×

  کل الاخبار

  ​قاليباف في بغداد.. حراك سياسي وبرلماني واقتصادي لتعزيز الشراكة ا



 

 

في زيارة حملت أبعادا سياسية وبرلمانية واقتصادية وإقليمية متعددة، أجرى رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال زيارته إلى بغداد، سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين العراقيين، شملت رئيس الجمهورية نزار ئاميدي، ورئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، فضلا عن لقاء رؤساء الكتل النيابية ومباحثات مع عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية.

وتزامنت الزيارة مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، فرضتها تداعيات الحرب الأخيرة والتوترات المتصاعدة في المنطقة، لتتحول بغداد إلى مساحة لبحث مستقبل العلاقات العراقية ـ الإيرانية، وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والبرلماني، إلى جانب تبادل الرؤى بشأن مستقبل النظام الإقليمي ودور دول المنطقة في إدارة أزماتها بعيدا عن التدخلات الخارجية.

ومن خلال مجمل مباحثات قاليباف، برزت ملفات عدة باعتبارها محاور رئيسية للزيارة، في مقدمتها الأمن والاستقرار الإقليمي، والعلاقات الاقتصادية والتجارية، والربط السككي بين شلمجة والبصرة، وتطوير الأسواق الحدودية، فضلا عن التعاون البرلماني وتفعيل لجان الصداقة، إلى جانب الملفات المرتبطة بالطاقة وصادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز.

 

مع رئيس الجمهورية.. بغداد وطهران تتمسكان بالحوار ورفض التصعيد

استقبل رئيس الجمهورية نزار ئاميدي في قصر بغداد رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف والوفد المرافق له، في لقاء تناول مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق العلاقات الثنائية وسبل تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين والمنطقة.

وأكد رئيس الجمهورية ثبات موقف العراق الداعم للجهود الرامية إلى إنهاء الصراعات وتسوية الأزمات عبر الحوار والمسارات الدبلوماسية، مشددا على ضرورة تغليب الحكمة والحلول السلمية والابتعاد عن التصعيد واستخدام القوة، بما يحفظ سيادة الدول واستقلالها ويعزز الأمن والاستقرار الإقليمي.

من جانبه، أكد قاليباف عمق العلاقات التاريخية بين العراق وإيران، مشيرا إلى أن البلدين وقفا إلى جانب بعضهما في الظروف الصعبة، وأن التجارب الإقليمية أثبتت حاجة دول المنطقة إلى التعاون والتنسيق فيما بينها.

وفي الجانب الاقتصادي، أشار قاليباف إلى أهمية استكمال مشروع سكة حديد شلمجة ـ البصرة، وتطوير الأسواق الحدودية، ومعالجة ملف نهر أروند رود، باعتبارها مشاريع قادرة على رفع مستوى التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين.

وبرز خلال اللقاء توافق على أهمية إنهاء حالة "لا حرب ولا سلم" في المنطقة، مع تأكيد الرئيس العراقي أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر أمن دولها، وأن العراق يدعم كل مسار يقود إلى الاستقرار وإنهاء الحرب.

 

مع رئيس الوزراء.. من الدعم في مواجهة داعش إلى شراكة اقتصادية أوسع

بحث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي مع قاليباف آفاق التعاون والعمل المشترك، وسبل تمتين العلاقات العراقية ـ الإيرانية وتوسيعها في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأكد الزيدي عمق الروابط التاريخية والجغرافية والدينية التي تجمع البلدين، مشيدا بالمواقف الإيرانية الداعمة للعراق، ولا سيما خلال الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي.

في المقابل، شدد قاليباف على أن العلاقات بين العراق وإيران تمتلك مقومات استثنائية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، معتبرا أن البلدين قادران على خلق فرص مشتركة يمكن أن تعزز دورهما الإقليمي، ولا سيما في إطار العلاقات بين الدول الإسلامية والعربية.

كما استعاد قاليباف تجربة التعاون بين البلدين خلال الحرب ضد داعش، مؤكدا أن إيران لم تميز في دعمها للعراق بين المكونات والقوميات، وأن هدفها كان الدفاع عن العراق في مواجهة التنظيم الإرهابي.

وفي الجانب الاقتصادي، ركزت المباحثات على ضرورة الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى يوازي قوة العلاقات السياسية والثقافية، مع إعطاء الأولوية للربط السككي، وتطوير المنافذ والأسواق الحدودية، وتعزيز حركة التجارة والاستثمار.

وأكد الزيدي أن العراق وإيران يقفان إلى جانب بعضهما في الظروف الصعبة، وأن المصالح المشتركة والتداخل التاريخي والجغرافي يفرضان استمرار التقارب والتعاون بين البلدين.

 

مع رئيس مجلس النواب.. الدبلوماسية البرلمانية في صدارة أجندة بغداد وطهران

بحث رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي مع قاليباف سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتفعيل لجان الصداقة البرلمانية وتوسيع التنسيق بين مجلس النواب العراقي ومجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

وأكد الحلبوسي أهمية تطوير الدبلوماسية البرلمانية باعتبارها إحدى الأدوات المؤثرة في دعم العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، مشددا على ضرورة متابعة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة وتعزيز قنوات التواصل المباشر بين المؤسستين التشريعيتين.

كما تناول اللقاء تداعيات التطورات الإقليمية وانعكاساتها على العراق، مع التأكيد على خصوصية المصالح العراقية، ولا سيما في ما يتعلق بتصدير النفط عبر مضيق هرمز، بما يحمي الاقتصاد العراقي ويجنب البلاد تداعيات الأزمات الإقليمية.

من جانبه، شدد قاليباف على أن تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق يجب أن يسير بموازاة العلاقات السياسية والثقافية، مؤكدا أهمية دور البرلمانين في دفع الحكومتين نحو تنفيذ المشاريع المشتركة، وفي مقدمتها خط سكة حديد شلمجة ـ البصرة وتطوير التعاون التجاري.

وهكذا بدا المسار البرلماني في زيارة قاليباف جزءا من محاولة أوسع لتحويل العلاقات العراقية ـ الإيرانية من مستوى التواصل السياسي إلى آليات مؤسساتية أكثر انتظاما.

 

مع رؤساء الكتل.. تفعيل لجان الصداقة وتوسيع قنوات التنسيق البرلماني

شارك رئيس كتلة الاتحاد الوطني الكوردستاني هريم كمال آغا في اجتماع رؤساء الكتل النيابية مع رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

وركز الاجتماع على تعزيز العلاقات الثنائية بين العراق وإيران، وتطوير التعاون والتنسيق البرلماني، مع الاتفاق على تفعيل لجان الصداقة بين مجلس النواب العراقي ومجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

وتكتسب هذه المباحثات أهمية خاصة لكونها تفتح المجال أمام توسيع الدبلوماسية البرلمانية لتشمل مختلف القوى والكتل السياسية العراقية، بما يسمح بطرح الملفات المشتركة بصورة أكثر شمولية، وتعزيز التواصل بين المؤسسات التشريعية في البلدين.

كما تعكس مشاركة الكتل النيابية المختلفة في اللقاء رغبة في إبقاء العلاقات العراقية ـ الإيرانية ضمن إطار مؤسساتي أوسع، وعدم حصرها في القنوات الحكومية والتنفيذية وحدها.

 

في البعد الإقليمي.. قاليباف يطرح من بغداد رؤية لنظام إقليمي جديد

لم تقتصر زيارة قاليباف على الملفات الثنائية، بل حملت رسائل واضحة بشأن مستقبل المنطقة، إذ أكد من بغداد أهمية تعزيز ما وصفه بـ"النظام الجديد" في المنطقة وتسريع التعاون بين دولها من دون تدخل خارجي.

واختار قاليباف موقع اغتيال قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في محيط مطار بغداد محطة رمزية لبدء زيارته، معتبرا المكان رمزا للتاريخ المشترك بين العراق وإيران وللتطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

وفي خطاباته ومباحثاته، ركز رئيس مجلس الشورى الإيراني على أن دول المنطقة مطالبة بتعزيز علاقاتها الأمنية والاقتصادية، معتبرا أن التقارب الثقافي والديني بين العراق وإيران يوفر أرضية مهمة لتطوير هذا المسار.

كما طرح قاليباف رؤية تقوم على تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية والعربية، وربط العلاقات الأمنية بالتعاون الاقتصادي، في محاولة لإبراز دور دول المنطقة في صياغة ترتيباتها الأمنية والسياسية بعيدا عن القوى الخارجية.

 

الاقتصاد والطاقة.. من المشاريع الحدودية إلى معادلة أوسع للتبادل التجاري

احتل الملف الاقتصادي مساحة بارزة في مختلف لقاءات قاليباف، وهو ما يعكس رغبة إيرانية وعراقية في معالجة الفجوة بين قوة العلاقات السياسية والثقافية وبين مستوى التبادل الاقتصادي.

وتكررت خلال المباحثات الإشارة إلى مشروع سكة حديد شلمجة ـ البصرة، وتطوير الأسواق الحدودية، ومعالجة ملف أروند رود، إلى جانب توسيع التجارة والاستثمار.

كما برز ملف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز باعتباره قضية ذات أهمية مباشرة للاقتصاد العراقي، في ظل التطورات الأمنية الإقليمية وانعكاساتها على حركة الطاقة والتجارة.

ومن هذا المنظور، تبدو المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود إحدى الأدوات الرئيسية التي يمكن أن تمنح العلاقات العراقية ـ الإيرانية بعدا أكثر استدامة، وتحول الروابط السياسية والتاريخية إلى مصالح اقتصادية متبادلة.

 

الخلاصة.. بغداد منصة للحوار ورسالة إيرانية نحو شراكات إقليمية أوسع

تكشف مجمل لقاءات قاليباف في بغداد عن زيارة متعددة المسارات، لم تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية، وإنما حملت أجندة سياسية وإقليمية واقتصادية وبرلمانية متداخلة.

ففي الوقت الذي شدد فيه المسؤولون العراقيون على أولوية الاستقرار ورفض التصعيد وحماية سيادة الدول، ركز قاليباف على تعزيز التعاون بين دول المنطقة وتقليص التدخل الخارجي، مع طرح العلاقات العراقية ـ الإيرانية باعتبارها أحد المداخل الأساسية لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.

وبينما حافظت الملفات السياسية والأمنية على حضورها التقليدي، بدا الاقتصاد حاضرا بقوة باعتباره المجال الأكثر قابلية لترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع ومصالح ملموسة، خصوصا في مجالات النقل والتجارة والطاقة والمنافذ الحدودية.

وعليه، فإن زيارة رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني إلى بغداد جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، لتؤكد أن العراق لا يزال يمثل ساحة رئيسية للحوار بشأن مستقبل المنطقة، وأن العلاقة بين بغداد وطهران تتجه إلى اختبار قدرتها على الانتقال من روابط تاريخية وسياسية عميقة إلى شراكة مؤسساتية واقتصادية أكثر اتساعا، مع بقاء التوازن العراقي في علاقاته الإقليمية والدولية عاملا حاسما في تحديد مسار المرحلة المقبلة.


20/08/2026