×

  رؤى حول العراق

  منظمة العفو الدولية: رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس الوزراء العراقي



 ينبغي إنهاء الإفلات الممنهج من العقاب، وحماية الحريات التي تحققت بعد نضال

*المرصد خاص عن موقع منظمة العفو الدولية

 

 

حضرة رئيس مجلس الوزراء العراقي

تحية طيبة وبعد....

تدعو منظمة العفو الدولية حكومتكم إلى القضاء على الإفلات من العقاب والظلم المتجذرين بعمق، وإلى حماية الحريات التي تحققت بعد نضال شاق في العراق.

وقد اطلعت المنظمة على التزامكم بشأن تعزيز منظومة حقوق الإنسان في العراق"، في "المنهاج الوزاري الحكومة العراق (2026-2029)، الذي تم التصويت عليه في 14 مايو/ أيار 2026 بطرق من بينها ضمان احترام الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز، وتمكين المرأة بوصفها شريكا على قدم المساواة في التنمية وصنع القرار، والحد من جميع أشكال العنف والتمييز ضد المرأة والطفل عبر سيادة القانون والمساءلة، وسن وإنفاذ تشريعات لمكافحة العنف الأسري، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني وتمكينها من خلال إطار مؤسسي مستقل بدعم فعاليتها وتأثيرها على المدى الطويل .

ولهذا الغرض، تود المنظمة أن تلفت انتباهكم بشكل عاجل إلى ما تم توثيقه حتى الآن من أنماط عنف وتمييز ضد النساء والأطفال تبعث على القلق العميق، وثغرات مستمرة في المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وقيود متواصلة مفروضة على الحيز المتاح لمنظمات المجتمع المدني المستقلة. وإذا لم تتم معالجة هذه الأمور، فإنها سوف تؤدي مجتمعة إلى تقويض التنفيذ الفعّال للالتزامات الواردة في منهاج حكومتكم.

وتدرك منظمة العفو الدولية تماما التحديات الأمنية والاقتصادية التي يواجهها العراق والتي تفاقمت على نحو بالغ من جراء الحرب التي اندلعت في المنطقة، في 28 فبراير/ شباط 2026، وتداعياتها.

 

العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي

ترحب منظمة العفو الدولية بالتزامكم بسن تشريعات لمكافحة العنف الأسري، وتحتكم على اتخاذ خطوات ملموسة لتنفيذ هذا الالتزام بشكل فعال وسريع.

ويجب على حكومتكم التحلّى عن أنماط الوعود السابقة التي لم يتم الوفاء بها بخصوص حماية النساء والفتيات من العنف في القانون وفي الممارسة. ولا يزال إطار السياسات والتشريعات في العراق قاصرا عن التصدي بشكل فعال للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي في المجالين الخاص والعام، بالرغم من تفشي حالات هذا العنف ضد النساء والفتيات. ومن الضروري أن تستكمل حكومتكم إجراءات إقرار مشروع القانون الخاص بتجريم العنف الأسري، التي تعترت مرارا في البرلمان خلال السنوات السابقة، مع ضمان توافق مشروع القانون مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومع التزامات العراق الوطنية والدولية.

ومن شأن إقرار هكذا تشريع أن يمكن النساء والفتيات الناجبات اللواتي تعرضن للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي ويسعين إلى الحماية من الوصول بشكل آمن إلى دور الإيواء وغيرها من خدمات الدعم دون خوف من الوصم، أو الأعمال الانتقامية، أو التعرض المزيد من الإبداء، وغياب إطار قانوني شامل للتصدي للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي يعني أيضا أن المدافعات عن حقوق المرأة، اللاتي يعملن على توفير الحماية والمأوى للناجيات، يواصلن العمل في فراغ قانوني يمثل خطرا عليهن وعلى الناجيات، كما يعرضهن لمزيد من المخاطر، بما في ذلك العنف والعواقب القانونية المحتملة.

 

 

حقوق النساء والفتيات

لا يزال قانون العقوبات العراقي ينيح التعامل بشكل متساهل مع ما يسمى "جرائم الشرف"، بما في ذلك الجرائم الخطيرة مثل الاعتداء والقتل. وفي السنوات الأخيرة، مرّت حالات عنف قائم على أساس النوع الاجتماعي، بما في ذلك تشويه وقتل نساء وفتيات من دون عقاب أو واجه مرتكبوها عقوبات مخفّفة لا تتناسب مع فداحة هذه الجرائم. ومن أفظع الأمثلة على ذلك واقعة مقتل فتاة تبلغ من العمر 15 عاما في مدينة بغداد في الأسبوع الأول من مايو/ أيار 2026، وهي واقعة حطيت بتغطية إعلامية واسعة من وسائل إعلام محلية ومنظمات مجتمع مدني عراقية، وقد أعقبتها احتفالات علنية من عائلتها التي زعمت استعادة "شرف" العائلة من خلال هذا القتل. وترحب منظمة العفو الدولية بالإسراع بالقبض على الجاني، وفقا لما أفادت به السلطات المحلية، وتحتكم على ضمان محاسبته، والتأكد من أن العقوبة تتناسب مع فداحة الجريمة، وذلك في محاكمة عادلة تستبعد عقوبة الإعدام.

ومن الضروري أن تعطي السلطات العراقية الأولوية لإلغاء بنود قانون العقوبات التي طالما سمحت بأن يمر العنف ضد المرأة دون عقاب، بل وبأن يصبح أمرا طبيعيا في المجتمع. ومن الضروري، تماشيا مع الالتزامات التي جرى التعهد بها في المنهاج الوزاري لحكومتكم توجيه رسالة واضحة مفادها أنه لن يتم التسامح مع العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، وذلك من خلال ضمان المحاسبة الحقيقية للحناة، والرفض القاطع لأي خطاب يسعى إلى تبرير هذا العنف، ولاسيما تحت ذرائع أخلاقية. وتعد هذا أمرا أساسيا من أجل التقدم نحو توفير حماية أقوى من العنف للنساء والفتيات، والسماح لهن بممارسة حقوقهن الإنسانية.

كما تشعر منظمة العفو الدولية بالقلق إزاء تأثير التعديلات التي أجريت على قانون الأحوال الشخصية، وبدأ سريانها في فبراير/ شباط 2025، ومهدت الطريق لإعداد مدونة جديدة، وهي مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية ( مدونة الأحكام الشرعية)، التي أقرها البرلمان في أغسطس/ آب 2025 ما وضع حقوق النساء والفتيات وحمايتهن تحت رحمة نظام قانوني مواز يتسم بالتضارب.

وكان من شأن تأثير مدونه الأحكام الشرعية الموازية، فضلا عن المناخ الأوسع المعادي لمناصرة حقوق المرأة، أن يزيد من حدة المخاوف بشأن حماية النساء والفتيات وهي مخاوف تفاقمت من جراء الحظر المستمر على مصطلح "النوع الاجتماعي" واستمرار شيطنته. وقد أسهم كل ذلك في تراجع حماية حقوق المرأة التي تحققت في العراق بعد تصال شاق، بما في ذلك تعريض حياة المدافعات عن حقوق المرأة، وكل من يجاهر بالحديث عن هذه المسألة. للخطر.

ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق في مدونة الأحكام الشرعية الصباغة المهمة فيما يتعلق بتحديد من أهلية الزواج عند "البلوغ"، بدلا من الحفاظ على الضمانات القانونية القائمة بموجب قانون الأحوال الشخصية العراقي، الذي ينص على أن يكون الحد الأدنى لسن الزواج هو 18 عاما، أو 15 عاما بإذن من قاص، وبحسب "تحقق البلوغ الشرعي والقابلية البدنية". وتنطوي مدونة الأحكام الشرعية على خطر السماح بإتمام زيجات دون توفر ضمانات حماية كافية للتأكد من موافقة الطرفين بشكل حر وكامل، وهو الأمر الذي يتعارض مع التزامات العراق بموجب اتفاقية حقوق الطفل نفسها. تزيد المدونة أيضا من تقويض سلامة الأطفال وحقوق النساء في الحضانة، حيث تنص على أنه في حالة انفصال الزوجين، تنقل حضانة الطفل تلقائيا إلى الأب بمجرد بلوغ الطفل سبع سنوات، أو إذا تزوجت الأم مرة أخرى، وذلك بغض النظر عن مصلحة الطفل الفضلي.

وبالإضافة إلى ذلك، تقيد المدونة قدرة المرأة المتزوجة على رفع دعوى طلاق ويحصرها في أسباب ذات نطاق ضيق تتطلب تقديم أدلة وموافقة مرجعية دينية، بينما يجوز للرجل أن يطلق زوجته بدون تبرير وبدون موافقتها. وتتنافى هذه الأحكام مع التزامات العراق بموجب اتفاقية الفضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

 

قمع المجتمع المدني وتقويض الحريات

تشعر منظمة العفو الدولية بالقلق إزاء النمط المستمر من الترهيب والمضايفة والاعتداءات على المدافعين عن حقوق الإنسان، بما في ذلك المدافعات عن حقوق المرأة، والصحفيون والنشطاء، والمتظاهرون، وهو نمط أتيح له تقويض الحريات التي تحققت بعد نضال شاق تقويضا كبيرا، مع الإفلات التام من العقاب.

فخلال السنوات الأخيرة، تعرض المجتمع المدني في العراق لضغوط هائلة، وما زال يعمل في ظروف محفوفة بالمخاطر، حيث تقوم السلطات المحلية، والجهات السياسية الفاعلة، وأفراد قوات الحشد الشعبي، بالإضافة إلى أفراد موالين لأحزاب سياسية، بمضايقة العاملين في المجتمع المدني، وتهديدهم وملاحقتهم قضائيا، بغض النظر عن مجال عملهم الحقوقي. والأمر الأكثر ترويعا هو استمرار عمليات اغتيال النشطاء ومحاولات اغتيالهم، في نمط متواصل منذ تظاهرات تشرين 2019 وما أعقبها.

ولم يشهد النصف الأول من عام 2026 أي تقدم على هذا الصعيد، حيث إغتيلت إحدى المدافعات عن حقوق المرأة، بينما تعرض ناشط آخر لمحاولة اغتيال سافرة. ففي 2 مارس / آذار 2026 أطلقت النار على ينار محمد، وهي ناشطة عراقية بارزة في مجال حقوق المرأة ومن مؤسسات منظمة حرية المرأة في العراق، أمام منزلها في شمال بغداد. وتوفيت لاحقا في المستشفى. وفي اليوم نفسه أمر رئيس مجلس الوزراء آنذاك، محمد شياع السوداني، بإجراء تحقیق بخصوص مقتلها، ولكن حتى الآن لم يتضح وضع التحقيق ولم يتم الإعلان عن أي نتائج. وجاء مقتل بنار محمد في سياق نمط مستمر أوسع نطاقا من المخاطر المتصاعدة التي تواجه المدافعات عن حقوق المرأة في العراق، بما في ذلك حملات لتشويه السمعة ومناخ من العداء في أعقاب التظاهرات المناهضة للتعديلات على قانون الأحوال الشخصية التي دخلت حيز التنفيذ في فبراير/ شباط 2025. وفي 13 أبريل / نيسان 2026 طلبت منظمة العفو الدولية معلومات عن مدى التقدم المحرز في التحقيقات التي أمر رئيس الوزراء أنداك، محمد شياع السوداني، في 2 مارس / آذار 2026، بإجرائها بخصوص مقتل ينار محمد ولكن لم تتلق المنظمة أي رد حتى الآن.

وتظهر بوضوح نتائج هذا الإفلات من العقاب من خلال محاولة اعتبال ناشط في محافظة بابل، في 21 أبريل / نيسان 2026، بعد أقل من شهرين على اغتبال بنار محمد.

وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على ضمان إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وفعالة على وجه السرعة في جميع عمليات القتل والاعتداءات التي تعرّض لها نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان ونشر نتائج هذه التحقيقات، وتقديم المسؤولين عن هذه الأعمال إلى ساحة العدالة، وفق إجراءات عادلة تستبعد عقوبة الإعدام. والأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو الحاجة الملحة للتعامل بجدية مع حملات التشوية المستمرة المصممة للنيل من سمعة النشطاء وتعريضهم للخطر، والتصدي لها، وذلك من أجل تعزيز الحماية والحيلولة دون وقوع مزيد من العنف ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء.

وقد تلقت منظمة العفو الدولية بشكل متكرر أنباء تفيد بتعرض ناشطين وصحفيين ومحامين ومعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي لتهديدات واستدعاءات واستجوابات واعتقالات تعسفية وقيود على السفر ودعاوى قضائية استراتيجية بهدف إسكات الانتقادات والإثناء عن المشاركة العامة.

وقد تعرّضت حرية التعبير لمزيد من القيود من خلال حملات تهديد وترهيب تستند إلى أحكام قانونية مبهمة تجرم "المحتوى الهابط" وما يزعم من مخالفة "الأخلاق العامة"، وهي أحكام استخدمت لاستهداف منتقدين ونشطاء ووسائل إعلامية مستقلة، بما يشمل عشرات الاعتقالات التي تقوم بها أجهزة إنفاذ القانون التابعة لوزارة الداخلية كل عام منذ إعلان وزارة الداخلية في مطلع عام 2023 عن حملة لمكافحة المحتوى الهابط" على الإنترنت.

تحتكم منظمة العفو الدولية على الوقف الفوري لإساءة استخدام الأحكام المبهمة عن المخلة بـ "الأخلاق" و"الآداب العامة" بهدف فرض قيود على حرية التعبير، وضمان أن تكون أي تشريعات خاصة بالإعلام والمعلومات متماشية مع القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وإزالة العوائق الإدارية غير الضرورية التي تقوّض على نحو بالغ عمل منظمات المجتمع المدني المستقلة، ومن سبل تحقيق ذلك ضمان قدرتها على ممارسة عملها بدون تدخلات، أو مضايقات أو قيود مالية وتنظيمية لا مبرر لها.

وتشعر منظمة العفو الدولية بالفلق من استخدام أساليب مدعومة بالتكنولوجيا لتقويض حرية التعبير في العراق. ووفقا لما ذكرته جهات فاعلة في المجتمع المدني تحدثت إلى منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى وثائق من المحاكم اطلعت عليها المنظمة، فقد أدى انتقاد بعض الشخصيات السياسية، أو مجرد تناولها بالتغطية الإعلامية، إلى قيام هيأة الإعلام والاتصالات ووزارة الاتصالات بتقديم شكاوى في المحاكم سعيا إلى حجب صفحات وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي لمنظمات ومنافذ إعلامية تعتبر منتقده للسلطات. وقد أمرت المحكمة الاتحادية العراقية يحجب هذه الصفحات داخل العراق، وإن كان لا يزال من الممكن الاطلاع عليها من خارج البلاد.

ولهذه الممارسات مجتمعة أثر مروّع ومثبط على حرية التعبير والمشاركة المدنية السلمية. وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على وضع حد لإساءة استخدام الإجراءات الجنائية والإدارية ضد الأفراد الذين يمارسون حقوقهم بصورة سلمية، وضمان أن تتماشى أي قيود تفرض على الحريات الأساسية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

التظاهر السلمي

لا يزال استخدام القوة المفرطة أو غير الضرورية، بما في ذلك استخدام الغاز المسيل للدموع وضرب المتظاهرين التفريق تظاهرات سلمية، هو القاعدة السائدة في شتى أنحاء العراق. فقد قوبلت التظاهرات المطالبة بالحصول على المياه، والوظائف، والخدمات العامة الكافية، وبإيجاد حلول للتدهور البيئي، وما زالت تقابل باستخدام القوة المفرطة أو غير الضرورية، بينما يواجه منظموها الملاحقة والترهيب، وأحيانا الاعتقال والاحتجاز، بعد أن توجه لهم تهمة "التحريص على التظاهر"، فيما يمثل انتهاكا للقانون الدولي وكذلك للمادة 38 من الدستور العراقي. وفي واقعة حدثت مؤخرا، يومي 24 و 25 يونيو/ حزيران، قامت قوات الأمن في مدينة الكوت بمحافظة واسط بتفريق متظاهرين كانوا يطالبون بإيجاد حل لمشكلة انقطاع التيار الكهربائي وسط الارتفاع الشديد في درجات الحرارة مستخدمة الغاز المسيل للدموع والماء الساخن، وقبضت على عشرات النشطاء والمتظاهرين من مواقع التظاهرات ومن منازلهم. 10 وفي 11 يوليو/ تموز تجددت التظاهرات، كما تجدد الاستخدام غير المشروع للغاز المسيل للدموع، بالإضافة إلى القبض على عشرات المتظاهرين الذين أفرج عنهم لاحقا.

وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على اتخاذ خطوات ملموسة لضمان الاحترام الكامل للحق في التجمع السلمي وحمايته، وجعل الممارسات الشرطية متوافقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. ويشمل ذلك ضمان إصدار توجيهات واضحة لقوات الأمن بتجنب اللجوء إلى استخدام القوة غير الضرورية أو غير المتناسبة، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد وتيسير التظاهر السلمي. كما يتعين على السلطات أن تكفل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة على وجه السرعة في جميع الادعاءات عن استخدام القوة المفرطة، مع محاسبة المسؤولين عن هذه الاستخدامات من خلال إجراءات عادلة ومحايدة وشفافة عندما يتبين وقوع انتهاكات.

 

حماية حرية الصحافة

مما يضاعف من هذا المناخ من الخوف والرقابة الذاتية والتهديدات بالعنف اللجوء المتسارع لاستخدام الصلاحيات الإدارية لهيأة الإعلام والاتصالات لإسكات الأصوات المعارضة، الذي أسهم في تنامي الرقابة الذاتية والقيود على التغطية الصحفية المستقلة فخلال النصف الأول من عام 2026، تعرّض عدة صحفيين لقرارات بالحظر، ومذكرات بالقبض، وأحكام بالسجن بسبب قيامهم بعملهم الصحفي .

وقد أصدرت هيأة الإعلام والاتصالات قرارات بمنع الظهور الإعلامي إلى أجل غير محدد ضد محللين سياسيين ونشطاء بزعم مخالفة قواعد البث الإعلامي، وذلك لمجرد تعبيرهم عن آرائهم. وتراوحت قرارات الحظر هذه بين منع الظهور الإعلامي لمدة عام، ومنع مقدم برامج تليفزيونية من الظهور الإعلامي لمدة 90 يوما بسبب مشورات شخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنع محلل آخر من الظهور الإعلامي لمدة 30 يوما في أعقاب مقابلة تليفزيونية.

كما تلقت وسائل بث دولية مستقلة تحذيرات رسمية، وأمرت بحذف أو تعديل التغطية الإعلامية 12 وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق أيضا من إعلان هيأة الإعلام والاتصالات عن نيتها توسيع نطاق لائحة قواعد البث الإعلامي لتشمل المحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية وصناع المحتوى الأفراد من خلال ما يسمى "سجل الالتزام المهني"، وهو آلية تنطوي على خطر ترسيخ الرقابة الذاتية في جميع أنحاء المحال العام عبر الإنترنت، مما يزيد من الرقابة المفروضة أصلا من خلال الحملة التي تشنها وزارة الداخلية على "المستوى الهابط " .

 

غياب المساءلة

من الضروري وقف دوامة الإفلات من العقاب، لكي يتحقق الوعد بتعزيز حقوق الإنسان في العراق. وتدعو منظمة العفو الدولية حكومتكم إلى اتخاذ إجراءات ملموسة بشأن الإفلات من العقاب، الذي أصبح متجذّرا وما زال حتى اليوم يغذِّي انتهاكات حقوق الإنسان.

 

تظاهرات تشرين

تدعو منظمة العفو الدولية حكومتكم إلى وضع حد للإفلات من العقاب، الذي تعد عائقا فعالا أمام تحقيق العدالة بشأن القمع العنيف للتظاهرات السلمية التي بدأت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، والمعروفة باسم تظاهرات تشرين.

فقد قتل مئات المتظاهرين والمارة، ولقى كثيرون منهم مصرعهم في ظروف قد ترقى إلى مستوى الإعدام خارج نطاق القضاء. كما تعرض آلاف آخرون لإصابات على أيدي قوات الأمن العراقية، بما فيها قوات الشرطة، ووحدات مكافحة الإرهاب، وفصائل من قوات الحشد الشعبي. وعاني الناجون من أضرار جسدية ونفسية طويلة الأمد، ومن النزوحوفقدان مصادر الرزق، والمضايقات المستمره. كما وثقت منظمة العفو الدولية عمليات قتل مستهدفة، وحالات تعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وعمليات إخفاء قسري، وأعمالا انتقامية ضد متظاهرين وصحفيين ونشطاء بالإضافة إلى الترهيب الموجه ضد أفراد من عائلات الضحايا ممن يسعون إلى تحقيق العدالة.

ورغم الوعود المتكررة من الحكومات المتعاقبة، لم يحرز تقدم حقيقي يذكر نحو كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، ومنحالتعويضات، وتقاعست لجان التحقيق التي شكلت استجابة للتظاهرات عن تقديم نتائج علنية تتسم بالشفافية، ولا تزال عائلات الضحايا تعيد بالافتقار إلى المعلومات والمساءلة والحماية.

والواقع أن النشطاء والمتظاهرين المرتبطين بتظاهرات تشرين وما أعقبها لا يزالون اليوم عرضة للملاحقة بما أسمته بعض أجهزة إنفاذ القانون والسلطات المحلية "مذكرات اعتقال عبر منقدة"، وهي تستخدم كتهديد لأي شخص ينتقد السلطات، أو الأحزاب السياسية أو الشخصيات السياسية. وقد وثقت منظمة العفو الدولية استخدام مذكرات الاعتقال غير المنقذة هذه في مدينة الناصرية، حيث تعرض نشطاء وأفراد من عائلاتهم لملاحقات من السلطات المحلية .

وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على نشر نتائج جميع لجان التحقيق التي شكلت فيما يتصل بتظاهرات تشرين وما أعقبها، وضمان إجراء تحقيقات فعّالة ومستقلة وشفافة في جميع عمليات القتل غير المشروع وغيرها من الانتهاكات الجسيمة، وإلغاء جميع مذكرات الاعتقال غير المنقذة، حينما لا تتعلق بإحدى الجرائم الجنائية المتعارف عليها، وتقديم تعويضات للضحايا وعائلاتهم، وضمان محاسبة جميع المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم، في محاكمات عادلة دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام.

 

الاختفاء القسري

لا يزال مصير آلاف الرجال والفتيان في طي المجهول بعد تعرضهم للإخفاء القسري، بمن فيهم من وقعوا في الأسر. في سياق العمليات العسكرية التي أجريت لاستعادة السيطرة على مناطق من قبضة الجماعة المسلحة التي تطلق على نفسها اسم تنظيم الدولة الإسلامية، وفي سياق موجات عنف سابقة.

ولا يزال أفراد مئات آلاف العائلات في شتى أنحاء العراق يبحثون عن معلومات عن مصير ذويهم المفقودين ومكانهم. وبالإضافة إلى المعاناة الشديدة التي تكابدها كثير من العائلات والناجمة عن عدم معرفة مصير ذويهم، تواجه هذه العائلات وصمة اجتماعية وقيودا كبيرة على حقوقها، بما في ذلك عقبات في الحصول على وثائق الأحوال المدنية وعلى خدمات أساسية. وقد مر أكثر من عشر سنوات منذ اختفاء ما لا يقل عن 643 رجلا وصبيا من بلدة الصقلاوية في محافظة الأنبار، إثر اختطافهم على أيدي مقاتلي قوات الحشد الشعبي في يونيو/ حزيران 2016. ووقعت عمليات الاختطاف خلال العمليات العسكرية لاستعادة الفلوجة والمناطق المحيطة بها من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وبالرغم من لجان التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء العراقي آنذاك، حيدر العبادي في 5 يونيو/ حزيران 2016، لم يتم الإعلان عن أي معلومات، ولم تبلغ العائلات بأي معلومات 15

ومن شأن عدم إقرار مشروع القانون الخاص بتجريم الاختفاء القسري، والافتقار إلى استراتيجية وطنية شاملة المعالجة حالات الاختفاء القسري، ولكشف الحقيقة بشأن مصير المفقودين، ولإنصاف الضحايا، أن يطيلا أمد المعاناة التي يكابدها مئات الآلاف من العراقيين، وأن يقوّضا الثقة في مؤسسات الدولة.

وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على إنشاء آليات فعّالة وذات مصداقية للتحقيق في جميع ادعاءات الاختفاء القسري، وضمان حصول العائلات على معلومات في الوقت المناسب بشأن مصير ومكان ذويهم المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن حالات الاختفاء هذه، وتوفير ما يكفي من التعويضات وأشكال الدعم للضحايا وعائلاتهم.

وكخطوة أولى، تحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على إقرار مشروع القانون الخاص بتحريم الاختفاء القسري وإصداره ليصبح نافذا، مع ضمان توافقه التام مع القانون الدولى والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك التزامات العراق بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي انضم إليها العراق في نوفمبر/ تشرين الثاني 2010. وينبغى أن ينص القانون على تعريف الاختفاء القسري بوضوح كجريمة قائمة بذاتها. وعلى إجراء تحقيقات وملاحقات قضائية فعّالة، وأن يكفل حق الضحايا في كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، والحصول على التعويض، وضمانات بعدم التكرار.

 

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وأوضاع السجون

لا تزال منظمة العفو الدولية تشعر بالقلق إزاء الأنباء التي يستمر ورودها عن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في أماكن الاحتجاز في شتى أنحاء العراق، ولاسيما خلال الاستجواب والاحتجاز السابق للمحاكمة. وقد وثقت المنظمة عشرات الحالات المحتجزين سابقين ومحامين ومنظمات حقوقية أفادوا باستخدام الضرب، والإبقاء في وضعيات مؤلمة، والصعق بالصدمات الكهربائية، والتهديدات، وغيرها من أشكال الإساءة على أيدي موظفين مسؤولين عن الاستجواب بغرض انتزاع اعترافات.

وفيما تقر منظمة العفو الدولية بتحديات الطاقة الاستيعابية التي ينطوي عليها نقل آلاف المحتجزين من سوريا إلى العراق في فبراير/ شباط 2026 لاحتجازهم لحين إجراء تحقيقات ومحاكمات، إلا إن المنظمة لا تزال تشعر بالقلق بشأن الاكتظاظ الكارثي في السجون، حيث كان عدد نزلاء السجون يزيد بنسبة تصل إلى حوالي 300 بالمئة عن طاقتها الاستيعابية في عام 2024، وظلت الزيادة في حدود 200 بالمئة في منتصف عام 2025، وفقا لما ذكرته وزارة العدل العراقية 16. ترى عائلات المحتجزين والمحامون والعاملون في المجتمع المدني أن هذا الاكتظاظ هو السبب في تقشي الأمراض وسوء التغذية والانهيار شبه التام للرعاية الصحية في منشآت تشمل سجون كبرى ومركزية. والأمر الأكثر مدعاة للقلق هو الأنباء المستمرة عن وفاة سجناء في مختلف أنحاء العراق. وقد أشار مرصد عراقي معني بحقوق الإنسان إلى أن عدد الوفيات بلغ ما لا يقل عن 400 حالة في عام 2025 وحده.

 

المحاكمات الجائرة وعقوبة الإعدام

وثقت منظمة العفو الدولية مرارا تنفيذ عقوبة الإعدام عقب إجراءات لم تف بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، بما في ذلك محاكمات اعتمدت على "اعترافات" انتزعت من خلال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، وعلى أدلة أخرى تم الحصول عليها بالإكراه، بالإضافة إلى استخدام مخبرين سربين وبالرغم من بواعث القلق القائمة منذ أمد طويل بشأن انتهاكات القيود والضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، لا تزال المحاكم العراقية تفرض أحكاما بالإعدام، بما في ذلك في قضايا أفراد الهموا بجرائم تتعلق بالإرهاب وجرائم تتعلق بالمخدرات. ونادرا ما يتم إجراء تحقيقات فعّالة في ادعاءات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، بينما يواجه الضحايا في كثير من الأحيان عقبات كبيرة في الحصول على الإنصاف، بما في ذلك بموجب التعديل الصادر سنة 2025 القانون العفو العام لسنة 18.2016

وتحت منظمة العفو الدولية حكومتكم على ضمان إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة على وجه السرعة في جميع ادعاءات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وذلك بما يؤدي إلى محاسبة حقيقية للمسؤولين عن ذلك، وضمان استبعاد الأدلة التي تم الحصول عليها عن طريق التعذيب من الإجراءات القضائية، وضمان توفير ضمانات المحاكمة العادلة لجميع المحتجزين بما يتماشى مع التزامات العراق الدولية.

وتكفل الفقرة 1 من المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحماية من الحرمان التعسفي من الحياة، وهو محطور بشكل مطلق شأنه شأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة السيئة بموجب القانون الدولي العرفي والقانون الدولي الحقوق الإنسان . 19. وبناء على ذلك، فمن شأن أي أحكام بالإعدام تفرض نتيجة هذه التعديلات المقترحة أن ترقى إلى انتهاك للحق في الحياة ولحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وبالإضافة إلى ذلك شهدت السنوات الأخيرة فرص عقوبة الإعدام بشكل متزايد في حالات الجرائم المتعلقة بالمخدرات. وفي البلدان التي لم تقم بعد بإلغاء عقوبة الإعدام، لا يجوز فرض هذه العقوبة القاسية إلا في حالة "أشد الجرائم خطورة"، وهي لا تشمل الجرائم المتعلقة بالمخدرات. 20

وتدعو منظمة العفو الدولية حكومتكم إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لفرض وقف رسمي لجميع عمليات الإعدام، والتوقف عن إصدار أحكام بالإعدام في جميع الحالات بدون استثناء، وتخفيف أحكام الإعدام القائمة، واتخاذ خطوات ملموسة فيما يخص التشريعات والسياسات نحو الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام.


20/08/2026