مام جلال ... حقائق و مواقف

  مام في الشام



*علي شمدين

المقدمة:

منذ أن قسمت الإتفاقيات الاستعمارية كردستان، وخاصة اتفاقية جالديران (١٤١٥)، بين الصفويين والعثمانيين، واتفاقية سايكس بيكو (١٩١٦)، بين فرنسا وبريطانيا، والتي تم بموجبها إلحاق أجزائها الأربعة قسراً بكل من (العراق، وتركيا، وإيران، وسوريا)، حتى بات البعدين (القومي والوطني)، يشكلان طرفي المعادلة السياسية الرئيسية التي توجه بوصلة نضال الشعب الكردي في كل جزء من هذه الأجزاء، وتحدد الملامح الرئيسية لخصائص قضيته العادلة.

ولهذا كان تحقيق التوازن الدقيق بين هذين البعدين في كل جزء، بعده القومي باعتباره يعد تاريخياً جزءا من كردستان الكبرى، وبعده الوطني باعتباره بات رسمياِ ملحقاٍ بحدود دولة أخرى، هو الشرط الأساسي لنجاح الشعب الكردي في نضاله من أجل تأمين حقوقه القومية والإنسانية ونيل طموحاته في الحرية والكرامة، ولعل الإخفاقات التاريخية المتلاحقة التي منيت بها الحركة الكردية في هذه الأجزاء تعود في جوهرها إلى الخلل المزمن في مفاصل هذه المعادلة والفشل الدائم في تحقيق هذا التوازن المنشود، سواء بترجيح البعد القومي لتتهم هذه الحركة بالتطرف والمزاودة والإنفصالية وتقسيم البلاد، أو بترجيح البعد الوطني لتوصف بالمساومة والتخاذل والكوسموبوليتية.

والملفت للنظر هنا، هو أن الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان التي تقتسم كردستان، لم تتخلف من جهتها ولو للحظة عن تشجيع مثل هذه الطوابير التابعة بكل إمكانياتها، وحشدها للجماهير من وراء الكواليس، ودفعها، بالترهيب حيناً وبالترغيب حيناً آخر، للاستقطاب حول تلك الطوابير، وذلك بهدف دفع الجماهير عاطفياً خلف شعارات براقة إلى خارج الميدان الحقيقي لنضالها القومي، وبالتالي تصدير قضيتها والتخلص من استحقاقات حلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أخذ تلك الشعارات ذريعة لضرب الشعب الكردي كثاني أكبر مكون قومي في البلاد، واتهام حركته الوطنية بالانفصالية وإقامة إسرائيل الثانية وغيرها من الاتهامات التي تبرر بها مشاريعها العنصرية وسياساتها الشوفينية..

 

طبيعة علاقة الحركة الكردية في سوريا بمثيلاتها

وبنظرة سريعة لطبيعة علاقة الحركة الكردية في سوريا بمثيلاتها في الأجزاء الكردستانية الأخرى، نرى بأنها ومع الأسف الشديد هي علاقة التابع بالمتبوع، أو في أفضل الأحوال هي علاقة الأخ الصغير بالأخ الأكبر، من دون الأخذ بعين الاعتبار خصائص كل جزء واستقلالية قراره السياسي المحكوم بالظروف الذاتية والموضوعية التي أفرزتها ولا تزال تفرزها تلك الاتفاقيات الدولية التي تجاوز عمرها القرن من الزمن.

 

شعار (تحرير وتوحيد كردستان)،

ولعل تسرب شعار (تحرير وتوحيد كردستان)، إلى الخطاب السياسي لأول تنظيم كردي في سوريا بعد تأسيسه عام (١٩٥٧)، كان هو المفتاح الحقيقي للإخلال بهذه المعادلة، وكلمة السر التي فتحت الأبواب واسعة أمام الأخ الكبير للتحكم في مصير الأخ الأصغر والتضحية بخصوصيته من دون رحمة، والمساهمة في تنمية روح التبعية لديه عبر ضخ الشعارات الكردستانية غير المنسجمة مع ظروفه الذاتية والموضوعية، وأججت ظاهرة الانشقاقات بين صفوف الحركة الكردية في سوريا، وفي النتيجة خلقت هذه الظاهرة مجموعات وشلل تابعة لأجندات خارج الحدود وتعمل لصالحها، وأخذت أشكالً تنظيمية مختلفة بمسميات (طبقية، وكردستانية)، سعت إلى جذب أنظار الجماهير وتعميتها عن خصوصية حركتها السياسية المحلية.

ومن هنا فقد كان مرور مام جلال بدمشق (الشام)، لحضور مؤتمر الشباب العالمي في وارسو عام (١٩٥٥)، والتقائه في منزل المرحومة (روشن بدرخان)، الكائن في حي ركن الدين بدمشق، بكلاً من (أوصمان صبري، وعبد الحميد درويش..)، وتشجيعهم على تأسيس أول تنظيم قومي بهوية وطنية، شبيه بالحزب الكردي القائم في كردستان العراق، بمثابة تحول جذري في طبيعة العلاقات الكردستانية، وكان أيضاً الشرارة الأولى التي أججت الروح النضالية في نفوس هؤلاء المتنورين لامتلاك تنظيمهم الخاص بهم والمحكوم بمعادلة التوازن بين البعدين القومي والوطني، والبوابة الرئيسية التي عبروا من خلالها ٌإلى مرحلة جديدة من النضال القومي الذي يأخذ بعين الاعتبار الواقع الميداني لتقسيم كردستان، هذا الواقع القسري الذي أفرزته الإتفاقيات الدولية المعروفة، ويقر علناً بخصوصية كل جزء من أجزائها وفقاً للظروف الذاتية والموضوعية المحيطة بها.

ولهذا، رأينا من الوفاء أن نقف، عبر حلقات متتالية بعنوان (مام في القامشلي وفي الشام)، على مبادرة مام جلال التاريخية في إلقاء هذه البذرة آواسط الخمسينيات من القرت المنصرم، في رؤوس عدد من المتنورين الكرد السوريين، والتي أثمرت عن وعي سياسي منظم تجسد في الإعلان عن تأسيس أول تنظيم سياسي كردي في سوريا بتاريخ (١٤/٦/١٩٥٧)،  ودعمه المستمر لهذا الحزب وفي مختلف المجالات من دون انقطاع، ومن ثم التأسيس لعلاقات كردستانية متوازنة تأخذ خصوصية كل جزء بعين الاحترام، وكانت العلاقات التاريخية التي جمعت (مام جلال، وكاك حميد)، وجمعت حزبيهما (الاتحاد الوطني الكردستاني)، و(الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا)، خلال ما يزيد عن ستة عقود ونيف، تعد بحق نموذجاً لمثل هذه العلاقات السليمة..

 

علي شمدين

2023

(1) زيارة مام جلال إلى (الشام)

لقد كانت زيارة مام جلال إلى (الشام)، في صيف عام (١٩٥٥)، هي الزيارة الأولى له، وذلك عندما كان متجهاً إلى وارسو لحضور )مؤتمر الشباب والطلبة العالمي(، والذي شكل بالنسبة له البوابة التاريخية التي نقلته إلى العالم الخارجي، والتي فتحت أمامه فيما بعد الآفاق نحو تأسيس أوسع العلاقات (الدولية والعربية والكردستانية..)، وعند مروره بـ(الشام)، التقى هناك بكل من (عثمان صبري، عبد الحميد درويش، حمزة نويران)، وطرح عليهما فكرة تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا، حيث لم يكن هناك حزب كهذا حتى ذاك الحين، وقد أثمرت مبادرته تلك بالإعلان رسمياً عن ولادة (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، بتاريخ (١٤/٦/١٩٥٧)، بعد أن انضم اليهما كل من (نور الدين زازا، جكرخوين، رشيد حمو، شوكت حنان، محمد علي خوجه، خليل محمد، شيخ محمد عيسى).

 

الزيارة الثانية لمام جلال ٌإلى الشام

الزيارة الثانية لمام جلال ٌإلى الشام في عام (١٩٥٧)، كانت هي الأخرى بهدف العبور منها إلى موسكو لحضور مؤتمر الشباب والطلبة العالمي، حيث عانى مام جلال صعوبات شديدة خلال اجتيازه الحدود العراقية سراً إلى سوريا لأنه لم يدخل بجوازه النظامي، فاعتقل عند الحدود ونقل إلى القامشلي ومن ثم إلى الحسكة في نفس اليوم، ومن هناك يتصل مام جلال مع السيدة (روشن بدرخان)، فيتم الإفراج عنه بجهودها الشخصية، ليخرج من هناك راكباً على ظهر شاحنة نقل الحبوب متجهاً إلى الشام مروراً بمدينة حلب..

وخلال تلك الفترة تواجدت في الشام شخصيات كردستانية عديدة أخرى، شكل مام جلال القاسم المشترك بينها والمحور الرئيسي الذي استقطب حوله تلك الشخصيات التي لعبت خلال عقد الخمسينيات من القرن المنصرم دوراً مؤثراً على مستقبل الحركة الكردية في سوريا، سواءاً على صعيد مواجهتها للمد الكوسموبوليتي والتي تتوجت بصدور كراس (الرد على الكوسموبوليتية)، في دمشق عام (١٩٥٦)، حيث كان الكرد السوريين بمعظمهم يؤيديون آنذاك الحزب الشيوعي السوري وينضمون إلى صفوفه، فبدأت تلك الشخصيات وفي مقدمتها مام جلال بالتشجيع على تشكيل أول تنظيم سياسي كردي في سوريا، أو على صعيد التعريف بالقضية الكردية والدعاية لها بين الوسط العربي والتأسيس للعلاقات الكردية العربية، ومن أبرز تلك الشخصيات التي ظلت تتردد على الشام، التي كانت تسودها آنذاك أجواء ديمقراطية نسبية، وتستقر فيها بهدف الدراسة أو طلباً للجوء أو العبور منها إلى الخارج وإلى بلاد المهجر: مام جلال، عبد الرحمن قاسملو، عبد الرحمن ذبيحي، هزار موكرياني، كمال فؤاد، فؤاد معصوم، عزالدين مصطفى رسول، أحمد توفيق.. هذا فضلاً عن الشخصيات والعوائل الكردية الأخرى التي فرت على إثر انهيار ثورة شيخ سعيد (١٩٢٥)، من ملاحقة النظام التركي والتي كانت تتواجد هي الأخرى في الشام، مثل: عائلة بدرخان، عائلة جميل باشا، عائلة حاجو، وممدوح سليم بك، وقدري جان..

 

التواصل مع المصريين في الشام

وخلال فترة وجوده في الشام آنذاك، التقي مام جلال ورفيقيه (عبد الرحمن ذبيحي، كمال فؤاد)، الذين كانوا آنذاك يعتبرون بمثابة هيئة العلاقات الخارجية للحزب الديمقراطي الكردستاني في دمشق والتي كانت تلتقي بمختلف الأحزاب والجهات المتواجدة هناك وخاصة العربية منها، وبعد لقائهم كلاً من صديق شنشل وفائق السامرائي، حيث كان الأول رئيساً لحزب الإستقلال العراقي (وهو حزب عربي قومي)، والثاني نائباً له، وعن طريقهما استطاعوا آنذاك أن يلتقوا برئيس البرلمان السوري آنذاك (أكرم الحوراني)، والتقوا أيضاً برئيس حزب البعث العربي الاشتراكي (ميشيل عفلق)، وكذلك التقوا برئيس دائرة الإستخبارات السياسية (عبد الحميد سراج).

وهكذا بدأ مام جلال بالتواصل مع المصريين عن طريق عبد الرحمن ذبيحي الذي كانت له آنذاك علاقات جيدة معهم، حيث تمكن ذبيحي من اللقاء مع الوزير والضابط المصري المقرب من جمال عبد الناصر (كمال الدين رفعت)، ونجح في إقناع المصريين بفتح محطة إذاعية كردية في القاهرة (١٩٥٧- ١٩٦٨)، ومن بين الذين عملوا فيها (الدكتور فؤاد معصوم، الشيخ عدنان حقي)، كما حضر ذبيحي وبالتنسيق مع مام جلال المؤتمر الأول لشعوب آسيا وإفريقيا الذي عقد في القاهرة أواخر (1957)، وحاول كل جهده من أجل إقناعهم بالموافقة على حضور وفد كردي إلى هذا المؤتمر ولكن من دون جدوى، والتقى خلال المؤتمر بأنور السادات والآخرين، ولعب ذبيحي دوراً كبيراً في أعمال هذا المؤتمر، وقام بنشاطات هامة بهدف التعريف بالقضية الكردية.

هذا وكان مام جلال قد أصبح حينذاك، وبمساعدة روشن بدرخان، لاجئا سياسيا في سوريا، حيث تعرف عن طريقها بضابط كردي اسمه (العقيد محمد زلفو)، الذي قام باستكمال أوراقه والحصول على القرار الرسمي بقبوله لاجئاً سياسياً، وقد تم تخصيص راتب شهري له وقدره (300) ليرة سورية، وكان ذلك يعد مبلغا كبيرا في ذلك الحين، وظل مام جلال مقيماً في دمشق لفترة بسبب ملاحقته من قبل الحكم الملكي في العراق، وكان يتابع إلى جانب نشاطه السياسي دراسته في كلية الحقوق أيضاً

وهكذا لعب مام جلال وعبد الرحمن ذبيحي خلال تواجدهما هناك دوراً كبيراً في مساندة ودعم المؤسسين الأوائل وانضاج فكرة تأسيس أول حزب كردي في سوريا، كما لعبا وخاصة مام جلال دوراً مماثلاً في كتابة برنامجه السياسي، وحشد الشخصيات والجماعات والكتل الكردية حول هذا الحزب الوليد واقناعها للانضمام إليه..

 

دور في تأسيس تنظيم خاص بالكرد السوريين

لقد لعب مام جلال خلال تواجده في الشام دوراً فعالاً ومؤثراً في التشجيع على فكرة تأسيس تنظيم سياسي خاص بالكرد السوريين، لتحرير قضيتهم القومية من بين فكي كماشة التهميش والإنكار الذي تعانيه من جانب الإتجاهات الشوفينية، وخاصة (حزب البعث العربي الإشتراكي)، الذي كان يعتبر كل من تكلم العربية عربياً، ويتهم الكرد بالانفصالية وإقامة إسرائيل الثانية، وكذلك من جانب (الحزب الشيوعي السوري)، الذي كان من جهته يشجع النزعة الكوسموبوليتية بين الوسط الكردي في سوريا، ويقف بالمرصاد لأي توجه قومي كردي ويتهمه بالعنصرية، ناهيك عن الاتجاهات الإسلامية، وخاصة (حزب الأخوان المسلمين)، الذي كان يجزم بأن الإسلام هو الحل النهائي للمسألة القومية وأي حل آخر هو بدعة لا بد من بترها.

 ومن هنا، فقد استمر مام جلال ومعه عبد الرحمن ذبيحي، بمساعدة المؤسسين الأوائل (أوصمان صبري، عبد الحميد درويش، حمزة نويران)، والوقوف إلى جانبهم من أجل إنضاج فكرة تأسيس حزبهم، وولادته باسم (حزب الديمقراطيين الكرد السوريين)، والمساهمة معهم في كتابة برنامجه السياسي الذي طبع بدمشق في أواخر عام (1956)، باللغة الكردية (اللهجة الكرمانجية)، وكان يتألف من ثلاثة أقسام (القسم السياسي والثقافي والاجتماعي)، وقد جاء فيه: عندما يتحرر بلدنا سوريا من النفوذ الاستعماري، وتنتهي التدخلات الأجنبية في شؤونه الداخلية عندها سيطالب الحزب بإيجاد وضع خاص لـ(400) ألف كردي يعيشون في (الجزيرة، وجبل الكرد، وعين العرب)، وذلك من أجل تأمين حقوقهم (السياسية والاجتماعية والثقافية).

 

 

انضمام مجموعة (كرداغ)

وبعد عام من تأسيسه، وتحديداً في (١٤/٦/١٩٥٧)، انضمت إلى الحزب مجموعة (كرداغ)، والتي كانت تضم (رشيد حمو، شوكت حنان، محمد علي خوجه، خليل محمد)، الذين كانوا قد انفصلوا عن الحزب الشيوعي السوري الذي رفض مطالبهم المتعلقة باللغة الكردية واتهمهم بالتعصب القومي، وبعد انضمامهم إلى قيادة الحزب، تم الإتفاق على تغيير اسم الحزب من (حزب الديمقراطيين الكرد السوريين)، إلى (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، واعتبار تاريخ انضمام تلك المجموعة إلى الهيئة التأسيسية، تاريخاً رسمياً لتأسيس الحزب أيضاً.

والملفت للنظر أن مام جلال فضلاً عن دعمه المعنوي لتأسيس الحزب، كذلك بادر عملياً إلى استثمار علاقاته الواسعة مع مختلف الشخصيات والجماعات الكردية السورية، وحشدها للإلتفاف حول هذا الحزب الوليد واقناعها بالانضمام إلى صفوفه.

فقد كان لمام جلال دوره الرئيسي في إقناع الشاعر الكردي جكرخوين بحل تنظيمه الذي كان يسمى (حزب آزادي)، وانضمامه إلى الحزب الجديد، ومن ثم اختياره عضواً في قيادة الحزب، كما ذهب مام جلال بنفسه إلى القامشلي للإتصال مع قيادة (جمعية وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد)، وإقناعها بحل نفسها والإنضام أيضاً إلى هذا الحزب، وهكذا كان له الدور الرئيسي في إقناع الدكتور نور الدين زازا للإنضمام إلى قيادة الحزب ومن ثم اختياره رئيساً له، وكذا الأمر مع الشيخ محمد عيسى الذي أصبح هو الأخر عضوا في تلك القيادة، كما بادر مام جلال إلى إعلام الملا مصطفى برزاني بتأسيس الحزب الكردي السوري الجديد ونجح في إقناعه بتأييد هذا الحزب، وذلك خلال لقائه به في موسكو على هامش حضوره مهرجان الشباب والطلبة العالمي هناك عام (١٩٥٧)، وبعد عودته إلى الشام أعلم مام جلال قيادة الحزب بهذا التأييد.

 

مناخ نسبي من الديمقراطية

وبالرغم من أن ضباط الجيش كانوا يمسكون بزمام الأمور من وراء الستار، إلا أن البلاد مع ذلك كانت تعيش حينذاك مناخاً نسبياً من الديمقراطية، فاستطاع مام جلال ورفيقيه (عبد الرحمن ذبيحي، وكمال فؤاد)، أن يلتقوا بالعقيد (عبد الحميد السراج)، الذي أخبرهم بنهاية اللقاء عن موقفه من الكرد في سوريا، كما يلي: (أنتم الكرد إفعلوا ما تريدونه في كردستان العراق، وإيران، وتركيا، ولكن إتركوا الآن كردستان سوريا، فهي جزء من كردستان تركيا، ووجهوا نشاطاتكم نحو كردستان تركيا، وسندعمكم أيضاً بكل الإمكانات، لاتخلقوا المشاكل لسوريا.. ألخ)، وبالفعل ظلت مواقف الحكومات المتتالية على دست الحكم في سوريا تدور في إطار هذه الرؤية الشوفينية التي تنفي وجود قضية كردية في سوريا، وتسعى إلى توجيه أنظار الشعب الكردي في سوريا نحو خارج الحدود، وبالتالي فتح المجال أمام ترويج التوجهات والشعارات الكردستانية المزاودة، مثلما فتحت المجال أيضاً أمام الشعارات الطبقية البراقة، والتي من شأنها أن تحقق استراتيجية الأنظمة الشوفينية المتتالية على دست الحكم في سوريا والمتمثلة في نفي وجود أية قضية كردية في سوريا، وبالتالي الدعوة إلى دفع أنظار الكرد السوريين نحو خارج ساحتها الحقيقية، وهذا ما يفسر تغيير اسم الحزب بعد وقت قصير من تأسيسه، من (الكردي) إلى (الكردستاني)، وطرح شعار ( تحرير وتوحيد كردستان)، من وراء الكواليس ومن دون أي قرار رسمي من هيئاته، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل جزء من أجزاء كردستان التي أفرزتها المواثيق والمعاهدات وهكذا وقف مام جلال ورفاقه بخبرتهم السياسية والتنظيمية وعلاقاتهم الواسعة إلى جانب المؤسسين الأوائل وساهموا معهم في بلورة خطابهم السياسي الواقعي وحمايته من تلك الشعارات التضليلية المخدرة (الكردستانية، والطبقية)، التي كانت تطرح بشكل مبرمج هنا وهناك ضمن حدود استراتيجة الانظمة الحاكمة في البلاد، وبما ينسجم مع توجهاتها الشوفينية..

 

2.(في مواجهة الكوسموبوليتية)

الحقيقة أن مام جلال وبقدر ما ساهم هو ورفاقه مع المؤسسين الأوائل في بناء هيكل حزبهم التنظيمي، كذلك لم يتوانوا عن المساهمة الفعالة في بلورة وعيهم القومي، وتعريفهم بقضيتهم القومية ولفت أنظارهم إلى خصوصية نضالهم، وإلى إستقلالية قرارهم السياسي أيضاً، ولعل الكراس الذي أصدره عبد الرحمن ذبيحي آنذاك بعنوان (رد على الكوسموبوليتية)، كان تتويجاً لهذا الدور الذي قام به مام جلال ورفاقه في إيقاظ الوعي القومي لدى الكرد السوريين وتشجيعهم على النضال من أجل حقوقهم القومية والوطنية، وهذا ما يفسره لنا مبادرة الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا آنذاك إلى توجيه أعضائه لقراءة هذا الكراس في خلاياه التنظيمية وهيئاته بحسبما يؤكده عمر شيخموس في كتابه (جمرة تحت الرماد). 

ففي النصف الأخير من خمسينيات القرن المنصرم، وخلال تواجد مام جلال في الشام (١٩٥٥- ١٩٥٨)، كان الحزب الشيوعي السوري يتمتع بنفوذ قوي في عموم البلاد، وبشكل خاص بين صفوف المجتمع الكري الذي كان يعيش حينذاك فراغاً سياسياً بسبب عدم وجود حزب كردي يقود نضاله القومي والوطني، كما أن الانتماء القومي للأمين العام للحزب الشيوعي السوري (خالد بكداش)، أيضاً كان له تأثيره المباشر على استقطاب قطاعات واسعة من المجتمع الكردي حول الحزب الشيوعي السوري، كانت قد انبهرت بشعار (حق الشعوب في تقرير مصيرها)، وخاصة الفئات الكادحة التي كانت تعاني القهر والجهل والفقر والحرمان، حتى أن شاعراً متنوراً بحجم الشاعر الكردي الكبير (جكرخوين)، وبحسبما يذكر مام جلال في مذكراته (رحلة العمر)، كان قد تأثر بمثل تلك الأفكار الكوسموبوليتية وأصبح عضوا في حركة أنصار السلام عام (1955)، وكان يرى بأنه لا داعي لتأسيس مثل ھذا الحزب لأن السوريين جميعاً إخوة ولا يجب أن نفرق بينهم كما يريده الاستعمار، ولكنه في الأخير غير مساره عام (1957)، وتحرر تماماً من تلك الأفكار وسلك سبيل النضال القومي وظل عضواً في قيادة الحزب الديمقراطي التقدمي الكري في سوريا، حتى اليوم الأخير من عمره.

 

 

الدور السلبي الذي يلعبه الكرد الشيوعيون

ولهذا فقد بادر عبد الرحمن ذبيحي في عام (١٩٥٦)، وباسمه المستعار (محمود حسن شنوي)، إلى إصداركراس في دمشق بعنوان (رد على الكوسموبوليتية)، يفضح فيه الدور السلبي الذي يلعبه الكرد الشيوعيون تجاه قضية شعبهمم وتجاه قيادة حركته السياسية، ويبين فيه تنكرهم لقوميتهم، حيث يقول عبد الحميد درويش في مذكراته بأن عبد الرحمن ذبيحي: (وخلال تواجده في دمشق لعب دوراً كبيراً ومميزاً في مواجهة ظاهرة الكوسموبوليتية التي كانت قد تفشت أواسط الخمسينيات من القرن المنصرم بين الأعضاء الكرد المنتسبين إلى الحزبين الشوعيين في سوريا والعراق، وساهم في محاربتها وفضحها بجرأة وشجاعة).

ولهذا كانت ردة فعل الحزب الشيوعي عنيفاً جداً تجاه تأسيس (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، وصار الشيوعيون يتهمون أعضاء الحزب الكردي بمختلف الاتهامات، من قبيل العنصرية والرجعية وعملاء الامبريالية، بينما كانوا يشجعون الكرد الشوعيين على النزعة الكوسموبوليتية والابتعاد عن النزعة القومية والتنكر لكرديتهم، وبالفعل بدأ الشوعيون الكرد بمعظمهم يتأثرون بالحملة التي قادها مام جلال وذبيحي ضد الكوسموبوليتية بدون هوادة من قلب (الشام)، وبدأوا بالانسحاب من بين صفوف الحزب الشيوعي، وانضموا إلى الحزب الكردي الجديد الذي بدأت صفوفه تتوسع وتمتد الى مختلف أماكن تواجد الكرد في سوريا.

 

موقف سلبي تجاه (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)

واستمر هذا الموقف السلبي من جانب (الحزب الشيوعي السوري) تجاه (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، الذي اعتبره منافساً قوياً له في الساحة الكردية التي كانت تحت تأثير نفوذه حتى وقت قريب، إلى أن تم الإعلان عن الوحدة المصرية السورية، وإصدرت حكومة الوحدة آنذاك قراراً بحل الأحزاب، فجاء موقف (الحزب الشيوعي السوري)، وموقف (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا)، متطابقاً في رفض هذا القرار، فبات الحزبان في جبهة واحدة في مواجهة حملات قاسية وشرسة من القمع والملاحقة والاعتقالات من جانب حكومة الوحدة.

وفي هذا الإطار يؤكد البروفيسور عز الدين مصطفى رسول الذي كان يعيش هو الآخر في الشام بهدف الدراسة آنذاك ويسكن مع عبد الرحمن ذبيحي في غرفة واحدة، وكان مام جلال يساعدهما في دفع إيجارها وتغطية جزء من مصاريفهما اليومية، وفي هذا الإطار وبحسما ورد في كتاب صفحات من سيرة حياة عبد الرحمن ذبيحي، فإن عز الدين رسول يقول: (لم نكن نملك حينها من المال سوى تلك المساعدة التي كان يقدمها حينذاك مام جلال لذبيحي بين الحين والآخر.. إلخ).

هذا وقد غضب الحزب الشيوعي السوري من عبد الرحمن ذبيحي غضباً شديداً بسبب الكراس الذي أصدره حول الكوسموبوليتية باللغة العربية، ويقول عز الدين رسول بأن الشيوعيين قرروا إلحاق الأذى به لولا تدخلهم لدى جمال الحيدري الذي كان متواجداً حينذاك في الشام، والتوسط لديه لتجاوز هذا الخلاف الذي أثير على إثر صدور كراس (رد على الكوسموبوليتية)، الذي كان الذبيحي قد كتبه باللغة العربية بتشجيع من مام جلال، حيث قامت روشن بدرخان بتنقيحه لغوياً، بينما كتب البروفيسور عزالدين رسول مقدمته.

....يتبع


21/01/2023    |   مشاهدة: 442