×

  جميع المواضيع

  رحيل امريكا.. فرصة للسيادة أم بوابة لعدم الاستقرار؟



*عماد أحمد

ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن كوردستاني نوى

يفتح انسحاب القوات الامريكية من العراق وإقليم كوردستان صفحة جديدة في تاريخ العراق ما بعد عام 2003، ويضع العراق الاتحادي أمام سؤال صعب: هل هو مستعد لملء هذا الفراغ، أم أن الأراضي العراقية ستتحول مرة أخرى إلى ساحة للتنافس بين القوى الداخلية والخارجية؟

إن بقاء القوات الأجنبية ليس حلا دائما لمشكلات العراق. فمن المفترض أن تكون كل دولة مسؤولة عن حماية أراضيها وسيادتها، غير أن السيادة لا تتحقق بمجرد رحيل القوات الأجنبية، بل إن السيادة الحقيقية تتطلب دولة قوية، وقانونا نافذا، ومؤسسات وطنية، وسلاحا لا يكون إلا في يد الدولة.

وتُعدّ محاولات حكومة علي الزيدي للسيطرة على السلاح والحد من نفوذ الميليشيات خطوة ضرورية، إلا أن الطريق ليس سهلا، فالقوى التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة تمتلك، منذ سنوات، نفوذا سياسيا واقتصاديا وعسكريا،ولا يمكن معالجة هذا الوضع بالشعارات وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية، وعدالة، ودعم جميع القوى الوطنية.

وتحت جسر شارع مولوي في السليمانية، كان رجلان من أصحاب المحال يقفان أمام متجريهما، فقال أحدهما بقلق:(يقولون إن القوات الامريكية ستنسحب، فماذا سيحدث بعد رحيلها؟ ومن سيملأ هذا الفراغ الأمني؟ ألا يمكن أن تعود أنظار أعداء كوردستان إلى هذه الأرض مرة أخرى؟)

فأجابه الآخر: (كان الأستاذ شوان هنا أمس، وكان يقول: هناك مخاطر، لكن اليأس ليس حلا)

والسؤال الأهم هو: ماذا أعددنا نحن لمرحلة ما بعد رحيلهم، وماذا نفعل الآن استعدادا لها؟

هذه ليست مجرد محادثة بين صاحبَي محل، بل هو تساؤل يشغل شريحة واسعة من سكان العراق وإقليم كوردستان، فالناس يعرفون، من خلال تجارب الماضي، أن فراغ القوة يُملأ سريعا؛ فإذا لم تملأه الدولة، فإن قوة أخرى ستسعى إلى فرض سيطرتها عليه.

وإقليم كوردستان يعرف هذا الخطر ويدركه أكثر من أي طرف آخر.

فبعد كارثة ونزوح عام 1991، أسهم قرار مجلس الأمن وإنشاء منطقة الحظر الجوي عند خط العرض 36 في توفير ملاذ جوي لعودة السكان وإعادة بناء الحياة، وبعد انسحاب مؤسسات النظام، أُجريت الانتخابات وتشكلت أول حكومة للإقليم،كما كان للدعم الامريكي ودعم الحلفاء، في مراحل مختلفة، دور مهم في حماية تلك التجربة.

وفي الحرب ضد تنظيم داعش، ظهر مرة أخرى أن الإقليم، بحكم موقعه الجغرافي وحجمه السياسي والاقتصادي، لا يزال بحاجة إلى مساعدة الحلفاء، فتهديد داعش لا يزال قائما، كما أن المنطقة تعيش في ظل التنافس بين الولايات المتحدة وإيران، فضلا عن الحروب وحالة عدم الاستقرار.

وفي وضع من هذا النوع، يمكن أن يؤدي الانسحاب السريع وغير المخطط له للقوات الحليفة إلى خلق فراغ قد يستغله أعداء الإقليم، وكذلك الجماعات المسلحة، لتحقيق أهدافهم. لكن حماية الإقليم لا يمكن أن تعتمد فقط على بقاء القوات الأجنبية. فالخلافات الداخلية، وعدم توحيد الموقف الوطني، وضعف المؤسسات، كلها عوامل تقلل من قدرة الإقليم على الدفاع عن نفسه.

الحليف مهم، لكن لا يمكن لأي حليف أن يحل محل الوحدة الداخلية والقوة الوطنية.

وقد كان الاتحاد الوطني الكوردستاني، في المراحل الصعبة من التاريخ، طرفا رئيسيا ومشاركا أساسيا في حماية تجربة الإقليم. واليوم أيضا، من الضروري أن يعمل بالروح نفسها من المسؤولية من أجل توحيد قوات ال(پێشمەرگە)، وحماية كيان الإقليم، ومعالجة المشكلات عبر الدستور والحوار.

ويمكن أن يكون رحيل امريكا فرصة لتعزيز سيادة العراق، شريطة أن تسيطر الدولة على السلاح، وأن يُطبَّق القانون على الجميع، وأن تستعيد ثقة الشعب، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن الانسحاب قد يتحول إلى بوابة لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

أما بالنسبة إلى إقليم كوردستان، فإن حماية تجربته لا تتحقق فقط من خلال وجود الحلفاء، بل من خلال وحدة قوات ال(پێشمەرگە) والإرادة الوطنية الكوردستانية.


27/09/2026