×

  قضايا كردستانية

  التصعيد الإيراني في إقليم كردستان: أنماطه، وانعكاساته، ومساراته المحتملة



*مركز الامارات للسياسات/ وحدة الدراسات العراقية

|

نقاط أساسية:

--تستخدم إيران إقليم كردستان ساحة ضغط متعددة الأهداف عبر استهداف الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، والمصالح الاقتصادية، والمواقع المرتبطة بالولايات المتحدة أو الغرب، بهدف توسيع كلفة التصعيد مع واشنطن وترسيخ نفوذها داخل العراق.

--تعمِّق الهجمات الإيرانية هشاشة إقليم كردستان داخليا، إذ تكشف حدود قدرة الحزبين الكرديين الرئيسين على إنتاج موقف موحد، وتزيد الضغط على علاقتهما ببغداد وطهران وواشنطن، خصوصا في ظل تعثّر تشكيل حكومة الإقليم.

--تبدو بغداد وأربيل عالقتان بين مطالب إيرانية صعبة وضغوط أمريكية وسيادية؛ فإيران تطالب بتوسيع الاتفاق الأمني وترحيل أو تفكيك المعارضة الكردية الإيرانية، بينما تعجز بغداد عن ضبط المليشيات أو حماية السيادة العراقية بشكل فعّال.

--يرجَّح استمرار التصعيد الإيراني في إقليم كردستان وتفاقم المأزق السيادي العراقي؛ إذ لا تبدو طهران مستعدة للتراجع، فيما تبقى احتمالات التدخل الأمريكي أو توسّع دور المليشيات قائمة، بما يهدد بتحويل كردستان إلى ساحة استنزاف طويلة.

 مع تجدّد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران في العاشر من يوليو 2026، إثر تعثّر تطبيق مذكرة التفاهم الموقعة من الطرفين في يونيو الماضي، عاد إقليم كردستان العراق ساحة لحرب إيرانية متعددة الأغراض، إذ تندرج هذه الحرب ضمن استراتيجيتها لتوسيع نطاق المعارك والكلف عبر الاعتداء على جيرانها، مع خصوصية مضافة تتعلق بمحاولة إيران استثمار الأوضاع المضطربة في المنطقة لتصفية القوى الكردية المعارضة لها التي يتخذ بعضها من مدن إقليم كردستان مقرا له.

تتناول هذه الورقة أهداف الاعتداءات الإيرانية المتواصلة على مدن إقليم كردستان العراق، وانعكاساتها على الأوضاع داخل الإقليم، وعلى الساحة العراقية.

 

اعتداءات إيرانية بأنماط متعددة

مع عودة التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة في يوليو، شنَّت إيران هجمات على مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان، وتحديدا "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني"، و"كوملة"، و"حزب حرية كردستان"، ما أدى إلى مقتل وجرح عدد من أفراد تلك القوى، وفق بيان مشترك لائتلاف القوى الكردية الإيرانية المعارضة، الذي يضم ستة أحزاب، قال فيه إن "النظام الإيراني وصل إلى مرحلة اليأس بتكثيف عمليات الاغتيال والهجمات الجوية والبرية ضد الأحزاب السياسية الكردية، في محاولة لإخفاء إخفاقاته الداخلية المتزايدة".

وشهد فجر يوم 17 يوليو 2026 إحدى أعنف هذه الضربات، عندما استهدفت صواريخ باليستية مقر حزب "كوملة" في قرية زركويزلة بمحاذاة مدينة السليمانية، ما أسفر عن مقتل تسعة من كوادر الحزب، بينهم أحد القادة الميدانيين، إضافة إلى تدمير أجزاء واسعة من المقر، ما استدعى إدانة غاضبة من حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة بافل طالباني، الذي يسيطر على مدينة السليمانية ويصنَّف ضمن الأحزاب الكردية المقربة من إيران.

وفي السياق نفسه، أعلنت سلطات إقليم كردستان اعتراض عدد من الطائرات المسيّرة التي أطلقتها مليشيات من داخل الأراضي العراقية لاستهداف مواقع في أربيل، وطالبت حكومة الإقليم بدورها الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي بوضع حد لهذه الهجمات المتكررة.

 

ويمكن تقسيم الهجمات الإيرانية ضد إقليم كردستان إلى ثلاثة أنماط أساسية:

الأول، هجمات تستهدف قنصليات ومراكز أمريكية أو غربية، أو شخصيات محلية داخل الإقليم بدعوى وجود مقرات إسرائيلية، وكان من بينها استهداف منزل رجل أعمال كردي بصاروخ إيراني مطلع 2024.

الثاني، هجمات ضد أصول اقتصادية، بينها حقل كورمور الغازي الذي تعرَّض لعشرات الهجمات المدمرة في خلال السنوات الأخيرة.

الثالث، استهداف مواقع ومعسكرات أو اغتيال شخصيات كردية إيرانية معارضة داخل مدن الإقليم.

وتتعدد الأدوات التي تستخدمها طهران لهذه الهجمات، بين الضربات الصاروخية المباشرة، أو الطائرات المسيّرة التي تطلقها مليشيات عراقية مقربة من إيران من داخل الأراضي العراقية، أو الوحدات الإيرانية الخاصة التي تنفذ عمليات داخل مدن الإقليم.

 

ويمكن ربط توسع نطاق الهجمات الإيرانية المباشرة، أو بواسطة المليشيات، على إقليم كردستان بمجموعة من المحددات، من بينها:

1. ضبط نطاق التصعيد الإيراني ضمن أهداف الحرب متعددة الأوجه التي تخوضها في المنطقة، واعتماد الهجمات ذات التكلفة المنخفضة سياسيا على صعيد تأثيرها المباشر على مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة، خصوصا أنها تستهدف قوى تستقر جغرافيا داخل حدود تَعدّها إيران جزءا من نفوذها الجيوسياسي.

2. لا تزال التقديرات الأمنية الإيرانية ترى أن القوى المسلحة الكردية الإيرانية المعارضة التي تمتلك معسكرات قريبة من حدودها، تمثِّل تهديدا مباشرا للوضع الأمني الإيراني الداخلي، مع أن تلك القوى لم تعلن أي نشاط عسكري داخل إيران في خلال الحرب.

3. الحرص الإيراني على إيصال رسائل واضحة برفض خطط الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل العراقية الموالية لها، فلا يزال موقف تلك المليشيات غير محسوم وتمثل تحديا صعبا أمام الحكومة الجديدة التي قدَّمت تعهّدات بحل الفصائل، في مقابل إكمال الانسحاب الأمريكي المحتمل من قاعدة "حرير" في إقليم كردستان نهاية سبتمبر المقبل. وجاء إعلان المملكة العربية السعودية في 27 يوليو عن إحباط هجوم جديد من طائرات مسيرة انطلقت من داخل الأراضي العراقية واستهدفت منشآت بترولية سعودية، بمنزلة مؤشر على الموقف الإيراني تجاه قضية حل المليشيات.

4. الحفاظ على القدرة التهديدية الإيرانية للحزبين الكرديين الرئيسينِ: "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني"، وضبط إيقاع تحركاتهما سواء على صعيد نطاق العلاقات مع الولايات المتحدة والدول التي تَعدّها إيران معادية لها، أو ما يتعلق بتنظيم التحالفات السياسية العراقية، والمصالح الاقتصادية الإيرانية داخل العراق.

5. ترافقت الهجمات الأخيرة مع نشاط إعلامي إيراني يندرج ضمن الحرب النفسية، عبر نشر تسريبات وتقارير تتحدث عن احتمالات تنفيذ عمليات برية إيرانية داخل مدن إقليم كردستان لمطاردة القوى الكردية المعارضة، وهذا الأمر موجه إلى الداخل الكردي على جانبي الحدود، بما يشمل الأقليات القومية داخل إيران.

6. لوحظ تجنّب الجانب الايراني استهداف مواقع "حزب الحياة الحرة الكردستاني" الذي يعد الذراع الإيرانية لـ "حزب العمال الكردستاني" التركي، على رغم انتشار الأخير في المناطق الجبلية الحدودية مع إيران، وخوضه مناوشات مسلحة أسفر آخرها عن أربعة قتلى طبقا لبیان للحزب.وثمة عدة فرضيات حول ذلك، أبرزها احتمال وجود تفاهمات غير معلنة أو قواعد اشتباك غير مباشرة بين طهران وقيادات "حزب العمال الكردستاني" الذي أعلن رفضه لما عَدَّه "حربا أمريكية ضد ايران".  وثمة احتمال آخر هو أن الحزب يتبنّى، في ضوء تفاهماته مع الحكومة التركية في المرحلة الحالية، تجنّب الانخراط في تبعات المواجهة الأمريكية -الإيرانية، الأمر الذي خفف من دوافع استهدافه إيرانيا.

 

الانعكاسات على إقليم كردستان

تزامنت الهجمات الإيرانية مع مؤشرات على تراجع مستوى التنسيق التقليدي بين طهران وحزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة بافل طالباني الذي يعد بدوره الأقرب من حيث الأيديولوجيا والتنظيم إلى حزب "كوملة" الإيراني المعارض، ما انعكس في استهداف مواقع مرتبطة بقوات البيشمركة الكردية في محافظة السليمانية، ودفع ذلك طالباني إلى اعتبار الهجمات انتهاكا لسيادة العراق، مؤكدا أن "ضبط النفس لا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفا أو عجزا".

ومعلوم أن البنية السياسية في إقليم كردستان، خصوصا بعد عام 2022، تأسست على تكريس الانقسام السياسي بين الحزبين الكرديين، ليس فقط على مستوى التحالفات في بغداد، بل على صعيد تحالفاتهما الخارجية أيضا.

ويسيطر "الحزب الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني على المؤسسات الحكومية داخل الإقليم في نطاق حكومة تصريف أعمال مستمرة منذ أكثر من عامين، ويبني علاقات أكثر صلابة مع القوى السّنية وتيار مقتدى الصدر وعدد من القوى المدنية في بغداد، وعلاقات مع دول عربية وتركيا والولايات المتحدة، فيما اختار "الاتحاد" مقعد المنافس لانتزاع الحكومة داخل الإقليم، معتمدا على تحالفات مع ممثلي بعض الفصائل المسلحة والقوى الشيعية القريبة من إيران، والاعتماد على طهران في تحقيق التوازن في علاقاته المتوترة بتركيا، في مقابل الاحتفاظ بعلاقة متوازنة مع الجانب الأمريكي سمحت له بحفظ روابطه التاريخية مع "حزب العمال الكردستاني" في تركيا، وحزبي "الحياة الحرة" و"كوملة" في إيران.

ومن المفترض أن الهجمات الإيرانية الأخيرة ضد معاقل "الاتحاد" تبعِده بشكل مستمر عن التحالف الإيراني، في مقابل التقارب مع حزب بارزاني لمواجهة التحديات، غير أن الحزب ما زال يحاول حفظ التوازنات السابقة، متجنّبا الصدام المباشر مع نفوذ طهران في الساحة الكردية.

 

وتضع هذه التطورات حكومة الحزبين الرئيسينِ في الإقليم وحكومته أمام تحديات خطية، يمكن بلورتها في ثلاثة محاور أساسية:

 

 أولا، الاتفاق الأمني بين بغداد وطهران

كانت حكومة محمد شياع السوداني قد وقّعت اتفاقا أمنيا مع طهران عام 2023، يضمن -طبقا لما أعلِن عراقيا- نزع سلاح القوى الكردية الإيرانية المعارضة وإخلاء معسكراتها من الحدود بين البلدين، للحد من أي احتمالات مستقبلية لنشاطها العسكري في الداخل الإيراني. بيد أن طهران -وفق تسريبات الحوارات الأمنية التي خاضها مسؤولون عراقيون، وبينهم مسؤولون في حكومة إقليم كردستان مع الجانب الإيراني- ترى أن إجراءات أربيل والسليمانية بخصوص سحب سلاح القوى الكردية المعارضة، ونقلها في مقرات مدنية بعيدة عن الحدود، ليس كافيا، وتطالب بإخراجها من العراق، على غرار ترحيل الحكومة العراقية منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة من معسكراتها في العراق إلى بولندا عام 2016.

وخيار "الترحيل" قد يكون مدرجا للنقاش بين الحكومتين الإيرانية والعراقية، إلا أن تطبيقه في إقليم كردستان قد يكون صعبا جدا، بسبب الروابط القومية والاجتماعية والثقافية العميقة التي تجمع بين سكان الإقليم والنازحين الإيرانيين الكرد، ومنهم قوى المعارضة. ويمكن القول إن أيا من الحزبين الكرديين لن يقْدم على مثل هذه الخطوة، ما يعني إعادة فتح ملف "الاتفاق الأمني" مع الحكومة العراقية، والمطالبة بوضع حدود واضحة له.

 

ثانيا، العلاقة الأمنية المستقبلية بين الإقليم والولايات المتحدة

يطرح هذا الأمر تساؤلات ما زالت، قبل نحو شهر من الموعد المفترض لانسحاب القوات الأمريكية من قاعدة "حرير" في أربيل بإقليم كردستان، من دون إجابات: فهل ستنسحب تلك القوات جميعها في نهاية شهر سبتمبر، أم ستكون هناك قوات دفاعية وغطاء جويا لمساندة البيشمركة وقوى الأمن الكردية التي تتصدى للهجمات الإيرانية المتواصلة؟ وهل سيتم ذلك باتفاق ثنائي بين الإقليم والجانب الأمريكي أم في نطاق اتفاق أمني أوسع بين بغداد وواشنطن؟

معلوم أن الحكومة العراقية لم تحدد طبيعة الاتفاقية الثنائية التي يفترض توقيعها مع الجانب الأمريكي بعد إنهاء مهمة التحالف الدولي. وهذه قضية تبدو قابلة للتأجيل، وخاضعة لاختبارات الثقة بين الطرفين على صعيد خطوات الحكومة العراقية في حل المليشيات وتفكيكها. وفي الوقت نفسه، لا تبدو واضحة حتى الآن طبيعة البنى التحتية الأمنية الأمريكية في إقليم كردستان، التي تشمل منظومات دفاعية ساعدت الإقليم على التصدي لمعظم الهجمات الإيرانية.

 

 ثالثا، أزمة تشكيل حكومة الإقليم

لم تنجح الانتخابات البرلمانية التي جرت في إقليم كردستان في أكتوبر 2024، في إنهاء حالة الصراع السياسي بين الحزبين الرئيسينِ، ما قاد إلى تعطيل متواصل لتشكيل حكومة الإقليم، حتى بعد تشكيل الحكومة العراقية ببغداد بعد انتخابات نوفمبر 2025. بل إن العكس تماما حصل، عندما سعى حزب "الاتحاد" بزعامة بافل طالباني (الذي يملك 23 مقعدا من بين 100 مقعد لبرلمان الإقليم) إلى التحالف مع حزب "الجيل الجديد" بزعامة شاسوار عبد الواحد (15 مقعدا) لتشكيل حكومة بمعزل عن حزب بارزاني (39 مقعدا).

يظهر أن الحزبين الكرديين لم يحققا تقدما ملموسا باتجاه التوافق بينهما، حتى بعد تحول مدن الإقليم إلى ساحة للاعتداءات الإيرانية تحت غطاء الحرب، ما يجعل من الصعب على الإقليم الكردي، في ظل هذا الواقع، إنتاج مواقف موحدة إزاء التحديات الأخرى، مثل العلاقة السياسية والإدارية والقانونية مع بغداد، وإدارة نتائج الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد.

 

 

المسارات المحتملة للتصعيد الإيراني في إقليم كردستان

 

في ضوء ما تقدَّم، يمكن طرح ثلاثة مسارات متشابكة بخصوص التصعيد الأمني الإيراني تجاه إقليم كردستان:

 

المسار الأول،

 استمرار التصعيد الإيراني وتكريسَه نطاقَ هيمنة متصاعدا على إقليم كردستان. تسعى طهران إلى فصل نموذج اعتداءاتها الحالي على إقليم كردستان عن تطورات حربها المتواصلة مع الولايات المتحدة، من خلال طرح الهجمات باعتبارها مطاردة لمعارضين إيرانيين يشكلون خطرا على أمنها الداخلي. وتهدف من ذلك إلى استنزاف إمكانات قوى المعارضة الإيرانية داخل إيران وخارجها، وابتزاز إقليم كردستان العراق والتأثير في علاقاته وأولوياته المستقبلية. ومن المرجح أن يدفع هذا المسار بغداد وأربيل إلى محاولة توسيع نطاق الاتفاق الأمني مع إيران، عبر تكثيف إجراءات نزع سلاح الأحزاب الإيرانية المعارضة وإخلاء مقارها وترحيل عناصرها، لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة أوسع داخل الأراضي العراقية.

 

المسار الثاني،

 تدخل أمريكي لتوفير الحماية والدعم للقوى الكردية المعارضة وربطها بمسار المفاوضات. إن تأكيد الجانب الأمريكي عدم سعية إلى إشراك القوى الكردية الإيرانية المعارضة في الحرب، لا يعني عدم وجود تنسيق وتواصل بين الطرفين، سواء بشكل مباشر أو عبر القوى الكردية العراقية، كما أن ترك إيران تقضي على تلك القوى من خلال عمليات القصف أو حتى تدخل بري محتمل، لا يبدو أنه سيكون ضمن ما يمكن لواشنطن غض الطرف عنه. ويرجح هذا المسار تكثيف المساعي الأمريكية لتأمين قوى المعارضة الكردية عبر حمايتها من توسيع الاتفاق الأمني العراقي-لإيراني من طريق التدخل للضغط على الجانب العراقي، وتقديم الدعم المباشر عسكريا وتسليحيا، والتنسيق مع تركيا لإيجاد مساحة تفاهم مشتركة بين الأحزاب المستهدفة إيرانيا وحزب "الحياة الحرة" المرتبط بـ"حزب العمال الكردستاني".

وفي هذا الشأن يمكن تأكيد امتلاك الأحزاب الكردية الإيرانية قاعدة تنظيمية وشبكات اجتماعية داخل المناطق الكردية في إيران، على رغم محدودية تسليحها وانتشارها الحالي، وأن الجانب الإيراني يضع في الحسبان احتمال إثارة الشارع في المدن الكردية الإيرانية في حال وسّع عملياته ضدها.

 

المسار الثالث،

 تفاقم المأزق السيادي العراقي. فاستمرار الضربات الإيرانية بالوتيرة الحالية ضد مدن الإقليم سيؤدي إلى زيادة الضغوط على بغداد وأربيل معا، مع استمرار انكشاف السيادة العراقية إزاء الهجمات الإيرانية، بالإضافة إلى احتمالات مفتوحة لتوسّع هجمات المليشيات العراقية التابعة لإيران.ويتفاقم المأزق بسبب عدم تمكّن الطرفين من تلبية استحقاقات تلك الضغوط؛ فمن جهة ستجد بغداد نفسها غير قادرة على كبح المليشيات التي قد تستأنف استهداف إقليم كردستان، ومن جهة أخرى لن تكون قادرة على تلبية المطالب الإيرانية بمواجهة القوى الإيرانية المعارضة التي قد تتوغل في مناطق معقدة جغرافيا لحماية نفسها. وعلى نطاق آخر، لن تتمكن حكومة الإقليم من تحمل الأعباء المتزايدة المترتبة على احتضان قوى المعارضة الكردية الإيرانية، لكنها لن تستطيع، في المقابل، التخلي عنها تحت ضغط الشارع الكردي أو الضغط الأمريكي.

 

الاستنتاجات

تعمِّق إيران الأزمات العراقية باستهدافها الممنهج لمدن إقليم كردستان، سواء تحت غطاء وجود أحزاب معارضة، أو لقصف مواقع أمريكية، أو تحت أي مسوِّغٍ آخر؛ إذ تسعى بذلك إلى الضغط على حكومتَي بغداد وأربيل لتأمين هيمنتها الجيوسياسية في العراق، في ظل حربها الحالية مع الولايات المتحدة.

 وتكاد مساحة المناورة المتاحة للحكومتين في العراق، والأحزاب والقوى المرتبطة بهما، تكون محدودة، بسبب ارتفاع مستوى التحديات المحيطة، وانكشاف العراق أمام ضغوط متقاطعة لن تسمح له باتخاذ موقع متوازن منها. وليس من المرجح أن تتراجع إيران عن استهداف مدن الإقليم في ظل الوضع الحالي، بل إن اعتداءات المليشيات العراقية، التي مازالت ترفض نزع سلاحها، على دول الجوار العراقي، وآخرها استهداف منشآت سعودية بطائرات مسيرة، تكشف عن تواصل المخاطر التي تواجه العراق في نطاق سياسات إيرانية ممنهجة لتقويض سيادته، ومنع تقوية الدولة العراقية.


20/08/2026