*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
هناك عصور يُكتب تاريخها بالدم، وأخرى يُكتب بالقلم، أما عصرنا فلعلّه أول عصر يُكتب بالأخبار.
فلم يعد الخبر مجرد نقل لواقعة؛ بل أصبح هو نفسه يصنع الحدث والموقف، ويؤسس لسوق الأفكار والقناعات، ويبني الثقة أو يهدمها، وأحيانا يغيّر مصير الأمم. وفي عالم اليوم، ليس كل من يرفع صوته أولاهو الأقرب إلى الحقيقة.
يشهد العالم مرحلة جديدة حافلة بالتحولات، تتغير فيها موازين القوى الكبرى، ولم تعد الحروب تُخاض على الحدود وحدها، بل أصبحت مستمرة في أسواق الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والإعلام. وفي هذا العصر، تحولت المعلومات إلى مصدر قوة، ولم يعد النفوذ يُقاس بالسيطرة على الأرض فحسب؛ فمن يستطيع التأثير في فكر الإنسان ومشاعره، يستطيع أيضا أن يحدد اتجاه القرارات المستقبلية. ولذلك، فإن الحروب تُخاض في وعي الإنسان وضميره قبل أن تُخاض على الأرض.
ولا يزال العراق يتحرك بين آمال الإصلاح وثقل الأزمات التاريخية. فمحاولات بناء دولة القانون، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة ثقة المواطنين، ليست طريقا يسيرا. فكل عملية إصلاح تهز مصالح قديمة، وكل خطوة نحو التغيير تجلب معها في الوقت ذاته أصوات التأييد والمعارضة. وفي خضم ذلك، إذا انفصل الخبر والعمل الإعلامي عن الضمير، فإنهما يتحولان بسهولة إلى أداة لتشويه الرأي العام.
وفي إقليم كوردستان أيضا، بينما ينتظر المواطنون حلولا لمشكلات الرواتب والاقتصاد والخدمات ومستقبلا أكثر وضوحا، كثيرا ما تنتقل المنافسة بين السلطة والقوى السياسية من الحوار البرامجي إلى الصراع الإعلامي. وفي هذا الفراغ، تحل الدعاية والقناعات والمعلومات الناقصة سريعا محل الحقيقة، ويجد المواطن نفسه وسط ضجيج الأصوات عاجزا عن التمييز بين الحقيقة والزيف.
لقد أصبح الإعلام اليوم أكثر من مجرد مرآة للمجتمع؛ فهو شريك في تشكيله. فبخبر واحد يمكن أن تُصنع الطمأنينة، كما يمكن أن تُبث مشاعر الخوف والقلق. ويمكن أن تُبنى الثقة، كما يمكن أن تنهار في غضون دقائق. ولهذا، لم تكن المسؤولية الأخلاقية للإعلام في أي وقت أثقل مما هي عليه اليوم.
لقد أنشأت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، رغم ما يتيحانه من فرص هائلة، سوقا جديدة، تُقدّم فيها السرعة غالبا على الدقة، ويغدو العنوان أهم من المحتوى، وتحل أعداد المشاهدات محل الأدلة والبراهين. وفي هذا السوق، تتنكر الأكاذيب في ثوب الحقيقة، بينما تُجبر الحقيقة على أن تبحث بهدوء عن الثقة التي فقدتها.
إن أخطر ما يميز عصر المعلومات ليس ندرة المعلومات، بل كثرتها مع ندرة الضمير في التعامل معها. والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الكذب، فالكذب كان دوما رفيقا للتاريخ، وإنما يكمن في أن يفقد الإنسان تدريجيا قدرته على التساؤل والبحث والتفكير. فعندما يُصدّق كل شيء بلا دليل ولا تمحيص، تصبح حرية التفكير نفسها معروضة في المزاد.
وفي هذه المرحلة الحساسة، يحتاج كل من كوردستان والعراق إلى لغة هادئة، وإعلام مسؤول، وسياسة تتسم بالوعي. فما يحمي الشعوب ليس المال ولا السلطة وحدهما، بل الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسات. وإذا انهارت هذه الثقة، فلن يستطيع أي نجاح سياسي، ولا أي استثمار اقتصادي، ولا أي حملة إعلامية أن يعوضها.
ويبقى السؤال مطروحا أمامنا بكل عمقه: بكم تُباع الحقيقة في بورصة الأخبار؟
لعل الحقيقة لا تملك ثمنا في الأسواق، لكنها تمتلك دائما ثمنا أخلاقيا. فكلما تراجعت قيم الضمير والمسؤولية والثقة في بورصة السياسة والإعلام، ارتفعت كلفة الحقيقة. لكن إذا بيعت الحقيقة، فلن تكون الكلمة وحدها هي التي تُعرض في المزاد، بل ستُباع معها ثقة الناس، ومستقبل المجتمع، ومعنى الإنسانية ذاته.
إن الحقيقة لم تكن يوما سلعة تجارية، بل كانت المصباح الذي يهدي طريق المجتمع. وحين ينطفئ ذلك المصباح، لا يبيع الكذب الأخبار فحسب، بل يبيع الظلام أيضا. والمجتمع الذي يفقد الحقيقة لا يفقد مستقبله وحده، بل يفقد كذلك قدرته على التمييز بين النور والظلام، وبين الضمير والدعاية.