*محمد شيخ عثمان
حدث تاريخي ذو مكانة مهمة في الذاكرة
في سجل الانتفاضات الكردية، تبقى انتفاضة آذار 1991 حاضرة بوصفها الانفجار الشعبي الكبرى الذي حطم سيطرة نظام صدام حسين في مدن كردستان. لكن هناك حدثا آخر لا يقل أهمية في تشكيل مستقبل كردستان، لم ينل، كثيرا، حقه من التوثيق والدراسة والحضور في الذاكرة الكردستانية والعراقية.
إنها الانتفاضة الثالثة، ملحمة كفري ـ سرقلعة في تشرين الأول 1991؛ الانتفاضة التي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مع قوات النظام، بل كانت منعطفا حاسما أفشل مخططات بغداد لإعادة سيطرتها على كردستان، ومهد في نتائجه السياسية والإدارية لولادة البرلمان والحكومة والمؤسسات الكردستانية.
ولهذا فإن إعادة قراءة هذه الانتفاضة اليوم ليست مجرد عودة إلى معركة من معارك الماضي، بل إعادة قراءة للحظة التي انتقل فيها المشروع الكردي من مرحلة التحرر العسكري إلى مرحلة بناء المؤسسة والشرعية الشعبية.
المفاوضات مع بغداد.. فرصة سياسية انتهت إلى طريق مسدود
بعد اندلاع انتفاضة آذار ١٩٩١ وتراجع قوات النظام من مدن كردستانية عدة، دخلت الجبهة الكردستانية في مسار تفاوضي مع بغداد. وكان الرئيسان جلال طالباني ومسعود بارزاني من أبرز قادة الجبهة في ذلك المسار، في محاولة لوضع أساس لاتفاق يضمن الحقوق القومية والسياسية والديمقراطية للشعب الكردي وذلك بعد ان تعهد صدام باعطاء كافة الحقوق المشروعة لشعب كردستان والاتفاق سيكون شاملا ويتضمن حتى كركوك.
وتؤكد وثائق تلك المرحلة أن مطالب الجبهة لم تقتصر على الحكم الذاتي، بل شملت سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والتعددية السياسية، والانتخابات الحرة، وحرية الصحافة، والنقابات، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية، مع تداول السلطة سلميا.
ويروي الرئيس جلال طالباني في مادة موثقة ضمن أرشيف الحوارات السياسية أنه زار بغداد مرتين بعد تحرير الكويت، وأن المفاوضات تناولت حقوق الإنسان، والنظام الديمقراطي، والحكم الذاتي لكردستان، وتطبيع الأوضاع، مشيرا إلى أن بغداد وافقت في البداية على هذه النقاط وأن المفاوضات وصلت إلى تفاهم حول قضية كركوك، ثم تراجع النظام عن تلك التفاهمات في مرحلة لاحقة وبالطبع لم تكن المشكلة متعلقة بكركوك وحدها؛ فقد كشفت المفاوضات عن خلافات أعمق تعلقت بحدود المنطقة الكردية، ومصير سياسة التعريب، ومدى استعداد النظام لتحقيق إصلاح ديمقراطي حقيقي، لذلك قرر مام جلال الانسحاب من المفاوضات متهما النظام بالتنصل من تعهداته. ولكن في الوقت نفسه، بقي رئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني في مسار المفاوضات في بغداد ولم ينسحب .
من مائدة التفاوض إلى ميدان المعركة
كانت القيادة الكردستانية تدرك أن استمرار التفاوض من دون ضمانات حقيقية قد يمنح النظام فرصة لإعادة تنظيم قواته واستعادة المبادرة العسكرية. وفي خريف ١٩٩١، تحول هذا الخشية إلى واقع ميداني ففي ٥ تشرين الأول ١٩٩١، وفي الساعة ١٢:٣٠ ظهرا، شنت قوات النظام هجوما واسعا على كفري، بقوة مدرعة قيل إنها بلغت نحو ٨٠ دبابة من الفرقة المدرعة الثالثة، إلى جانب قوات المشاة والمدفعية والإسناد الجوي.
ومع تقدم القوات العراقية، انسحب مقاتلو الجبهة الكردستانية بقيادة الاتحاد الوطني من كفري نحو سرقلعة، حيث أعيد تنظيم خطوط الدفاع. وفي اليوم التالي، دخلت قوات من كرميان وشهرزور وبازيان وكاني بكر وبكرجو وطوز ومناطق أخرى إلى ميدان المعركة، إلى جانب قوات من أطراف مختلفة في الجبهة الكردستانية وأبناء المنطقة.
و تمكنت القوات الكردية من ضرب وسط الرتل العراقي ومؤخرته، وإحداث إرباك كبير في صفوفه، وتضمنت خسائر القوات المهاجمة، وفق الرواية الميدانية، تحطيم وإحراق عشرات الدبابات ومقتل وأسر عدد من الضباط والأفراد، إلى جانب الاستيلاء على أسلحة ومعدات وأجهزة اتصال.
الاتحاد الوطني والبيشمركة.. الدور الميداني في معركة الحسم
لم تكن معركة كفري ـ سرقلعة مواجهة بين قوة عسكرية وقوة أخرى فقط؛ فقد أظهرت قدرة قوات البيشمركة وقوات أطراف الجبهة الكردستانية على تحويل الدفاع إلى هجوم منظم.
فقد ادت قوات بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني، دورا محوريا في محاصرة القوات العراقية وتفكيك قدرتها على التقدم.
وفي مواقع أخرى، شهدت دربنديخان وبازيان والسليمانية عمليات أدت إلى تجريد قوات وتشكيلات عسكرية تابعة للنظام من سلاحها.
وفي ٨ تشرين الأول ١٩٩١، أوفد النظام اللواء محمود الهزاع، قائد الفيلق الثاني، إلى السليمانية، حيث جرى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في معسكر السلام، وهو ما شكل نهاية للمواجهة العسكرية في تلك الجولة.
لا تكمن أهمية تلك المواجهة في النتائج العسكرية وحدها، بل في اتساع دائرة المشاركة الشعبية.فقد وقفت جماهير المدن والقرى إلى جانب البيشمركة، وكانت المعركة بذلك تعبيرا عن تلاقي الإرادة الشعبية مع القوى السياسية والعسكرية الكردستانية.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة؛ لأن ما حدث في خريف ١٩٩١ اظهر بسالة بيشمركة الاتحاد الوطني، و كان جزءا من مسار أوسع قادته الجبهة الكردستانية، التي كانت تمثل ائتلافا لقوى سياسية كردستانية متعددة.
الانسحاب الإداري لبغداد.. لحظة ولادة الفراغ الذي تحول إلى مؤسسة
بعد ايام من الفشل العسكري ، وفي ٢٦ تشرين الأول ١٩٩١، سحبت الحكومة العراقية مؤسساتها الإدارية من مناطق كردستان، وهو ما خلق فراغا إداريا وقانونيا حادا.
هذا الفراغ دفع الجبهة الكردستانية إلى التحرك لتحمل مسؤولية إدارة المنطقة، وأن فكرة إنشاء نظام برلماني عبر انتخابات حرة وديمقراطية جاءت باقتراح للاتحاد الوطني نال موافقة جميع الاطراف لملء هذا الفراغ ووضع السلطة تحت سقف القانون.
وهنا تبدأ الحلقة الأهم في قراءة «الانتفاضة الثالثة»: فالنصر العسكري لم يتحول إلى فوضى سلطوية، بل بدأ يتحول إلى سؤال سياسي ودستوري: كيف تدار المنطقة؟ ومن يملك الشرعية؟ وكيف يختار الشعب من يحكمه؟
مبادرة الاتحاد الوطني: من الحسم إلى الشرعية الشعبية
لم يكن الحسم العسكري وحده هو الهدف النهائي للمرحلة؛ فبعد انسحاب مؤسسات بغداد ونشوء فراغ إداري، برز سؤال أكبر أمام القوى الكردستانية: كيف تتحول السيطرة الفعلية على المنطقة إلى شرعية سياسية منتخبة؟
وفي هذا السياق، طرح الاتحاد الوطني الكردستاني أمام الجبهة الكردستانية مقترح الإسراع في إجراء انتخابات حرة، لإنهاء مرحلة الفراغ وإنشاء برلمان منتخب يستمد شرعيته من إرادة الشعب، ثم تشكيل حكومة تستند إلى هذه الشرعية.
والمهم في هذا القرار أنه لم يكن قرارا حزبيا منفردا؛ فقد طرح أمام الجبهة الكردستانية، وحظي بموافقة القوى المشاركة فيها. وبذلك أصبحت فكرة الانتخابات مشروعا سياسيا مشتركا، لا مجرد مبادرة لطرف واحد.
وتكمن أهمية هذه اللحظة في أن وحدة القوى الكردستانية حول القرارات المصيرية أتاحت نقل المنطقة من حالة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء النظام السياسي. فالقرار الذي بدأ كمقترح للانتخابات تحول بالتوافق إلى مسار أنتج أول برلمان كردستاني منتخب، ثم الحكومة الإقليمية.
وهنا تبرز دلالة تاريخية تتجاوز حدود تلك المرحلة: إن المكسب المؤسسي لم يكن نتاج قوة السلاح وحدها، بل كان نتاج التقاء القوى السياسية والجماهير حول قرار مصيري؛ فوحدة الموقف أنتجت شرعية مشتركة، والشرعية المشتركة مهدت لبناء المؤسسات.
ومن هنا، فإن انتخابات ١٩ أيار ١٩٩٢ لم تكن حدثا انتخابيا عابرا، بل كانت الخطوة التي نقلت الشرعية من ميدان المقاومة إلى صندوق الاقتراع، ومن قدرة القوى على حماية المنطقة إلى قدرتها على إدارتها بمؤسسات يختارها الشعب.
الموظفون.. حين أصبح الدوام موقفا وطنيا
ومايجب تذكيره هنا وفي وجه الحصار وانقطاع الرواتب وتراجع الخدمات، لم يكن المجتمع الكردستاني منتظرا حلا من الخارج.وكان الموظفون وفي مقدمتهم المعلمين من أبرز من اختاروا الاستمرار في العمل رغم عدم تقاضي الرواتب. وتوثق شهادات من تلك المرحلة أن أول مدرسة رفع فيها العلم الكردي فتحت في ٢٩ تشرين الأول ١٩٩١، وبدأ التدريس فيها في ٢٣ كانون الأول من العام نفسه، وأن المعلمين كانوا يعملون تطوعا بدون رواتب.
ومن هنا، لم تعد الدوائر والمدارس مجرد مكان للادارة والتعليم؛ بل أصبحت جزءا من مشروع الحفاظ على مؤسسات المجتمع وهويته وقدرته على الاستمرار.
من البرلمان إلى الحكومة.. ولادة الإدارة الكردستانية
أفضت انتخابات ١٩٩٢ إلى تشكيل أول مجلس وطني كردستاني، وإلى تأسيس حكومة إقليم كردستان. وهكذا تحول الفراغ الذي خلفه انسحاب مؤسسات بغداد من تهديد لوجود المنطقة إلى فرصة لبناء مؤسسات سياسية وإدارية جديدة.
وفي ١٥ تموز ١٩٩٢، كان المجلس الوطني الكردستاني قد عقد اجتماعه، وأصبحت للمنطقة سلطة تشريعية منتخبة، في حين بدأت سلطة تنفيذية إقليمية في التشكل. وتظهر قوانين عام ١٩٩٢ أن عملية بناء المؤسسات لم تتوقف عند البرلمان، بل شملت إنشاء هيكل الحكومة ووزاراتها، ومنها وزارات التربية والبيشمركة والعدل وغيرها.
٤ تشرين الأول ١٩٩٢.. الانتقال من الحكم الذاتي إلى الفيدرالية
وفي ٤ تشرين الأول ١٩٩٢، خطا البرلمان الكردستاني خطوة سياسية ودستورية مهمة عندما تبنى مبدأ الفيدرالية في تحديد العلاقة بين كردستان والحكومة المركزية، مع التمسك ببقاء كردستان ضمن العراق.
وكان هذا التطور تحولا في الفكر السياسي الكردستاني؛ فبدل أن تكون المطالبة محصورة في الحكم الذاتي، أصبحت الفيدرالية صيغة لتنظيم العلاقة مع العراق على أساس الديمقراطية والتعددية وحقوق المكونات. وتؤكد دراسات تاريخية متعددة أن هذا القرار اتخذ في ٤ تشرين الأول ١٩٩٢.
ولم يبق هذا الخيار مجرد إعلان سياسي؛ فبعد سنوات، جاء دستور العراق لسنة ٢٠٠٥ ليرسخ المبدأ دستوريا، إذ نصت المادة ١١٧ على أن الدستور يعترف بإقليم كردستان، مع سلطاته القائمة، بوصفه إقليما فيدراليا.
من انتفاضة الأم إلى انتفاضة الحسم
إذا كانت انتفاضة آذار ١٩٩١ هي «انتفاضة الأم» التي فتحت الطريق أمام تحرر مدن كردستان وتراجع سلطة النظام، فإن ما اصطلح عليه بـ«الانتفاضة الثالثة» يمكن قراءته كـ«انتفاضة الحسم نحو المؤسساتية الكردستانية».
فهي حسم عسكري أحبط محاولة النظام لاستعادة سيطرته، وحسم سياسي أنهى وهم إمكان إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وحسم مؤسساتي نقل المجتمع من مرحلة المقاومة والفراغ إلى مرحلة البرلمان والحكومة والقانون والانتخاب.
ومن هنا تكمن أهمية استذكار هذه المرحلة: فالمؤسسات الكردستانية لم تنشأ في فراغ، ولم تكن مجرد نتاج لتطور إداري طبيعي؛ بل ولدت من تضحيات ومواجهات وقرار سياسي بأن الشرعية الحقيقية لا تكتمل إلا بالمؤسسة والانتخاب والقانون.
ذاكرة النضال ومسؤولية تصحيح مسار الحكم
إن استذكار «الانتفاضة الثالثة» ليس عودة إلى التاريخ لغرض تمجيد الماضي، ولا هو محاولة لاحتكار تلك المرحلة لصالح قوة سياسية بعينها؛ بل هو تذكير بمسار وطني شاركت فيه الجماهير والقوى السياسية الكردستانية، وأفضى إلى ولادة أول برلمان منتخب وأول حكومة إقليمية ومؤسسات أصبحت لاحقا جزءا من تجربة الإقليم السياسية وان تذكير هذه الانتفاضة تذكير للتاريخ والأجيال بالدور الوطني للاتحاد الوطني الكردستاني في ولادة البرلمان وحكومة الاقليم والمؤسسات وهذا لا يعني إغفال أدوار القوى الكردستانية الأخرى، بل يعني قراءة التاريخ بما يحفظ لكل قوة وشخصية وجماهير حقها في المساهمة.
وإذا كان الاتحاد الوطني اليوم يتمسك بضرورة تصحيح مسار الحكم، وإقامة حكومة رشيدة، وبرلمان فاعل، وقضاء مستقل، وشراكة حقيقية في السلطة والقرار بين الأطراف الكردستانية، فإن ذلك يمكن فهمه، سياسيا وتاريخيا، بوصفه امتدادا لفكرة أصيلة تكونت في تلك المرحلة: أن النضال لا يكتمل بالنصر العسكري، وأن حفظ المنجز يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقانون عادل، وشراكة تحفظ التوازن وتمنع الاستئثار.
فالمعنى الأعمق لتلك الانتفاضة ليس في الدبابات التي أحرقت، ولا في المعارك التي انتهت، بل في ما ولد بعدها: برلمان يمثل الناس، وحكومة تخدمهم، وقانون يحكم الجميع، وشراكة تحمي السياسة من الانقسام والاستئثار.
لذلك فان تمسك الاتحاد الوطني بضرورة تصحيح مسار الحكم عبر اقامة حكومة رشيدة وبرلمان فاعل وقضاء مستقل والشراكة الحقيقية في الحكم والقرار للاطراف الكردستانية في ادارة الحكم كل ذلك نابع من صميم الروح النضالي لتلك الانتفاضة التي اذا اسمينا انتفاضة اذار 1991 بانتفاضة الام فهذه انتفاضة هي انتفاضة الحسم نحو المؤسساتية الكردستانية .