*عماد أحمد
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
لا أعلم لماذا، منذ فترة، أظل أحلم بالعم "وسگە"، و"رەفاو"، و"مورشيدە"، والعم "گوڵمڕاي". في كل مرة يأتون في صورة مختلفة، لكن مضمون الأحلام واحد؛ في كل مرة يقف أحدهم أمامي ليروي لي حقيقة مرة.
يقول العم "وسگە": (نحن رحلنا وتركنا لكم نهر الألوند، فلماذا فعلتم به هذا؟)
ويعرض علينا "رەفاو" شبكته الفارغة قائلا: (في الماضي كانت الأسماك تتحدد وتتحرك في شبكتنا، أما الآن فلا تجمع الشبكة سوى الأوراق الجافة).
أما "مورشیدە" فتجلس على ضفة النهر، وتنظر بصمت إلى أشجار النخيل اليابسة.
فيما ينظر العم "گوڵمڕای" من أسفل حي "جەلەوە" إلى بستانه ويقول: (عندما يجف الماء، لا تموت الأشجار والنباتات فحسب؛ بل تجف الذكريات أيضا.)
مع آذان الفجر في جامع "نالي"، في حي "عقاري" بمدينة السليمانية، أستيقظت وقد جَف فمي تماما كبستان العم "گوڵمڕای". وامتلات عيناي بالدموع؛ مثل ينابيع "گەرمەک "، عند "إمام عباس"، بالقرب من قرية "عالياوة" في خانقين.
ليس الألوند بالنسبة لي مجرد نهر؛ إنه صوت خانقين ومرآة سماء طفولتي. على ضفافه ترعرعت، ومن خرير مائه استمعتُ إلى حكايات الحياة، وتحت ظلال نخيل "جەلەوە" قرأتُ أول دروس حب الإنسان والأرض والوطن، كنا نؤمن حينها بأن الألوند سيبقى دائما مليئا بالماء، وبأن صيادي خانقين سيظلون دوما على ضفافه، لم نكن نعلم أنه سيأتي يوم تُجبر فيه الأنهار أيضا، تماما كالبشر، على الهجرة.
في الأشهر الأخيرة من الكابينة السابعة لحكومة إقليم كوردستان، وفي أحد الأيام، كان الدكتور علي السندي (وزير التخطيط آنذاك) يتحدث إلينا في جلسة أخوية بمكتبي في مجلس الوزراء بأربيل عن مشكلات المياه والبيئة في العالم،وكعادته، كانت كلماته دقيقة وأكاديمية ومستندة إلى العلم. استفدتُ منها كثيرا وما زالت راسخة في ذهني حتى الآن.
عندما عدتُ في أحلامي مع الصيادين والمزارعين في خانقين إلى ضفاف الألوند، عادت تلك الكلمات معي أيضا، امتزج الحلم والذكريات والقلق على المياه، وأنتجت هذه الأفكار والتعبيرات في خيالي، فبادرتُ بدوري بتدوينها في تطبيق "Notes" على هاتفي وأعددتها للنشر.
لم تعد أزمة المياه موضوعا بعيدا أو مجرد مشكلة بيئية فحسب، إن جفاف الأنهار يعني تراجع الزراعة، وموت الأسماك والغابات والبساتين، وبطالة المزارعين، ونزوح العائلات، وعندما ينضب مصدر المياه، تبدأ الحياة حوله بالهجرة والرحيل، ومن هنا تتحول المشكلة البيئية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية، وتغدو في النهاية خطرا وطنيا.
تُعرف كوردستان بأرضها وجبالها وأنهارها، لكن هذه الثروات الطبيعية ليست دائمية إذا لم يتم الحفاظ عليها، إن شح الأمطار، والتغير المناخي، والاستخدام غير المحدود للمياه الجوفية، وبناء السدود على الموارد المائية خارج الحدود، وغياب سياسة وطنية للمياه؛ كلها عوامل تضافرت لتضع مستقبلنا أمام خطر حقيقي.
المياه ليست مجرد الخدمة التي تصل عبر أنابيب المنازل ،المياه حق، وثروة، وجزء من الأمن القومي ،لذا فإن حمايتها لا ينبغي أن تكون مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة فحسب، نحن بحاجة إلى إستراتيجية واضحة وطويلة الأمد، تبدأ من حصاد مياه الأمطار وبناء السدود الصغيرة، وصولا إلى تحديث أساليب الري، وحماية المياه الجوفية، والحد من تلوث الأنهار، وترسيخ الوعي البيئي.
كما أن مسؤولية المواطن في هذا الشأن كبيرة جدا، كل قطرة ماء تُهدر هي جزء من حق الأجيال القادمة، لا يمكننا انتظار سخاء الأنهار إلى الأبد، إذا كنا نتعامل معها باستهتار ولا أبالية.
في أحلامي، ما زال الصيادون ينتظرون على ضفاف الألوند، شباكهم فارغة، لكن أعينهم ما زالت شاخصة نحو النهر،والعم "گوڵمڕای" يتطلع إلى بستانه، وكأنه ينتظر إجابتنا: هل سنحمي الألوند وأنهارنا الأخرى للأجيال القادمة، أم أنه سيأتي يوم نُضطر فيه للبحث عن أسمائها على الخرائط فقط؟
لأنه عندما يهاجر نهر، لا يختفي الماء وحده ويرحل عن مكانه؛ بل يأخذ معه جزءا من التاريخ والهوية وروح الوطن.