كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة – الدورة الـ81
الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
السيد الرئيس، أصحاب الفخامة، رؤساء الدول والحكومات، السيد الأمين العام، المندوبون الكرام،
أحييكم جميعا باسم دولتي وشعبي، ويسرني أن أتوجه إليكم مرة أخرى من على هذه المنصة. وأتمنى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين كل النجاح، وأن تكون هذه الدورة خيرا على البشرية جمعاء، ولا سيما على المظلومين.
وأود أن أعرب عن تقديري للسيدة أنالينا بيربوك، رئيسة الدورة السابقة للجمعية العامة، وأتمنى التوفيق للسيد خليل الرحمن، الذي تولى رئاسة الدورة الحالية. كما أعرب عن امتناني لصديقي السيد أنطونيو غوتيريش، الذي تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة لنحو عشر سنوات، وأدى مهمته بشجاعة وحياد وموضوعية.
81 عاما على تأسيس الأمم المتحدة
عندما تم توقيع ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، تعهدت الدول المؤسسة بإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، وبالتأكيد على الإيمان بحقوق الإنسان وكرامة الفرد، وإيجاد الظروف التي تكفل العدالة واحترام الاتفاقيات، والعيش معا بسلام وحسن جوار، وصون السلم والأمن الدوليين.
لقد مرت 81 عاما على توقيع الميثاق، وما زلنا ننتظر أن يتحول هذا الوعد إلى واقع.
ولا نحتاج إلى النظر بعيدا. يكفي أن ننظر إلى المشهد العالمي خلال الأشهر والسنوات الأخيرة. فقد شهد العالم أكثر من 60 نزاعا وحربا، من غزة وأوكرانيا وروسيا إلى ميانمار ودارفور وإيران ولبنان، وفقد نحو 250 ألف شخص حياتهم، فيما عانى عدد أكبر بكثير من آلام لا توصف، واضطر مئات الآلاف إلى مغادرة الأراضي التي ولدوا ونشأوا فيها.
غزة وفلسطين
في غزة وحدها، خلال السنوات الثلاث الماضية، فقدنا 74 ألفا من أشقائنا وشقيقاتنا، بحسب الأرقام التي عرضها أردوغان في كلمته، ومعظمهم من النساء والأطفال. وما زال سكان غزة يبحثون عن أحبائهم تحت الأنقاض، ويحاولون العثور على جثث آبائهم وأمهاتهم وأطفالهم.
لقد فقد آلاف الأطفال أطرافهم نتيجة الحرب، ويحاولون العودة إلى الحياة باستخدام أطراف صناعية بدائية.
وفي مستشفيات غزة، لا تعمل نسبة كبيرة من مولدات الكهرباء بسبب نقص الوقود.
وأقول ذلك بصفتي أبا وجدا يحب أبناءه وأحفاده: **غزة اليوم ليست فقط أكبر مقبرة للأطفال في العالم، بل أصبحت أيضا المكان الذي يشهد أعلى معدلات بتر أطراف الأطفال في العالم.**
لقد تحولت غزة إلى مكان بالغ القسوة والإنسانية فيه مهددة بصورة غير مسبوقة.
لقد تحقق وقف إطلاق النار بفضل جهود الرئيس الامريكي دونالد ترامب ومساهمات دول عديدة، من بينها تركيا، إلا أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ وقف إطلاق النار تجاوز 1500 شخص، وفقا لما أورده أردوغان في كلمته.
كما أن الحكومة الإسرائيلية ترفض إنهاء الاحتلال، فيما تشهد الضفة الغربية عنف المستوطنين، وفي القدس يحرم المسلمون والمسيحيون من الوصول إلى الأماكن المقدسة.
وهناك أيضا محاولات لتدمير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين **الأونروا**، وهي مبادرة جماعية للأمم المتحدة.
المسألة الفلسطينية قضية ضمير إنساني
سأتحدث اليوم من القلب، وبكل صراحة ومن دون تحفظ.أنا لا أتحدث هنا باعتبارها مسألة شخصية تخص رجب طيب أردوغان، وإنما باعتبارها قضية إنسانية ومسألة ضمير بالنسبة إلينا جميعا.
نحن أمام وضع بالغ الخطورة، وأمام ما وصفته الكلمة بأنه **عقلية إبادة جماعية**.
ولا يمكن لأي إنسان يمتلك الرحمة والتعاطف ويدافع عن العدالة أن يبقى غير مبال أمام هذا المشهد.
إن هذا المشهد ينبغي أن يصدمنا جميعا.
وما يكشفه بوضوح هو أن الأمم المتحدة، التي أنشئت قبل 81 عاما لصون السلام والأمن الدوليين، لم تعد قادرة على أداء هذه المهمة، أو بالأحرى، تم منعها من القيام بها.
إن شعوب السودان وفلسطين ولبنان وغيرها من مناطق الأزمات تتطلع إلى الأمم المتحدة، وهي تشعر اليوم بخيبة أمل عميقة.
لكنني أريد أن أذكر الجميع بأن الشعوب ستلجأ في يوم من الأيام إلى الضمير الجماعي للبشرية.
إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن
إذا كنا ملتزمين فعلا بإعادة الثقة إلى الأمم المتحدة والنظام الدولي، فعلينا أن نتخذ خطوات واضحة.
فلا يمكن أن تخضع إرادة 193 دولة لإرادة خمس دول،هذا النظام غير عادل، ولا يساعد على إعادة الثقة.
ولهذا ينبغي إصلاح مجلس الأمن على أساس واضح: العالم أكبر من خمس قوى وخمس دول.
لقد تغير العالم، وتطورت التكنولوجيا، وتغيرت موازين القوى، ولذلك نحن بحاجة إلى نظام دولي أكثر إنصافا وعدلا.
وأود أن أشارككم عددا من المبادئ الأساسية:
أولا، يجب تغيير الذهنية الحالية، بحيث يطبق القانون الدولي بصورة متساوية، سواء تعلق الأمر بالأقوياء أو الضعفاء.
فإذا استمر الالتفاف على النظام الدولي والإفلات من العقاب، فإن هذا النظام سيكون مصيره الاضمحلال.
ثانيا، علينا تعزيز الملكية الإقليمية باعتبارها وسيلة فعالة لمعالجة الأزمات.
ثالثا، نحن بحاجة إلى نهج يقوم على التواصل والتعاون والدبلوماسية، ووضع هذه العناصر في صميم العلاقات بين الدول. فقد علمنا التاريخ، من خلال تجارب مريرة، أنه لا يوجد منتصر في غياب الثقة.
رابعا، علينا بناء نهج جديد يعالج عدم المساواة في الدخل والتنمية، من خلال التنمية الجماعية والتضامن والتواصل، وبناء المجتمعات المرتبطة بالطرق وشبكات الطاقة والتجارة والإنتاج المشترك.
وأخيرا، يجب أن يكون الإنسان في مركز هذا النهج، وأن نمنع الفجوة بين من يحصلون على التكنولوجيا ومن يحرمون منها. فالاستقطاب والهيمنة التكنولوجية لا يخدمان النظام الدولي ولا مصالح الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
تركيا وغزة والمنطقة
تركيا لن تكتفي بشرح هذه المبادئ، بل ستعمل من أجل نظام أكثر إنسانية وإنصافا.ومن خلال التعاون الدفاعي مع المملكة العربية السعودية وباكستان، واستنادا إلى الملكية الإقليمية، نعزز التضامن ونسعى إلى إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه منطقتنا.ونعمل مع مختلف الأطراف من أجل الابتعاد عن حالة الحرب التي تشهدها منطقة الخليج، لأن أي محاولة لتوسيع رقعة المواجهة والنزاعات إلى المناطق المجاورة لن تخدم أحدا.
وبالنسبة إلى غزة، فإننا ما زلنا ملتزمين باتفاق شرم الشيخ، وعلينا أن نبدأ بإعادة إعمار غزة في أقرب وقت ممكن.وأدعو الجميع إلى زيادة الضغط على إسرائيل.ويجب أن يفهم الجميع أن أي محاولة لخنق قيام دولة فلسطين ستفشل.
ونحن نريد أن نرى اليوم الذي تقوم فيه دولة فلسطينية مستقلة، على أساس حدود عام 1967، وذات وحدة جغرافية، وتكون القدس الشرقية عاصمتها.
سوريا
بعد 14 عاما من القمع، بدأت سوريا مسارا جديدا مع أحداث الثامن من ديسمبر، وبقيادة الرئيس أحمد الشرع، ونرى سوريا تتحرك نحو هدف واضح، وهو أن تصبح دولة آمنة تنعم بالسلام، بعيدا عن الاستفزازات الداخلية والخارجية.
وستواصل تركيا مرافقة الأشقاء السوريين في هذه الرحلة.
العراق
وفي العراق، الدولة الجارة الأخرى لتركيا، ندعم الجهود الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة والاستقرار.
ونعمل مع العراق في مجالات النقل الاستراتيجي ومشاريع الطاقة، بما يسهم في تعزيز رفاه المنطقة.
ومن بين هذه المشاريع مشروع طريق التنمية، الذي يمكن أن يؤدي دورا مهما في ربط المنطقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.
أوكرانيا والبحر الأسود
أما بالنسبة إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فنأمل بصدق أن تنتهي هذه الحرب مع الحفاظ على سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها.
ونواصل اتصالاتنا مع مختلف الأطراف لضمان سلامة الملاحة في البحر الأسود وتعزيز الأمن الغذائي ومنع انتشار النزاع إلى مناطق أخرى.
والهجمات الأخيرة على السفن التجارية في البحر الأسود، أيا كانت الجهة التي تقف وراءها، أمر غير مقبول.
كما ينبغي الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفي بحر إيجه وشرق البحر المتوسط.
شرق المتوسط وقبرص
نريد حل القضايا في شرق المتوسط على أساس حسن الجوار والقانون الدولي، ونقترح عقد مؤتمر لشرق البحر المتوسط للتوصل إلى أرضية مشتركة.
وأكرر دعوتي التي طرحتها في دورات سابقة للجمعية العامة إلى تحقيق المساواة في السيادة بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين، وإنهاء حالة العزلة المفروضة على القبارصة الأتراك.
وأدعو المجتمع الدولي إلى الاعتراف بـ**جمهورية شمال قبرص التركية** وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية معها.
تركيا وأوروبا والناتو
بفضل صناعتها الدفاعية واقتصادها القادر على الصمود، تظل تركيا، بحسب ما عرضه أردوغان، جزيرة استقرار وسط النزاعات التي تشهدها المنطقة.ونحن جزء لا يتجزأ من أوروبا، ونؤدي دورا أساسيا في ضمان أمن القارة ورفاهها.
إن قمة الناتو التي عقدت في تموز/يوليو كرست التزامنا بالأمن الجماعي.
وعندما تستثني أوروبا تركيا من هيكلها الأمني، فإن القارة لا تصبح أكثر أمنا ولا أكثر قوة.
ونحن نحدد ملامح مستقبلنا مع الاتحاد الأوروبي من خلال رؤية استراتيجية، ونتوقع رؤية مماثلة من الاتحاد الأوروبي.
البلقان والقوقاز
لدينا روابط تاريخية عميقة مع منطقة البلقان، ومن خلال منصة السلام في البلقان نتخذ خطوات مشتركة لتعميق التعاون.أما في جنوب القوقاز، فنأمل في تحقيق سلام دائم بين أذربيجان وأرمينيا، وندعم الالتزامات التي اتخذها قائدا البلدين.كما نعمل على تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا.
ومنظمة الدول التركية أصبحت مثالا على التعاون الذي يزداد عمقا وقوة عاما بعد عام.
آسيا وأفريقيا والعالم الإسلامي
القمة المقبلة لمنظمة الدول التركية، المقرر عقدها في أنقرة في أكتوبر، نأمل أن تفتح آفاقا جديدة للتعاون والشراكة.
كما أن قمة الشراكة الرابعة بين تركيا وأفريقيا، المقرر تنظيمها في ليبيا في ديسمبر، تعكس شبكة العلاقات التي تبنيها تركيا منذ أكثر من عقدين.
وفي جنوب آسيا، ينبغي حل جميع النزاعات، بما فيها نزاع كشمير، من خلال الحوار وفي إطار ميثاق الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة.
وفي أفريقيا، ندعم الجهود الرامية إلى تحقيق وقف إطلاق النار والسلام المستدام في السودان، وتعزيز الأمن والتنمية والقدرات المؤسسية في الصومال، كما نعتبر الحفاظ على الاستقرار في ليبيا من أولوياتنا.
ويجب أن تكون عملية المصالحة في ليبيا بقيادة وملكية ليبية، وستواصل تركيا دعم نجاح هذه العملية.
المناخ والأمن الغذائي
نحن نعتمد على الطبيعة في سبل عيشنا، لكن العالم يواجه اليوم أزمة مناخية عميقة، إضافة إلى أزمات المياه والتربة وتأثر الأنواع الحيوانية والنباتية.
وتواجه الدول النامية والجزر في المحيط الهادئ تحديات كبيرة، بما فيها صعوبة الحصول على التمويل اللازم.
وستستضيف تركيا في أنطاليا مؤتمر الأطراف بشأن تغير المناخ COP31 في نوفمبر/تشرين الثاني، بهدف إعطاء أولوية للعدالة المناخية وتسريع نقل التكنولوجيا وتحويل الوعود المالية إلى خطوات ملموسة.
كما تحدث أردوغان عن مبادرة صفر نفايات التي أطلقتها عقيلته أمينة أردوغان عام 2017، والتي تحولت إلى حملة عالمية للتوعية بالحد من النفايات.
وأشار إلى حجم هدر الغذاء عالميا، داعيا إلى تعزيز الأمن الغذائي ومكافحة الهدر.
كما أعلن دعم تركيا لترشيح الدكتور محمد مهدي عاقل لمنصب المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، داعيا الدول إلى تأييد الترشيح.
الإسلاموفوبيا والعنصرية والأسرة
تواجه البشرية أيضا مخاطر اجتماعية جديدة.وأشار أردوغان إلى انتشار الإسلاموفوبيا في الغرب، وما وصفه بالتمييز المتزايد ضد النساء والفتيات المسلمات، وانتقد حظر الحجاب في بعض الدول.
كما دعا إلى مكافحة كراهية الأجانب والعنصرية ومعاداة السامية، باعتبارها اتجاهات ينبغي مواجهتها.
وتحدث أيضا عن حماية الأسرة والأطفال، وأعلن أن تركيا ستواصل إطلاق المبادرات المتعلقة بهذا المجال.
المعلومات المضللة والذكاء الاصطناعي
من المخاطر التي تهدد النظام العالمي انتشار المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي.وأصبحت مواجهة التضليل والدفاع عن الحقيقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.كما أن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات جديدة، ولا سيما فيما يتعلق بالرقابة والتنظيم.وقد طال انتظار وضع إطار قانوني عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، ولذلك ينبغي تسريع الجهود من أجل صياغة وتنفيذ اتفاقية أممية عالمية بشأن الذكاء الاصطناعي.
رسالة أردوغان الختامية
قد يزعج الواقع الذي تحدثت عنه اليوم بعض الناس، وقد يكشف الستار عن بعض الوجوه.وقد تكون هناك محاولات لإدارة الانطباعات وتحويل الانتباه.لكن حتى إذا صمتنا، فإن التاريخ لن يصمت.وحتى لو بقي التاريخ صامتا، فإن الحقيقة لن تبقى صامتة.قد يعتقد البعض أن التخلص من الأشخاص سيعني التخلص من المشكلة، لكن حتى لو تخلصوا منا، فلن يتخلصوا من عذاب الضمير، ولن يستطيعوا الإفلات من حساب التاريخ.وحتى لو أفلتوا من حساب التاريخ، فلن يفلتوا من العقاب السماوي.
وبصفتي رئيس دولة تسترشد بضميرها وتاريخها، وطالما بقيت على هذه الأرض، سأواصل الدفاع عن حقوق المظلومين ومن هضمت حقوقهم.
وسأبقى صوتا يتحدث باسمهم ويدافع عنهم ويكافح من أجلهم.
سأتحمل الصعاب، وسأدفع الثمن، لكنني لن أبقى صامتا في وجه الظلم، ولن أتنازل أمامه.
إذا واصلنا الاتجاه الذي يسير فيه عالمنا اليوم، فإن أمامنا مسارين:
إما أن نعمق حالة عدم اليقين من خلال الخوف والنزاع والعزلة، أو أن نبني مستقبلا معا من خلال العدالة والتضامن والإرادة المشتركة.
من السهل أن نلعن الظلام أو نشكو منه، لكن الأصعب هو أن نشعل شمعة تبدد هذا الظلام.
تركيا تختار المسار الثاني، وستواصل السير في هذا الطريق بصبر وأمل.وأدعو جميع الأصدقاء الذين يستمعون إلينا من هذه القاعة ومن جميع أنحاء العالم إلى تبني هذه الرؤية المشتركة لمستقبلنا.
أحييكم بأطيب التمنيات، باسمي وباسم شعبي.
وحتى نلتقي مرة أخرى، أبعث إليكم جميعا بتحياتي واحترامي.