*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
في حديقة تاريخ الشعوب، ثمة أشجار لا تُقاس عظمتها بعلوّ سيقانها، بل بعمق جذورها. تعصف بها الرياح، وتتناوب عليها الفصول، فتذبل أغصان وتنبت أخرى، غير أن الجذور الحية تبقى مصدر الحياة وسبب القدرة على التجدد. وهكذا هي التنظيمات العريقة؛ فقوتها الحقيقية لا تكمن في بقائها فحسب، بل في قدرتها على صون إرثها، وتجديد رؤيتها، ومواكبة عصرها دون أن تفقد هويتها.
يشهد العالم اليوم تحولات متسارعة تعيد رسم موازين القوى، حيث باتت الحروب والاقتصاد والتكنولوجيا تحدد مصائر الدول وفق معادلات جديدة. وفي منطقتنا، لا تزال المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية تحتدم، فيما يواصل العراق سعيه لبناء دولة مؤسسات راسخة، وسط تحديات معقدة وإرث ثقيل من الماضي. وفي خضم هذه المتغيرات، لا تستطيع الصمود والاستمرار إلا القوى التي تمتد جذورها عميقًا في التاريخ، وتمتلك في الوقت ذاته شجاعة التجدد، ومرونة التكيّف، ورؤية واضحة للمستقبل.
لقد ولد الاتحاد الوطني الكوردستاني من رحم الأزمات والكوارث التاريخية، لا بوصفه تنظيما سياسيا فحسب، بل باعتباره تعبيرا عن نهضة وطنية في مواجهة اليأس، واستجابة واعية لحاجات مرحلة استثنائية فرضت على الشعب الكوردي أقسى أشكال التحدي. ومنذ تأسيسه، لم تتجسد قوته في قدرته على حماية إرث الماضي وصون مكتسباته فحسب، بل في قدرته على قراءة التحولات، والتكيف مع متطلبات كل مرحلة، ومواصلة الحضور في قلب الأحداث.
إن تاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني هو، في جوهره، تاريخ نضال من أجل الشعب والوطن، ومواجهة للظلم والاستبداد وسياسات القمع والاقتلاع؛ وهو في الوقت نفسه تاريخ من الاختبار المتواصل وإثبات الذات في أصعب الظروف. ففي سنوات الأنفال، وتحت وطأة القصف الكيميائي على حلبجة وغيرها من المناطق، وفي محطات النزوح والتهجير، وإحراق القرى، والحصار والجوع، وفي الجبال وبين صفوف البيشمركە، وفي ميادين العمل السياسي والتنظيمي السري، خاض الاتحاد الوطني الكوردستاني امتحانات قاسية صنعت تجربته ورسخت هويته.
لم تكن تلك المحن مجرد صفحات مؤلمة في ذاكرة التنظيم، بل كانت المدرسة التي تشكلت فيها خبرته السياسية والنضالية، وتبلورت فيها قدرته على الصمود والمواجهة. ومن رحم تلك التجارب، تراكم رصيد تاريخي بات يمثل رأس المال الحقيقي للاتحاد الوطني الكوردستاني؛ فالقوة لا تقاس بطول العمر التنظيمي وحده، ولا بعدد المحطات التي مر بها، وإنما بحجم التضحيات التي قدمها، وعمق التجربة التي راكمها، وقسوة النضال الذي خاضه، وبالثقة والمكانة اللتين استطاع أن يرسخهما في وجدان أبناء شعبه.
ولهذا، فإن إرث الاتحاد الوطني الكوردستاني ليس مجرد ماض يستعاد، بل مسؤولية تاريخية يجب أن تتحول إلى قوة متجددة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
لكن التاريخ، مهما بلغت قدسيته، لا يستطيع أن يصنع المستقبل بمفرده. فالمستقبل لا تصنعه القوى التي تكتفي باستعادة الماضي، بل تلك التي تمتلك شجاعة التعلم منه، وتستخلص من تجاربه دروسا جديدة، وتحول إرثها التاريخي إلى طاقة قادرة على مواكبة الحاضر وصناعة الغد. وفي عالم سريع التحول، لم يعد التغيير ترفا أو خيارا مؤجلا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة ومتغيراتها المتسارعة.
ومن هنا، فإن استمرار أي تنظيم حي وفاعل يتطلب مراجعة مستمرة لأساليب العمل والإدارة، وتجديدا في الفكر والرؤية، وانفتاحا أوسع على الشباب والنساء، واستثمارا حقيقيا في التكنولوجيا والتحول الرقمي، إلى جانب بناء مؤسسات راسخة تقوم على الكفاءة والانضباط والمساءلة، وتكون قادرة على تحويل المبادئ إلى سياسات وممارسات تتناسب مع متطلبات العصر.
فالتغيير لا يعني التخلي عن المبادئ، ولا التفريط بالهوية أو الذاكرة، بل يعني تجديد الوسائل التي تحمي تلك المبادئ وتمنحها القدرة على الاستمرار. وكما أن الشجرة، مهما كانت جذورها عميقة ومتينة، تحتاج إلى الماء والهواء والضوء لكي تبقى حية ومثمرة، فإن التنظيم السياسي، مهما كان رصيده التاريخي عظيما، يحتاج إلى التجدد والانفتاح والإصلاح كي لا يتحول إرثه إلى مجرد ذاكرة.
وفي المقابل، فإن شجرة بلا جذور لا تصمد أمام أول عاصفة؛ وكذلك التنظيم الذي يفقد صلته بتاريخه ومبادئه يفقد جزءا من هويته وشرعيته. فالقوة الحقيقية لا تكمن في الجذور وحدها، ولا في الأغصان الجديدة وحدها، وإنما في التوازن بين الجذور والساق والأغصان والأوراق: جذور تحفظ الهوية، وساق تحمل المبادئ، وأغصان تتسع للمستقبل، وأوراق تتجدد مع كل موسم.
وهكذا، فإن الوفاء لتاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني لا يكون بتكرار الماضي، بل بتحويل تضحياته وتجربته إلى أساس لإصلاح الحاضر وبناء مستقبل أكثر قوة ومؤسسية وقدرة على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
والاتحاد الوطني الكوردستاني، بوصفه شجرة راسخة من أشجار النضال الوطني، تمتد جذوره عميقا في التاريخ والتضحيات، وفي مسيرة البيشمركە والكفاح من أجل الحرية والكرامة. أما ساقه، فتتمثل في الثقة التي منحتها له جماهيره والتفت حوله على امتداد عقود، بينما تمثل أغصانه الأجيال الجديدة، والكوادر، والمثقفين، والشباب الذين يحملون مسؤولية استمراره وتجديد حضوره. أما أوراقه، فهي الفكر والبرامج والسياسات وآمال الناس وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل.
لكن الأوراق، مهما كانت خضراء، لا تستطيع أن تبقى حية إذا انقطع عنها الماء، والجذور، مهما كانت عميقة، لا تمنح الشجرة ثمارا ما لم تتصل بالحياة. وماء هذه الشجرة هو الثقة العامة، والشفافية، والإصلاح، والاقتراب الحقيقي من المواطنين، والاستماع إلى احتياجاتهم وتحويلها إلى سياسات وممارسات ملموسة. أما هواؤها، فهو حرية التفكير، وقبول الاختلاف، والإصغاء إلى النقد، والشجاعة في مراجعة الأخطاء وتصحيح المسار؛ لأن أي تنظيم يغلق نوافذه أمام التغيير، ويمنع عنه هواء النقد والتجديد، قد يحتفظ بجذوره، لكنه يفقد قدرته على النمو.
وفي هذه الحديقة السياسية والتاريخية، لا يمثل اسم مام جلال مجرد اسم قائد تاريخي، بل يجسد مدرسة سياسية وفكرية تركت أثرا عميقا في مفهوم العمل الوطني وإدارة الاختلاف وصناعة التوافق. فقد ارتبطت تجربته بفكرة أساسية مفادها أن السياسة، قبل أن تكون وسيلة للوصول إلى السلطة، هي مسؤولية لبناء الثقة وحماية المصلحة العامة وخدمة الوطن.
وكان يؤكد، في جوهر رؤيته السياسية، أن وضع مصلحة الوطن فوق المصالح الفردية والحزبية الضيقة هو الطريق الذي يجعل النجاح مكسبا للجميع، لا امتيازا لفئة دون أخرى.
وهذه الفلسفة لا ينبغي أن تبقى مجرد إرث من الماضي، بل يمكن أن تتحول إلى بوصلة حية تهدي الاتحاد الوطني الكوردستاني في مسيرته نحو المستقبل، وتساعده على الجمع بين أصالة الجذور وضرورات التجدد، وبين الوفاء للتاريخ والاستعداد لصناعة مرحلة جديدة.
وفي هذه الحديقة، لا يمثل اسم الرئيس مام جلال مجرد اسم قائد تاريخي، بل اسم مدرسة فكرية وسياسية ترى أن السياسة، قبل كل شيء، هي فن صناعة الثقة، لا مجرد الوصول إلى السلطة. وكان يؤكد دائما أن وضع مصلحة الوطن فوق المصالح الفردية يجعل النجاح نصيبا للجميع. وهذه الفلسفة ما تزال قادرة، حتى اليوم، على أن تكون بوصلة الاتحاد الوطني الكوردستاني في طريقه نحو المستقبل.
واليوم، يحتاج الاتحاد الوطني الكوردستاني، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة روح التجدد، لا الاكتفاء باستعادة الماضي. فالأجيال الجديدة لا تعيش أسئلة الأمس، ولا تنتظر إجابات محفوظة من تجارب الأمس؛ إنها تطرح أسئلة مختلفة، وتبحث عن حلول تتناسب مع واقع جديد ومتغير. والناس اليوم يريدون دولة ومؤسسات أكثر كفاءة، وعدالة تضمن تكافؤ الفرص، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وخدمات أفضل، وإدارة أكثر شفافية ومسؤولية. وهذه المطالب لا يمكن الاستجابة لها بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى إدارة رشيدة، وبرامج واضحة، ومؤسسات فاعلة، وإرادة سياسية حقيقية تجعل الإصلاح ممارسة يومية لا عنوانا مؤجلا.
ومن هنا، ينبغي أن يبقى الاتحاد الوطني الكوردستاني قوة للنهوض، لكن نهضته المقبلة يجب أن تبدأ من داخله. إنها نهضة تقوم على إصلاح المؤسسات، وتجديد آليات العمل، وإفساح المجال أمام الكفاءات، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، واستعادة الثقة، وتجديد الخطاب السياسي بما يجعله أكثر قربا من المجتمع وأكثر قدرة على التعبير عن تطلعاته.
فالإصلاح الحقيقي لا يعني هدم ما تحقق، وإنما إعادة بناء ما يحتاج إلى التطوير، وتصحيح ما أثبتت التجربة أنه لم يعد كافيا، وفتح الأبواب أمام طاقات جديدة قادرة على حمل المشروع إلى المستقبل. والتجديد لا ينتقص من مكانة الأجيال التي أسست وناضلت، بل يحفظ تضحياتها من خلال ضمان استمرار المشروع الذي من أجله قدمت تلك التضحيات.
إن القوة التي ترفض تغيير نفسها، ستجد نفسها عاجلا أم آجلا أمام تغييرات يفرضها عليها الآخرون. أما القوة التي تمتلك شجاعة التجدد بإرادتها، وتراجع تجربتها بصدق، وتصحح أخطاءها، وتفتح مؤسساتها أمام الكفاءات والأفكار الجديدة، فإنها لا تكتفي بمواكبة التغيير، بل تصبح شريكا في صناعته، وربما القوة التي تحدد اتجاهه.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الوطني الكوردستاني ليس كيف يحافظ على ما كان عليه، بل كيف يحافظ على جوهره ومبادئه، وهو يتغير بما يكفي ليبقى حيا وفاعلا ومؤثرا في المستقبل. فالأحزاب التي تعرف كيف تتجدد دون أن تفقد جذورها، هي التي تستطيع أن تتحول من ذاكرة للنضال إلى قوة لصناعة المستقبل.
إن مستقبل الاتحاد الوطني الكوردستاني لا يكمن في ماضيه المجيد وحده، مهما كان ذلك الماضي حافلا بالتضحيات والإنجازات، بل في قدرته على تحويل هذا الإرث إلى قوة حية تبني غدا أفضل. فالأشجار العظيمة لا تقاس بعمرها، ولا بعظمة جذوعها، وإنما بقدرتها على مواصلة الحياة؛ على أن تنقل الماء من جذورها إلى أغصانها وأوراقها، وأن تحافظ على نبضها الداخلي مهما تعاقبت الفصول وتبدلت الظروف.
وهكذا هو الاتحاد الوطني الكوردستاني: إذا بقيت جذوره ممتدة في التاريخ والتضحيات، وكان ماؤه من الثقة العامة، وهواؤه من الحرية والانفتاح، وثمره في خدمة المواطنين وتحقيق تطلعاتهم، فإنه لن يكون مجرد ذاكرة تنتمي إلى الماضي، بل سيظل قوة سياسية ووطنية حية، تستمد من أمجاد الأمس مسؤوليتها تجاه اليوم، ومن تجربة الأمس قدرتها على صناعة مستقبل كوردستان.
فالماضي يمنح الجذور عمقها، لكن الحاضر هو الذي يمنح الشجرة حياتها، والمستقبل هو الذي يختبر قدرتها على الإثمار. ولذلك فإن الوفاء لتاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني لا يكون فقط باستحضار ما قدمه رجاله وبيشمركته من تضحيات، بل بتحويل تلك التضحيات إلى مشروع متجدد، يضع الإنسان في مركز اهتمامه، ويمنح الأجيال الجديدة مساحة أوسع للمشاركة وصناعة القرار، ويجعل من الإصلاح والتجدد امتدادا طبيعيا لمسيرة النضال.
وما دامت جذور هذه الشجرة حية في قلوب الناس، وممتدة في تراب الوطن، فلن تكون العواصف كافية لاقتلاعها. فقد تهز الرياح أغصانها، وقد تتساقط بعض أوراقها، وقد تمر عليها مواسم قاسية، لكنها تظل قادرة على استعادة اخضرارها ما دامت جذورها حية.
إن الشجرة التي تضرب جذورها عميقا في ثقة الناس وتراب الوطن، تعرف طريقها إلى الربيع مهما طال الشتاء. وكذلك الاتحاد الوطني الكوردستاني، إذا امتلك شجاعة التجدد، وصدق الإصلاح، ووفاءه لجذوره، فإنه يستطيع أن يجعل من تاريخه قوة للمستقبل، ومن إرثه جسرا تعبر عليه أجيال كوردستان نحو غد أكثر أمنا وحرية وكرامة.