×

  قضايا كردستانية

  الكرد في المعادلة الإقليمية الجديدة



*عبدالكريم سليمان العرجان

 لم يعد الملف الكردي قضية محلية منفصلة في أي من الدول الأربع التي يتوزع عليها الكرد. فما يحدث في جبال قنديل أو أربيل ينعكس مباشرة على الحسكة ودمشق وطهران وأنقرة. والفترة الممتدة من تموز/يوليو إلى منتصف آب/أغسطس كشفت بوضوح أن الكرد أصبحوا حلقة وصل أمنية وسياسية بين هذه العواصم، أكثر مما هم فاعل مستقل قادر على فرض إرادته الإقليمية.

الحرب الامريكية-الإسرائيلية مع إيران، وسقوط نظام الأسد، وتقدم عملية السلام التركية مع حزب العمال الكردستاني، أعادت ترتيب الأوراق بطريقة جعلت الدول الأربع تتقاطع في هدف أساسي: احتواء أي مشروع كردي عابر للحدود، مع اختلاف الوسائل ودرجة الانفتاح. وفي قلب هذا الترتيب يقف الدور الامريكي الذي انتقل من بناء شراكات كردية واسعة خلال مراحل سابقة إلى مقاربة أكثر انتقائية، تعيد توظيف هذه العلاقات وفق الأولويات الأمنية والسياسية المتغيرة.

تركيا تقود هذا الترتيب الجديد بوضوح. ففي 10 أغسطس أقر البرلمان التركي «قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي»، المعد في إطار مسار «تركيا بلا إرهاب»، بأغلبية 468 نائبا مقابل 88 وامتناع 6. ولا يمثل القانون مجرد خطوة إجرائية لإنهاء الصراع مع حزب العمال عبر نزع سلاحه وإعادة دمج عناصره، بل محاولة لتحويل مسار التسوية الداخلية إلى أداة لإعادة ضبط البيئة الكردية في الجوار الإقليمي، ومنع انتقال أي ترتيبات كردية في دولة إلى مشروع عابر للحدود في دولة أخرى.

وهذا يفسر ارتباط المسار التركي مباشرة بملف «قوات سوريا الديمقراطية» في سوريا، والوجود الكردي المسلح في العراق، والحسابات الإيرانية تجاه الكرد الإيرانيين. فكلما اقتربت أنقرة من تسوية صراعها الداخلي، ازداد تأثيرها في تحديد حدود الحركة الكردية المسلحة في محيطها.

وفي هذا السياق، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في يوليو أن أنقرة تدخلت لدى واشنطن لمنع الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة الموجودة في إقليم كردستان العراق من فتح جبهة جديدة ضد طهران، واصفا الدور التركي بأنه «فعال»، بالتزامن مع اتصالات إيرانية مع بغداد وأربيل ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

وبصرف النظر عن تفاصيل الرواية الإيرانية ومدى تأكيدها من الأطراف الأخرى، تكشف الواقعة أن أنقرة باتت تتعامل مع القضية الكردية باعتبارها جزءا من منظومة أمن إقليمي أوسع. فعملية السلام التركية لا تعني فقط إنهاء صراع داخلي، وإنما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب توازنات كردية تمتد من تركيا إلى سوريا والعراق وإيران.

إقليم كردستان العراق يجد نفسه في موقع الوسط الحساس؛ فهو الكيان الكردي الوحيد المتمتع بحكم ذاتي مؤسسي، ما يجعله جسرا ووسيطا بين أطراف متناقضة. وزيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في 3 أغسطس للقاء أحمد الشرع وبحث مسار دمج «قسد» وحقوق الكرد السوريين عكست هذا الدور.

 

أربيل لا تستطيع الانحياز الكامل إلى أي طرف.

 هي بحاجة إلى تركيا اقتصاديا وأمنيا، وإلى بغداد دستوريا وسياسيا، وتتعامل مع إيران بحسابات الجغرافيا والأمن، بينما تمثل لواشنطن شريكا وموقع نفوذ وقناة اتصال. ومن هنا يتحول الحياد الكردستاني إلى وظيفة سياسية بحد ذاته: منع تحويل أراضي الإقليم إلى ساحة مواجهة بالوكالة، مع تحمل كلفة هذا الدور من أمنه واستقراره.

سوريا تقدم نموذجا مختلفا من الانفتاح المشروط.

بعد سقوط الأسد، اعترفت دمشق باللغة الكردية، وأعادت الجنسية لمن حرموا منها، ووقعت اتفاق كانون الثاني/يناير مع «قسد». وفي يوليو وأغسطس استمر التقدم في المسار الأمني باتجاه دمج مقاتلين في مؤسسات الدولة، بينما بقيت الملفات السياسية والإدارية الأكثر حساسية دون حسم كامل.

أما الولايات المتحدة، التي كانت الشريك الرئيسي لـ«قسد» لسنوات، فأصبحت تدفع بصورة أكبر باتجاه دمج القوة الكردية في مؤسسات الدولة السورية بدلا من استمرار نموذج عسكري كردي مستقل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات النفوذ والشراكة مع الكرد. ويعكس ذلك تغيرا في الأولويات الامريكية: من الاعتماد على قوة محلية مسلحة إلى بناء ترتيبات أمنية مع الدولة السورية الجديدة، بما يحد من الفوضى ويحافظ على المصالح الامريكية في مواجهة النفوذ الإيراني.

وتتقاطع هذه الرؤية، بدرجات مختلفة، مع الموقف التركي الذي يرى في استمرار أي استقلالية عسكرية كردية في شمال سوريا تهديدا لأمنه القومي. ومن هنا يصبح مستقبل «قسد» مرتبطا ليس فقط بمفاوضاتها مع دمشق، وإنما أيضا بمسار حزب العمال في تركيا وبالحسابات التركية تجاه الحدود السورية.

 

 إيران تبقى الحلقة الأكثر تشددا.

 طهران لا ترى في الكرد شريكا محتملا، بل تهديدا أمنيا يمكن أن يتحول إلى جبهة داخلية في لحظة الحرب أو الاضطراب. واستمرت الضغوط والضربات على مواقع الجماعات الكردية الإيرانية في إقليم كردستان، بالتوازي مع تحذيرات إيرانية متكررة لأربيل من السماح باستخدام أراضي الإقليم ضدها.

أما الائتلاف السياسي الذي شكلته الجماعات الكردية الإيرانية في شباط/فبراير، فلم يتحول إلى قوة ميدانية حاسمة قادرة على تغيير ميزان القوى داخل إيران. وبقيت هذه الجماعات رهينة حسابات إقليمية أكبر من قدرتها الذاتية؛ طهران تضغط على بغداد وأربيل، وأنقرة تتدخل لمنع فتح جبهة جديدة بحسب الرواية الإيرانية، وواشنطن توازن بين استخدام الورقة الكردية وتجنب فتح مسار تصعيدي جديد مع تركيا أو تعقيد المشهد الإيراني.

 

والربط بين هذه المسارات عميق.

 فمسار تفكيك حزب العمال في تركيا يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين أنقرة والقوى الكردية في سوريا والعراق، ويسهل على دمشق دمج «قسد» داخل مؤسسات الدولة، ويقلل احتمالات ظهور بنية عسكرية كردية عابرة للحدود. وفي المقابل، يجعل وجود الجماعات الكردية الإيرانية في العراق أربيل نقطة احتكاك مباشرة بين طهران وواشنطن، ويدفع الإقليم إلى التمسك بالحياد والوساطة.

هنا تظهر المفارقة المركزية في المعادلة الجديدة: كلما أصبح الملف الكردي أكثر إقليمية، أصبح المشروع الكردي الموحد أكثر صعوبة. فالكردي في تركيا يخضع لمسار مختلف عن الكردي في سوريا، والكردي في العراق يتحرك ضمن نظام حكم ذاتي وموازين دولية، بينما يواجه الكردي في إيران بيئة أمنية أكثر تشددا. ولا توجد اليوم قيادة كردية واحدة قادرة على تحويل هذه الجغرافيا المتعددة إلى مشروع سياسي موحد.

من هذه الزاوية، لا تبدو تركيا مجرد دولة تحاول حل مشكلتها مع حزب العمال، بل لاعبا يسعى إلى إعادة تعريف حدود الحركة الكردية في المنطقة. فالمسار القانوني الداخلي يمثل جانبا من هذه السياسة، بينما يمثل الضغط على المسارات الكردية في سوريا والعراق جانبها الإقليمي. وبحسب الرواية الإيرانية، ظهر هذا الدور أيضا في تدخل أنقرة لدى واشنطن لمنع فتح جبهة كردية ضد إيران خلال الحرب.

وفي يوليو وأغسطس 2026، غلب بذلك منطق «الاستقرار الوقائي» الذي تقوده تركيا، مع تقاطع واضح مع الأولويات الامريكية والإيرانية والعراقية، وإن اختلفت أهداف كل طرف. الدول الأربع لا تتعامل مع الملف الكردي بالطريقة نفسها، لكنها باتت تتعامل معه باعتباره ملفا أمنيا مترابطا لا يمكن عزله داخل حدود دولة واحدة.

إقليم كردستان العراق يجد نفسه وسيطا حساسا يحتاج إلى تركيا اقتصاديا وبغداد دستوريا وإيران جغرافيا وواشنطن سياسيا ما يجعل حياده وظيفة سياسية بحد ذاتها

الكرد لم يعودوا قادرين على فرض معادلة إقليمية موحدة، لكنهم ما زالوا قادرين على تعطيل المعادلات التي تبنى من دونهم. وهذه هي المفارقة التي ستحدد المرحلة المقبلة: فكلما اتسعت قدرة القوى الإقليمية على إدارة الملف الكردي، ازدادت حاجة الكرد إلى الحفاظ على قدرتهم على المناورة بدلا من الرهان على مشروع موحد يصعب فرضه في ظل تباين ساحاتهم السياسية والأمنية.

وعليه، فإن مستقبل القضية الكردية لن يتحدد فقط بما تريده القوى الكردية، وإنما بقدرتها على التفاوض مع نظام إقليمي يعيد توزيع الأدوار والحدود والضمانات. تركيا تريد إنهاء الصراع المسلح ومنع انتقال آثاره إلى الجوار، وسوريا تريد استيعاب القوة الكردية داخل الدولة، وإيران تريد منع تحول كردها إلى جبهة خارجية، والعراق وإقليم كردستان يحاولان منع أراضيهما من أن تصبح ساحة صراع بالوكالة، بينما تعيد واشنطن تعريف شراكاتها وفق مصالحها المتغيرة.

وبذلك لم يعد السؤال الأساسي هو: هل يستطيع الكرد بناء مشروع إقليمي موحد؟ بل أصبح: إلى أي مدى يستطيعون الحفاظ على قدرتهم على المناورة داخل نظام إقليمي تتقاطع فيه مصالح تركيا والعراق وسوريا وإيران والولايات المتحدة؟

هذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

*كاتب أردني

*صحيفة"العرب"اللندنية


20/08/2026