×

  جميع المواضيع

   رحيل صمام أمان العراق ..غياب طراز فريد من رجال الدولة



*هورين حسن

إرث "مام جلال" ودور الأبناء

 

لا يُقاس حضور القادة في المشاهد السياسية المعقدة بعدد سنوات بقائهم في السلطة، بل بحجم الفراغ الذي يتركه رحيلهم في بنية الدولة ومفاصل قرارها.

واليوم، ومع حلول الذكرى السنوية التاسعة لوفاة الرئيس العراقي الأسبق، جلال طالباني (مام جلال)، يتجاوز استذكاره حدود المراسم البروتوكولية التلقائية، ليتحول إلى مراجعة نقدية وحاجة تفسيرية ملحة للمشهد الراهن.  

لم يكن طالباني مجرد رئيس مر عبر قصر السلام في حقبة انتقالية عاصفة، بل كان المؤسس الحقيقي لما يمكن تسميته بـ "مدرسة هندسة التوافق"؛ تلك المقاربة السياسية الفريدة التي نقلت الحكم من حيز الإكراه والمغالبة إلى مساحات الحوار وصناعةالمشتركات.

من هنا، يكتسب الوصف الشهير الذي أطلقه عليه المرجع الديني الأعلى،السيد علي السيستاني بأنه "صمام أمان العراق" دلالة بنيوية عميقة؛ إذ لم يكن اللقب تزكية عاطفية، بل توصيفا وظيفيا لدور الرجل في حماية السلم الأهلي ولجم الاندفاعات الطائفية والقومية في بلد محكوم بالتعددية الشديدة والتعقيد الجيوسياسي.

كاريزما ودبلوماسية ناعمة

لم يكن مام جلال مجرد سياسي قادته الظروف إلى سدة الحكم، بل كان شخصية موسوعية تداخلت فيها أبعاد القانوني، الصحفي، والأديب.

هذا التكوين الثقافي الفريد منحه ميزة نادرة في تاريخ السياسة المعاصرة؛ فقد كان يمتلك قدرة فائقة على فهم سيكولوجية خصومه قبل حلفائه.

لقد طوع "مام جلال" هذه الثقافة، مستعينا بروحه المرحة وسرعة بديهته الشهيرة،ليجعل من "الدعابة والقصة التاريخية" سلاحا دبلوماسيا ناعما، في أحلك لحظات التشنج السياسي داخل الاجتماعات المغلقة، كان قادرا بنكتة ذكية أو قصة مأثورة أنيذيب جبالا من الجليد بين الفرقاء، محولا أجواء الصدام إلى مساحات للابتسام، ومن ثم التفاوض.

 

هندسة التوافق وبغداد

عندما صعد مام جلال إلى منصب رئاسة الجمهورية في بغداد عام 2005 كأول رئيس كردي في تاريخ البلاد، لم يتعامل مع المنصب كإجراء بروتوكولي جامد، بل حول قصرالسلام إلى مركز الثقل الفعلي لحل الأزمات الوطنية.

كان منزله في الجادرية ببغداد في ذروة الاحتقان الطائفي والسياسي، يمثل الملاذ الآخير لجميع المكونات(شيعة، سنة، كورد).

تميزت فلسفته القيادية بالمرونة الفائقة والقدرة على "تدوير الزوايا الحادة" ، كان يؤمن بعمق بأن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق بغلبة طرف على آخر، بل عبر تسويات شجاعة تصاغ على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، ونال نهجه هذا إجماعا وطنيا غيرمسبوق من مختلف القوى السياسية تأكيدا لحرصه على السلم الأهلي وتقريب وجهات النظر. 

 

توازنات المحيط الخارجي

تجلت عبقرية مام جلال السياسية على الصعيد الدولي والإقليمي، في قدرته على نسج علاقات وثيقة متزامنة مع أقطاب دولية متضادة تماما في مصالحها وتوجهاتها في الوقت الذي كان يحتفظ فيه بعلاقات استراتيجية متينة مع واشنطن، كانت قنواته مع طهران وبقية العواصم الإقليمية مفتوحة ودائمة التنسيق.

نجح "مام جلال" في صياغة معادلة تضمن حماية السيادة العراقية والكردية دون الدخول في سياسة المحاور، وجعل من بغداد في عهده نقطة التقاء؛ لتهدئة الأزمات الإقليمية بدلا من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة.

 

الأبناء والمشهد الراهن

لم ينتهِ إرث جلال طالباني برحيله، بل امتد ليتجسد اليوم في الدور المحوري الذي يلعبه أبناؤه في إدارة المشهد السياسي؛ حيث يتصدر نجلاه، بافل وقوباد طالباني،واجهة العمل السياسي والتنفيذي.

-بافل جلال طالباني (رئيس الحزب): يقود اليوم "الاتحاد الوطني الكردستاني" مستلهما كاريزما والده وحضوره القوي في بغداد.

يسعى بافل لإعادة تثبيت دور الحزب كلاعب أساسي وشريك استراتيجي لا يمكن تهميشه في صناعة القرار في العراق واقليم كردستان، متبنيا لغة الحوار المباشر والتقارب مع القوى الكردستانية والاتحادية في العاصمة لإعادة إحياء التوازنات التقليدية.

-قوباد جلال طالباني (رجل الإدارة): من خلال منصبه نائب رئيس مجلس وزراءإقليم كوردستان، يركز على ملفات الحوكمة والإدارة، ويقود جولات التفاوض النفطي والمالي المعقدة بين أربيل وبغداد.

وهو بذلك يمثل امتدادا لنهج طالباني الأب في تغليب لغة الأرقام، المأسسة،والتسويات الإدارية لضمان استقرار الإقليم وحقوق مواطنيه. 

ومع ذلك، يواجه الأبناء اليوم واقعا سياسيا بنيويا مختلفا تماما عن الحقبة السابقة؛ إذيتعين عليهم القيادة وسط مشهد محلي وإقليمي شديد السيولة، وفي بيئة سياسية باتت تميل أحيانا نحو الاستقطاب بدلا من التوافقات التقليدية التي كان يجيد والدهم حياكتها، مما يضع مهاراتهم القيادية في اختبار دائم لابتكار أدوات جديدة، تحافظ على روح ذلك الإرث.

 

فلسفة البقاء في الغياب

إن القراءة المتأنية لمسيرة جلال طالباني بعد تسع سنوات على رحيله، تكشف عن حقيقة بنيوية في السياسة العراقية؛ وهي أن غياب "مام جلال" لم يكن مجرد خلو منصب سيادي في قصر السلام، بل كان غيابا لطراز فريد من رجال الدولة الذين يتقنون صناعة التاريخ وسط حقول الألغام.

لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة التي عصفت ببغداد وأربيل طوال العقد الماضي، أن المدرسة الطالبانية في الحكم لم تكن ترفا سياسيا، بل كانت حاجة وجودية لبلد محكوم بالتعددية والتعقيد الجيوسياسي.

فالرجل لم يترك وراءه حزبا أو عائلة سياسية فحسب، بل ترك "عقيدة تفاوضية" تثبت أن قوة القائد لا تكمن في كسر خصومه، بل في القدرة على احتوائهم وصياغة مساحات مشتركة تضمن بقاء الجميع تحت سقف وطن واحد.

يرحل القادة وتخلد المدارس؛ واليوم، بينما يقف جيل الأبناء وقادة المشهد الجديد أمام رياح التغيير العاتية، ويبقى إرث "مام جلال" يمثل البوصلة والخريطة الوحيدة الناجعة.

لقد رحل "صمام الأمان" جسدا، لكن فلسفته القائمة على التنازلات الشجاعة المتبادلة، وحياكة الجسور تظل الدرس الأثمن والسبيل الوحيد المتاح لإنقاذ العراق من دواماتالانسداد، مخلدا اسمه كرمز للتوافق الوطني الذي لا يطويه النسيان.

 *كاتبة وصحفية من سوريا/حسكة


11/10/2026