×

  الاتحاد الوطني الکردستاني

  أفكار لامعة من كردستان العراق



*اللواء خالد عكاشة

*صحيفة"الاهرام"المصرية

بدعوة من الاتحاد الوطني الكردستاني، سافرت صحبة مجموعة مصرية من الشخصيات المرموقة إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، ومنها إلى السليمانية العاصمة الثقافية والفكرية للإقليم.

تزامن ذلك مع التحضيرات لـ»يوم السيادة» العراقي، بعد اعلان قرار قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، مغادرة الأراضي العراقية جميعها بما فيها اقليم كردستان بعد انتهاء عملها، وتسليم تلك المهمة مستقبلا إلى السلطات الأمنية العراقية والكردية.

الاتحاد الوطني الكردستاني؛ أسسه وشغل منصب أمينه العام السيد «جلال طالباني» منذ 1975، بعد سنوات طويلة من العمل السياسي ربما تعود إلى خمسينات وستينات القرن الماضي.

 هذه القيادة التاريخية والشخصية الاستثنائية التي يحمل لها العراقيون والكرد على حد سواء، تقديرا واحتراما بالغين يطلق عليه لقب «مام جلال» أي «العم جلال» لقدراته ومهاراته القيادية، التي تركت بصماتها على الحزب وقياداته وكوادره الشابة التي جاءت من بعده.

 وبالضرورة لسيرته الشخصية المستقيمة وللإجماع الكبير الذي يحظى به، تولى رئاسة العراق دورتين متتاليتين بالانتخاب من البرلمان العراقي، وبتوافق شعبي كامل لأن يكون المحامي جلال طالباني الرئيس السابع لجمهورية العراق في الفترة (2005 ـ 2014). وقد عبر خلفه السيد فؤاد معصوم الرئيس الأسبق للعراق في كلماته التي نعاه بها، وقت وفاته عام 2017 إثر أزمة صحية، ما يمكن اعتباره تلخيصا دقيقا لسيرته ولسمعته داخل العراق وفي محيطه الإقليمي الواسع، حين قال معصوم: «الشعب خسر برحيل مام جلال، قائدا لامعا، ومناضلا صلبا جمع بين الفكر القومي الإنساني والوطنية الصادقة، والثقافة الرفيعة، فضلا عن الإيمان الراسخ بالفكر الديمقراطي التقدمي، والإحساس العالي بالمسئولية».

هذه السجايا والمسيرة الوطنية اللامعة، عكست أيضا شبكة علاقات متميزة وثيقة ومتفردة، مع الكثير من القادة العرب الكبار طوال عقود، من أهمها علاقاته الاستثنائية مع عبدالناصر والرئيس السادات، وكانت له أواصر صداقة شخصية حميمية مع الرئيس مبارك.

واعتقد أن هذا الامتداد التاريخي الإنساني يمثل سببا رئيسيا، نقله جلال طالباني بكاريزميته التاريخية لتصبح مكانة الدولة المصرية والشعب المصري، في القلب من تقدير ومحبة شعب إقليم كردستان العراق على نحو واسع، وهذا تلمحه من اللحظات الأولى للقاء الأشقاء في كل مدن الإقليم، وهو ما وجدناه كمجموعة مصرية في زيارتنا الأخيرة إلى السليمانية التي فضلا عن التقدير والمحبة، كانت عامرة بالكثير من نقاط التلاقي حول قضايا المنطقة والجوار وصولا إلى المشهد الدولي الراهن، وما يعتريه من تقلبات حادة تقلق كردستان العراق بنفس القدر الذي يقلق القاهرة، والأهم أن زوايا الرؤية لتلك التحديات المعاصرة تكاد تتطابق إلى حد كبير، في تفسيراتها وتحليلاتها التي استمعنا لها من القيادات والشخصيات الكردية.

لعل أهم لقاء جرى في السليمانية؛ جمع المجموعة المصرية مع السيد «قباد طالباني» نائب رئيس وزراء إقليم كردستان، والقيادي البارز في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، حين حرص على الجلوس مع المجموعة المصرية لساعات، من أجل إدارة حوار معمق تميز بقدر عال من الشفافية والمصداقية، فضلا عن رؤية متميزة لقيادة سياسية شابة تمرس على التعاطي مع القضايا الشائكة، التي عاصرها خلال مسيرته الوظيفية في عديد من المناصب داخل كردستان وخارجه.

 لم يخف السيد قباد طالباني إعجابه وتقديره للدولة المصرية، وللقيادة السياسية المصرية الحالية متمثلة في الرئيس السيسي الذي يقود ويرسخ مشروع وطني مصري كبير، من زاوية الرؤية الكردية الثاقبة يجده إضافة حقيقية وفعالة لقدرات المنطقة بكاملها، ونموذجا تسعى كردستان للتعاون معه في كل المجالات، والاستفادة من خبرات خطة التنمية المصرية الشاملة. أظن وهذا يقيني الذي تشكل خلال هذا اللقاء المهم وفي غيره من اللقاءات المماثلة، أن هذا مجال واسع ورحب وواعد لأقصى درجة، لكنني أيضا توقفت كثيرا أمام ما طرحه السيد قباد من رؤاه حول «حالة الصراع» في المنطقة، وعن أهمية القيام بجهود توافقية فعالة بين كل الأطراف، من أجل مقاومة حالة الاستقطاب الحادة التي باتت تفرض على المنطقة، وتجر إليها دون ارادتها، ربما بتدافع الأحداث وتطوراتها، وفي جانب من الأمر تناقض المصالح وتنافسها، لكن من وجهة النظر الكردية هذه الموجة المركبة لن يخرج منها رابح واحد، وأنه لا سبيل للخروج من تلك الدوامة إلا بالبحث سريعا عن المشتركات بيننا دول وأبناء هذه المنطقة، وتنحية الخلافات والتنافسات جانبا بأسرع وقت ممكن، وهذا ممكن في حال إدارة علاقات تتسم بكثير من العقلانية، واحترام المصالح التي يمكن لها ألا تظل متناقضة إلى الأبد.

الذي استوقفني وزملاء المجموعة المصرية، هذا الحرص الحالي في إقليم كردستان على الخروج من أجواء التأزم والصراعات، إلى آفاق نسج علاقات جيدة مع جميع الأطراف المحيطة والمتداخلة بالمنطقة. وهذا من وجهة نظري أهم ما يجمع ويطابق الرؤية المصرية مع رؤية القيادات الكردية، خاصة وأنها لا تبدو كمنهج سياسي جديد فحسب، بل تشكل عقيدة جديدة تتمدد لتشمل الأكاديميين في الجامعات الكردية ومنظمات المجتمع المدني، وعديد الشخصيات الثقافية والمحلية.

واللافت أن هذا اليقين يتشكل بعيون مفتوحة على اتساعها حول كل ما يجري في المنطقة من تحديات، وآمال، لذلك وبأكثر من تعبير كانت الإشادة بالمواقف السياسية المصرية حاضرة، وهناك تقدير مبعثه العقيدة المتطورة لإقليم كردستان بالاتزان الاستراتيجي الذي تنتهجه الدولة المصرية، وسط بحر متلاطم من الاستقطاب والصراعات وكيفية إدارة هذا التوازن بما يحقق المصالح المصرية ويحفظ للدولة مكانتها الإقليمية والدولية.

إقليم كردستان؛ يجابه تحديات الحاضر بالرهان على المستقبل وعلى قياداته الشابة الواعية، وعلى نظرة مستقيمة لعلاقاته مع الجميع. يرى ويشارك في صناعة عراق جديد تجاوز تجربة معقدة، يتقدم اليوم ليشغل مقعدا في ساحة التوازن الإقليمي، ويطمح بمشاركة مصرية لأن يرسخ محورا للاعتدال لا بديل عنه، في مواجهة القادم من الأيام.


11/10/2026