعطيل النص، بل البحث عن الطريق الذي يقود إلى تنفيذه بصورة عادلة ومتوازنة، وبما يحفظ حقوق جميع مكونات كركوك ويمنع تحويل القضية إلى مصدر دائم للتوتر.
مدينة عراقية ذات خصوصية كوردستانية
إن الكورد ينظرون إلى كركوك باعتبارها مدينة عراقية ذات خصوصية كوردستانية، يعيش فيها الكورد والعرب والتركمان والكلدوآشوريون، ولا يرون في استعادة الحقوق انتقاصا من حقوق الآخرين، فالعدالة لا تعني أن يخسر طرف لكي يربح طرف آخر، وإنما تعني إزالة آثار الظلم وإعادة الاعتبار إلى من سلبت حقوقه، ثم بناء نظام من التعايش يضمن للجميع الأمن والكرامة والمساواة.
ومن الخطأ أن ينظر إلى ما تعرض له الكورد من تهجير وتغيير ديموغرافي باعتباره مجرد ملف من ملفات الماضي انتهى بسقوط النظام السابق. فالعدالة لا تتحقق بالنسيان، كما أن المصالحة الحقيقية لا تقوم على دفن المظالم دون معالجتها. المطلوب هو الاعتراف بما حدث، ومعالجة آثاره بالوسائل القانونية والدستورية، وخلق واقع جديد لا يشعر فيه أي مكون بأنه مغلوب أو مهدد أو محروم من حقوقه.
الحوار والدستور بدلا من العنف والانتقام
لقد اختار الكورد، في واحدة من أكثر قضاياهم حساسية، طريق الحوار والدستور بدلا من العنف والانتقام.
وهذا الخيار لا ينبغي أن يفسر على أنه ضعف، بل باعتباره تعبيرا عن مسؤولية تجاه العراق أولا، وتجاه الاخوة الكوردية ــ العربية ثانيا. وإذا كان هناك درس ينبغي استخلاصه من السنوات الماضية، فهو أن تجاهل المشكلة لا يلغيها، وتأجيل الحل لا يجعله أقل إلحاحا، بل يزيد كلفته السياسية والإنسانية.
كركوك لا تحتاج إلى معركة جديدة بين مكوناتها، ولا إلى منتصر ومهزوم؛ إنها تحتاج إلى عدالة يشعر بها الجميع، وإلى شجاعة سياسية تضع الدستور فوق الحسابات الآنية والمادة 140، ما دامت المحكمة الاتحادية العليا قد أكدت استمرار سريانها إلى حين استكمال مستلزماتها وتحقيق غايتها، تبقى إطارا دستوريا لمعالجة قضية لا يمكن تركها معلقة إلى الأبد ، فإعادة المياه إلى مجاريها لا تكون بتجاهل الماضي، ولا بإعادة إنتاجه، وإنما بإعادة التوازن إلى ميزان اختل بفعل سياسات التهجير والتغيير الديموغرافي، ثم تحويل الاعتراف بأخطاء الماضي إلى عدالة، وتحويل العدالة إلى مصالحة، وتحويل المصالحة إلى شراكة.
عندها فقط يمكن أن تصبح كركوك مدينة لجميع أبنائها، وأن تتحول الاخوة الكوردية ــ العربية من شعار نرفعه في المناسبات إلى واقع سياسي واجتماعي يحمي العراق ومستقبله وتنعكس على التعايش والتاخي بين الكرد والتركمان والعرب والكلدواشوريين في كركوك .
*المصادر:
-كتاب مؤتمرات المعارضة العراقية-حقائق ومواقف
-قانون ادارة الدولة العراقية المؤقت
-قرارات المحكمة الاتحادية
-الدستور العراقي الدائم