×

  کل الاخبار

  حماية الحركة الكردية، لا نسفها



*علي شمدين

 

لقد واجهت الحركة الكردية في سوريا منذ انطلاقتها عام (1957)، ومن دون توقف، الكثير من حملات التشويش على سياساتها وأهدافها، ومحاولات النيل من عزيمة كوادرها ومناضليها، سواء من داخل صفوفها أم من جانب السلطات الشوفينية التي مارست بحقها مختلف أساليب القمع والاستبداد. ومع ذلك، ظلت تواصل نضالها بين مطرقة السياسات الشوفينية القاسية وسندان الأوساط الكردية الانعزالية حتى يومنا هذا..

ولا شك أن  الحركة الكردية في سوريا قد مرّت، خلال مسيرتها الطويلة، بظروف قاسية واستثنائية، وهي، بكل تأكيد، تحتاج إلى مراجعة نقدية بنّاءة لتصحيح مسارها، وتعزيز دورها، وتحسين أدائها بما ينسجم مع هذه المتغيرات العميقة والتطورات المتلاحقة التي تشهدها البلاد على مدى عقد ونصف من عمر الأزمة السورية، وقد كشفت هذه الأزمة الستار عن أخطاء الحركة الكردية في سوريا، وأظهرت نقاط ضعفها، ولا سيما بعد سقوط نظام البعث وتفرُّد هيئة تحرير الشام بمقاليد السلطة في البلاد، وفرضها اللون الواحد على مختلف مؤسساتها وإداراتها المؤقتة، وتجاهلها المتعمد للمكونات القومية والدينية، ولا سيما المكون الكردي، بوصفه ثاني أكبر مكوِّن قومي في البلاد، وإبعادها عن المشاركة الحقيقية في بناء سوريا الجديدة.

وهذا الواقع الكارثي المرير هو الذي دفع أطراف الحركة الكردية في سوريا إلى الإستجابة لضغوط الرأي العام الكردي والكردستاني والدولي، والمبادرة ، لأول مرّة في تاريخها، إلى عقد كونفرانسها الشامل في مدينة القامشلي بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2025، تحت عنوان: (وحدة الموقف والصف الكردي)، الذي حضره ممثلون عن مختلف الأحزاب السياسية والفعاليات الثقافية والاجتماعية الكردية، إلى جانب ممثلين عن القوى الكردستانية الرئيسية، وعن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب في سوريا، وقد خرج المشاركون برؤية سياسية مشتركة لحل القضية الكردية والقضية الوطنية في البلاد، وانبثق عنه وفد كردي موحّد ومخوّل للحوار مع الحكومة المؤقتة في دمشق وفقا لتلك الرؤية، الأمر الذي أبهج الشعب الكردي وأصدقاءه في كل مكان.

إلّا أن أطرافا بعينها من الحركة الكردية في سوريا لم تتمكن من تجاوز خلافاتها البينية، وانجرّت وراء مصالحها الضيقة، واتجهت منفردة نحو دمشق. وهذا ما كانت تريده الحكومة المؤقتة، التي احتفت بوفود تلك الأطراف واستقبلتها بحرارة، بهدف تجميد الوفد الكردي الموحد وتفتيته، وتحويل آلية التعامل مع الملف الكردي، بوصفه قضية قومية تخص أكثر من (15%) من مجموع سكان البلاد، ولا بدّ من حلها دستوريا، إلى مجرد مطالب إدارية ومناصب حكومية وبرلمانية، ليس إلا.

وفي الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن يبادر الرأي العام الكردي والكردستاني إلى مواجهة تلك الأطراف، ومطالبتها بالالتزام بمخرجات كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي، تعالت مؤخرا أصواتٌ هنا وهناك تهاجم أطراف الحركة الكردية في سوريا وتدينها من دون استثناء، وتطالبها بحلِّ نفسها، وتدعو إلى عقد مؤتمرات لإعادة بنائها وفقا لمقاساتها. وبتحديد الجهات التي تروج لهذه الدعوات، يلاحظ أن البعض من مروجيها هم من الذين أخفقوا في إدارة أحزابهم، وساهموا بهذا الشكل أو ذاك في تشتيت صفوف الحركة الكردية خلال العقود الأخيرة من عمرها، ولهم باع طويل في تعطيل الوفد الكردي وإجهاض مخرجات كونفرانس وحدة الموقف والصف الكردي . وبدلا من أن يعيد هؤلاء الفاشلون تجربة شمشون الجبار، التي تقول: (عليّ وعلى أعدائي)، والدعوة إلى نسف ما تبقى من الهيكل التنظيمي للحركة الكردية في سوريا، فإنه من الأجدر بهم أن يستذكروا التضحيات الجسيمة لمئات الآلاف من مناضليها الأوائل، الذين ضحوا، طوال ما يقارب السبعة عقود من الزمن، بكل غال ونفيس في مواجهة سياسات القمع والقهر والاستبداد التي مارستها الأنظمة الشوفينية المتتالية ضد شعبنا. وأن يخلصوا لقضيتهم القومية ويبادروا إلى رفع العراقيل أمام مخرجات كونفرانس 26 نيسان/أبريل 2025، وإفساح الطريق أمام الوفد الكردي الذي لا يزال يتمتع بالشرعية القومية التي منحها له هذا الكونفرانس، والعمل بإخلاص على طرح الرؤية المشتركة لحل القضية الكردية في البلاد بوصفها قضية قومية لا بدّ من حلها دستوريا. وهذا لن يتحقق بالدعوة إلى نسف الحركة الكردية، وإنما ببناء شخصيتها الاعتبارية، وحماية استقلالية قرارها السياسي، وترسيخ خصوصيتها القومية.


09/08/2026