*محمد شيخ عثمان
بين "نعم" مضمون والبدائل الدولية
..
لو طرح على أي كردي او من اية امة اخرى ، وفي أي زمان ومكان، سؤال عن الاستقلال، أو عن حلم شعبه بدولة مستقلة، أو حتى استفتاء مباشر حول هذا الحق، فبالتأكيد سيكون صوته «نعم»، وهذه ليست مسألة تحتاج الى كثير من الجدل؛ فصوت شعب كردستان في هذا الشأن معروف، وتطلعه الى الحرية وتقرير المصير ليس وليد استفتاء 25 ايلول 2017،لكن السياسة والدولة لا تبنيان قراراتهما على الرغبات وحدها، فالاستفتاء، حين يجري من طرف واحد، يمكن أن يكون تعبيرا ديمقراطيا عن إرادة شعب ورغبة سياسية، لكنه لا يتحول بمجرد إعلان نتيجته الى قرار نافذ بإنشاء دولة مستقلة وهذا تحديدا ما كشفته تجربة استفتاء كردستان عام 2017.
لقد قال شعب كردستان كلمته بوضوح، وكانت النتيجة الكبرى «نعم». لكن ماذا قالت بغداد؟ وماذا قالت واشنطن؟ وماذا قال مجلس الأمن والأمم المتحدة؟ وماذا قالت دول الجوار والمنطقة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا؟
الصورة كانت واضحة: لم تكن هناك موافقة عراقية أو دولية على الاستقلال من خلال استفتاء أحادي الجانب، بل على العكس، كانت المواقف الدولية، بما فيها الموقف الامريكي، تعتبر الاستفتاء خطوة أحادية الجانب وغير ملزمة، وتؤكد دعمها لعراق موحد وفيدرالي، مع الدعوة الى حل القضايا العالقة بين بغداد وأربيل عبر الحوار والتفاوض.
ومن هنا، فإن قراءة تجربة الاستفتاء بعد سنوات يجب ألا تتوقف عند سؤال: هل كان الشعب الكردي يريد الاستقلال؟نعم، كان يريد الاستقلال، وصوّت له.
السؤال السياسي الحقيقي هو: هل كانت الظروف والضمانات والموازين الدولية تسمح بتحويل تلك الـ«نعم» الى دولة مستقلة؟ والجواب الذي قدمته الأحداث والمواقف الدولية كان واضحا: لا.
بدائل مطروحة
لقد كان العالم كله تقريبا يطالب بتأجيل الاستفتاء، لكن التأجيل لم يكن، في جوهر المبادرات الدولية، دعوة الى التخلي عن حق الشعب الكردي أو دفن حلم الاستقلال بل كانت هناك بدائل مطروحة تقوم على فتح مسار تفاوضي جدي بين بغداد وأربيل، بدعم امريكي وأممي ودولي، لمعالجة الملفات العالقة وترتيب العلاقة المستقبلية بين الطرفين. وقد أكدت بريطانيا صراحة أن البديل المقترح كان يهدف الى إتاحة الفرصة لمعالجة القضايا الخلافية وفتح الطريق أمام تلبية تطلعات الشعب الكردي.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية، كان بإمكان «نعم» الشعبية أن تبقى ورقة قوة، وكان يمكن تأجيل الاستفتاء مقابل ضمانات ومسار دولي واضح، بدلا من تحويل النتيجة الى مواجهة مفتوحة مع بغداد ودول الجوار والمجتمع الدولي،فالجميع كان يعرف أن الكرد سيقولون «نعم» وربما كان المجتمع الدولي يعرف ذلك قبل الكرد أنفسهم.
لكن السؤال الذي كان مطروحا أمام القيادة الكردستانية لم يكن: هل سيقول الشعب «نعم»؟ بل: ماذا سنفعل بهذه الـ«نعم» في اليوم التالي؟
لقد كانت هناك فرصة لأن تتحول الإرادة الشعبية الى قوة تفاوضية وسياسية ودبلوماسية كبيرة، إذا ما اقترنت بمسار دولي وضمانات حقيقية لحل قضايا بغداد وأربيل، والولايات المتحدة نفسها قالت إن البديل المطروح كان يمكن أن يفتح طريقا لمعالجة المظالم والقضايا العالقة، وحذرت من أن إجراء الاستفتاء سيغلق هذا المسار ويزيد الكلفة على الجميع، بمن فيهم الكرد، لكن القرار ذهب في اتجاه آخر.
بين القلب والعين
كان القلب مع الوعود والتطمينات التي تقول إن النتيجة مضمونة، وإنه في حال فشل المسعى سيكون هناك من يتحمل المسؤولية والضريبة أما عيون الآخرين فكانت ترى شيئا مختلفا: تحذيرات دولية متتالية، رفضا عراقيا، قلقا إقليميا، غيابا للاعتراف الدولي، وغيابا لأي توافق يمكن أن يحول نتيجة الاستفتاء الى استقلال فعلي.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، لم تتحول الـ«نعم» الى دولة، بل دخل الإقليم في مرحلة من الخسائر والتراجع والضغط السياسي والاقتصادي والأمني، وانتهت الأزمة الى أحداث 16 تشرين الأول 2017 واستعادة بغداد السيطرة الاتحادية على كركوك ومناطق متنازع عليها.
وقد وثقت الأمم المتحدة أن الحكومة الاتحادية اتخذت بعد الاستفتاء خطوات لإعادة بسط السلطة الاتحادية على المعابر والمناطق المتنازع عليها، وأن القوات الاتحادية تحركت في 16 تشرين الأول نحو كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها .
انطلاقا من هذه الحقائق فإن إعادة قراءة تجربة الاستفتاء اليوم لا ينبغي أن تكون دفاعا عن «نعم» أو هجوما عليها فالـ«نعم» كانت واضحة ومشروعة كتعبير عن رغبة شعب.لكن إدارة الـ«نعم» سياسيا كانت هي الاختبار الحقيقي،والتاريخ لا يسأل الشعوب فقط ماذا تريد، بل يسأل القيادات أيضا: كيف تحافظ على ما حققه شعبك؟ وكيف تحول رغبته الى مكاسب سياسية ودبلوماسية؟ وكيف تعرف متى تصر، ومتى تفاوض، ومتى تؤجل خطوة من أجل تحقيق الهدف نفسه بشروط أفضل؟
ربما كان الاستفتاء قد نجح في إيصال صوت شعب كردستان الى العالم بصورة لا لبس فيها.
لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحا هو: هل كان يمكن الوصول الى النتيجة نفسها، أو الى ما هو أبعد منها، بخسائر أقل ومكاسب أكبر، لو تم قبول البدائل والضمانات الدولية؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى أمام التاريخ، وأمام الأجيال القادمة، لا للتخوين ولا لتصفية الحسابات، وإنما لاستخلاص درس سياسي من تجربة دفعت كردستان والعراق ثمنا كبيرا لها.