موقع البرلمان التركي /الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان
في لقاء تقييمي شامل تناول حصيلة أعمال الدورة التشريعية ومستقبل السياسات الأمنية والإقليمية، سلط رئيس الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، نعمان كورتولموش، الضوء على التحولات الجذريّة التي تشهدها تركيا ومنطقة الشرق الأوسط.
وأكد كورتولموش أن مسار "تركيا بلا إرهاب" قد تجاوز مرحلة الخطابات السياسية والأمنيات ليصبح واقعا ملموسا يتدرج نحو التحقق بفضل التوافق الوطني الواسع والإجراءات التشريعية الحازمة.
عهد تشريعي جديد ومكتسبات ديمقراطية غير مسبوقة
وصرح كورتولموش بأن أحد أهم الأنشطة التي تم تنفيذها في هذا العام التشريعي هو عمل لجنة التضامن والأخوة والديمقراطية الوطنية التي تم إنشاؤها في الجمعية الوطنية التركية الكبرى.
صرح كورتولموش بأن عهدا جديدا قد بدأ مع اعتماد قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل الاجتماعي في الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا.
وأشار كورتولموش إلى أن هذه الدراسات تُعد من بين أكثر الأمثلة نضجا للديمقراطية التداولية في تاريخ الجمعية الوطنية الكبرى التركية، قائلا:
عقدت اللجنة 21 اجتماعا. تتألف هذه اللجنة من 51 عضوا، يمثلون 5 مجموعات حزبية و6 أحزاب. شُكّلت اللجنة بمشاركة 11 حزبا سياسيا في البرلمان. أُتيحت الفرصة للعديد من منظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، ورؤساء البرلمان السابقين، والسياسيين من مختلف مناطق تركيا وذوي التوجهات السياسية المتنوعة، للتعبير عن آرائهم بحرية تامة ودون أي قيود. استغرقت هذه الاجتماعات 90 ساعة من المداولات الجادة، وسُجّلت 4318 صفحة من محاضر الاجتماعات. عند اختتام عمل هذه اللجنة، تحقق أحد التحالفات النادرة في الديمقراطية التركية. وبموافقة 47 من زملائنا النواب، قُبل تقرير اللجنة. وبهذا القبول، فُتح الباب فعليا أمام مسيرة تركيا خالية من الإرهاب.
يُعدّ التقرير المُعدّ وثيقة بالغة الأهمية لديمقراطيتنا. فهو تقرير شامل للغاية، نُوقشت كل جملة فيه بدقة متناهية من قِبل ممثلي الأحزاب. صحيحٌ أنه لا يُغطي كل شيء، ولكنه بمثابة خارطة طريق، ورؤية عملية.
وعقب ذلك، أُقرّ مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي في الجمعية الوطنية الكبرى بأغلبية 467 صوتا. وحسب علمنا، يُعدّ هذا أعلى مستوى من التوافق، وأعلى إجماع تمّ التوصل إليه على أي مشروع قانون في الجمعية الوطنية الكبرى.
يمثل هذا التقرير بداية عهد جديد؛ فإقرار القانون بأغلبية ساحقة يعني أن هذا العهد قد فُتح على مصراعيه. وقد أدى هذا العهد إلى مسار جديد، وطريق جديد يمتد أمامنا. وكما أكدنا مرارا منذ البداية، فإن هذا الطريق يقود إلى بناء تركيا ومنطقة خالية من الإرهاب. ومن الآن فصاعدا، بإذن الله، سنشهد جميعا قيام تركيا خالية تماما من الإرهاب، في بلد يسوده الوحدة والتكاتف والأخوة والتضامن، ويتمتع بأعلى المعايير الديمقراطية.
المسالة أصبحت واقعا تدريجيا
صرح كورتولموش بأن التطورات في المنطقة تُظهر أن قضية "تركيا بدون إرهاب" ليست مجرد أمنية أو خطاب سياسي، بل أصبحت واقعا تدريجيا.
وأشار كورتولموش، في معرض حديثه عن الخطوات التي اتخذت بعد قبول مشروع قانون تعزيز التضامن الوطني والتكامل الاجتماعي وإقراره، إلى أنه في إطار هذا القانون، تم تشكيل لجنة رفيعة المستوى برئاسة نائب الرئيس جودت يلماز وبدأت عملها لتحديد ما إذا كانت المنظمة قد ألقت أسلحتها وحلت نفسها.
أكد كورتولموش أن دمج عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بسرعة ونجاح ضمن الحكومة السورية يُعد خطوة هامة نحو تحقيق منطقة خالية من الإرهاب، مضيفا: "وبالمثل، فإن عملية نزع سلاح الميليشيات المسلحة في العراق، وضمان عدم امتلاك أي جهة أخرى غير سلطة الدولة العراقية للأسلحة، وبالتالي، نأمل أن ننتقل إلى عراق لا يمتلك فيه أحد غير الدولة الأسلحة، وتكون فيه السلطة الشرعية الوحيدة هي الجهة التي تمتلك الأسلحة، في أقصر وقت ممكن."
الخطوات التي سيتم اتخاذها في البرلمان
وفي إشارة إلى الخطوات التي سيتم اتخاذها في البرلمان بشأن هذه العملية، صرح كورتولموش بما يلي:
مع افتتاح البرلمان، سيتم تشكيل لجنة المراقبة سريعا، والتي ستضطلع بدورٍ هام في هذه العملية، وستتولى المسؤولية المنوطة بها قانونا. ومن الآن فصاعدا، تقع على عاتق برلماننا ثلاث مسؤوليات: أولا، متابعة الأمر بجدية تامة حتى نهايته. ويشمل ذلك مراقبة العملية ضمن الإطار القانوني، مع مراعاة عمل المجلس المختص بنزع سلاح المنظمة الإرهابية وحلّها، وترسيخ التوافق بين هذا المجلس، برئاسة نائب الرئيس، والبرلمان. ثالثا، إجراء مفاوضات بشأن وضع لوائح قانونية جديدة عند الحاجة.
ثلاثة صمامات أمان في القانون
وأشار كورتولموش إلى أن القانون قد تمت صياغته بدقة، وذكر أنه تم تضمين ثلاثة صمامات أمان فيه وهي:
أحد هذه الضمانات هو أن القانون لن يُنفذ إلا بعد أن يُؤكد مجلس الأمن القومي، وهو أعلى هيئة حاكمة في تركيا، ويُعلن أن المنظمة تسير على المسار الصحيح في عملية حلها ونزع سلاحها. بعبارة أخرى، لن يُنفذ القانون حتى يتم حل المنظمة ونزع سلاحها.
أما الضمانة الثانية فهي اللجنة المُنشأة داخل السلطة التنفيذية للإشراف على هذه العملية، وفقا للمادة 7 من القانون... وستؤدي هذه اللجنة مهامها أيضا بتمثيل رفيع المستوى.
أما الضمانة الثالثة فهي لجنة المراقبة التي ستُنشأ داخل الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، والتي ستتابع هذه العمليات من بدايتها إلى نهايتها نيابة عن الشعب، وهي المسؤولة عن اتخاذ الترتيبات القانونية اللازمة.
تُعد هذه الضمانات الثلاث الهامة ضمانة بالغة الأهمية لهذه العملية. إذا صدر التقرير بتوافق يفوق كل توقعاتنا، فسيتم أيضا إجراء مراقبة هذه العملية والتحكم بها بنضج ديمقراطي كبير.
هذه العملية ستُنفذ بنجاح وتُختتم بإذن الله
وعند سؤاله عن آخر المستجدات المتعلقة بعملية نزع سلاح المنظمة الإرهابية، استنادا إلى التقارير الواردة من الميدان، صرح كورتولموش بأن كل شيء "يسير بسلاسة". قال كورتولموش ما يلي:"رغم تطلعات من يسعون لإثارة الفتن والاستفزاز، ومن اعتادوا على رؤية الإرهاب وإراقة الدماء في المنطقة، فإن هذه العملية ستُنفذ بنجاح وتُختتم بإذن الله. علاوة على ذلك، وكما ذكرتُ سابقا، فإن التطورات في المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق، تدعم وتعزز الإرادة نحو منطقة خالية من الإرهاب.
وفي هذا الإطار، تراقب وحداتنا المختصة وتتحكم في جميع تفاصيل عملية إلقاء التنظيم الإرهابي سلاحه وحلّ نفسه. كما سيتم رصد التطورات على أرض الواقع من خلال اللجنة المُشكّلة."
وأشار كورتولموش إلى أنه في جميع عمليات حل النزاعات تقريبا حول العالم، توجد إما دولة أجنبية أو منظمة دولية تتحكم في العملية بين المنظمات والدولة، وأوضح أن هذا يوصف بأنه "عين ثالثة".
غياب مراقب أجنبي من طرف ثالث
وصف كورتولموش غياب مراقب أجنبي من طرف ثالث بأنه أحد أهم سمات عملية "تركيا بلا إرهاب"، قائلا: "المراقب من طرف ثالث هو الأمة نفسها، أي الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا التي تمثل الأمة. وستعمل اللجنة المزمع إنشاؤها في الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا، إن صح التعبير، كلجنة تشرف على هذه العملية نيابة عن الأمة".
يجب علينا إلقاء الأسلحة في عقولنا
عندما سُئل كورتولموش: "قلتَ: 'لا يكفي إلقاء الأسلحة التي في أيدينا، بل يجب علينا أيضا إلقاء الأسلحة في عقولنا'. ماذا تقصد بذلك؟ ومن تقصد؟"، أجاب: "عندما قلتُ إنه يجب إلقاء الأسلحة في العقول، كنتُ أعني أن المنظمات الإرهابية أو من يخوضون كفاحا مسلحا يجب عليهم أيضا إلقاء هذه الأسلحة في عقولهم. ولهذا السبب، أُصرّ على ضرورة مراجعة لغتنا أولا بما يتناسب مع هذا العصر. فنحن لا نرى من الصواب استخدام لغة انفصالية أو تهميش أي فئة من المجتمع بلغة تمييزية."
أكد كورتولموش أن الأتراك والكرد لم يصلوا إلى هنا نتيجة حرب أهلية، بل هم أمة عاشت جنبا إلى جنب كإخوة لقرون، وأنهم في بداية عملية جمع وتوحيد الأجزاء التي شتتها الإمبرياليون عبر مساحة جغرافية شاسعة على مدى قرن من الزمان.
"نحن بحاجة إلى تصحيح لغاتنا، ونحن بحاجة إلى تصحيح عقولنا"، قال كورتولموش، مضيفا أنه من الضروري التحدث بشكل بنّاء، كما هو مطلوب في جو من السلام والأخوة.
صرح كورتولموش قائلا: "نحن الأتراك والكرد والعلويون والسنة وجميع الناس من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب والأعراق الذين يعيشون في هذه الأراضي واحد، نحن معا، ويجب علينا الابتعاد عن أي كلمات أو أي جهد فكري من شأنه أن يضر بهذه الوحدة والتضامن أو يسبب التردد. هذا ما أقصده."
تركيا بحاجة إلى دستور جديد شامل وديمقراطي
صرح كورتولموش بأن تركيا بحاجة إلى دستور جديد شامل وديمقراطي ومتكامل يدعم حقوق الإنسان وحرياته ويؤكد سيادة القانون، معتبرا ذلك "ضرورة". وأكد كورتولموش أن الوقت قد حان لذلك، وتابع قائلا:
لقد أثبت لنا عمل لجنة التضامن والأخوة والديمقراطية الوطنية، والتوافق الذي قدمته في تقريرها، أمرا واحدا: أن الجمعية الوطنية الكبرى التركية قادرة على تطبيق الديمقراطية التداولية بجدية بالغة. إن برلمانا يضم هذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية ووجهات النظر المتنوعة هو في الواقع البرلمان الأنسب لصياغة دستور جديد. لا يملك أي حزب بمفرده أغلبية تمكنه من صياغة دستور. يجب على الأحزاب أن تتحد معا لإنشاء دستور قوي وديمقراطي وتشاركي - لكل حزب دستوره المثالي - دستور يلبي احتياجات تركيا الحالية ويقودها نحو المستقبل.
الابعاد الإقليمية: نحو عراق وسوريا خاليتين من الإرهاب
على الصعيد الإقليمي، ربط كورتولموش بين الاستقرار الداخلي لتركيا والتحولات الإيجابية في دول الجوار، مؤكدا أن التطورات في كل من سوريا والعراق تصب في مصلحة بناء إقليم آمن: الملف السوري: أشاد بالخطوات السريعة نحو دمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع التأكيد الثابت على وحدة أراضي سوريا ومحاربة الإرهاب.
الملف العراقي: لفت الانتباه إلى التوافق السياسي العراقي على نزع سلاح الميليشيات وحصر السلاح بيد السلطة المركزية للدولة وحدها، مشيرا إلى أن الخطوات العملية الميدانية في هذا السياق تبدأ تباعا، مما سيعفي العراق من شبح الجماعات المسلحة.