الاتحاد الوطني ..أمل في قلب الهزيمة،وشعلة تجدد في قلب الظلام
كاتب و عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني
*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
في تاريخ الشعوب، هناك تنظيمات لا تكون مجرد أسماء سياسية، بل تكون جوابا لمرحلة، جوابا على الظلام والخوف، جوابا على الهزيمة والصمت، جوابا على تلك اللحظات التي تقف فيها أمة بين البقاء والفناء. وكان الاتحاد الوطني الكوردستاني واحدا من تلك الأجوبة، ولد من قلب نار نوروز، ومن بين رماد ما بعد نكسة الثورة، في وقت ظنّ فيه كثيرون أن حلم الكورد قد انتهى.
إن التاريخ لا يكتب دائما بخط مستقيم، فكثيرا ما تولد القرارات الأكثر إشراقا في أحلك اللحظات. ففي حزيران عام 1975، حين خيّم الظل الثقيل لاتفاقية الجزائر وانسحاب ثورة أيلول على كوردستان كسحابة كثيفة، ظنّ كثيرون أن القضية الكوردية قد دفنت في مقبرة التاريخ. لكن في عمق ذلك اليأس القاتل، كانت نار أخرى تتوهج بهدوء، نار فكر وارادة وامل.
في الأول من حزيران 1975، نهض عدد من المناضلين المثقفين وأصحاب الإرادة وقالوا:ما زال الأمل باقيا». لم يكن ذلك مجرد شعار، بل كان قرارا تاريخيا لكي لا تسقط أمة في فخ الهزيمة واليأس. لم يكن تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني مجرد إعلان عن حزب سياسي جديد، بل كان انفجارا لوعي فكري وقومي .
في تلك المرحلة ظهرت (کۆمەڵە) كنواة فكرية وتنظيمية، تنظيم استطاع أن يمزج بين الوعي القومي والاجتماعي، وأن يحيي من جديد شبكات التنظيم السرية في المدن والقرى. وكان الشهيد شاسوار المعروف باسم "كاك آرام" رمزا للنهوض الفكري والقومي في تلك المرحلة، رجلاَ نقل النضال من حيّز النظرية إلى قلب الواقع.
ولم تكن "لجنة الأقاليم "بقيادة كاك آرام مجرد مركز تنظيمي، بل كانت ملاذا للأمل بالنسبة لأناس عاشوا تحت الظلم والملاحقة. ففي البيوت التي كانت الاجتماعات السرية تعقد فيها ليلا، وفي القلوب التي لم تفقد إيمانها بالغد، كان الاتحاد الوطني الكوردستاني يتشكّل بهدوء.
وفي الوقت ذاته، ظهرت الحركة الاشتراكية بقيادة السيد" علي عسكري" ورفاقه كذراع فولاذية للثورة الجديدة. ومن خلال المزج بين الفكر التقدمي وشجاعة الميدان، أصبحوا جزءا مهما من اشتعال جذوة النضال، جزءا لا يكتمل تاريخ الثورة من دون تضحياته.
وفي قلب تلك المعادلات المعقدة، برز جلال طالباني ليس فقط قائدا سياسيا، بل كدينامو للفكر والاستراتيجية، كان يدرك أن النضال لا يخاض بالسلاح وحده، بل ببناء الوعي القومي، وتأسيس تنظيم شبه جبهوي ، وفكر يساري واقعي وعقلاني، وقراءة دقيقة لتحولات العالم. كان يبحث عن الفرصة وسط الأزمات، ويضع أسس النهوض من قلب الهزيمة.
ولهذا لم يكن الاتحاد الوطني الكوردستاني في كثير من المراحل مجرد قوة سياسية، بل كان قراءة جديدة للعصر. اختار نهجا عقلانيا حافظ على توازن دقيق بين النضال والأمل، وبين الانتماء القومي والواقعية السياسية.
اليوم تغيّر العالم. لم تعد الحروب تخاض فقط في ميادين السلاح، بل في الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والطاقة والهوية أيضا. والعراق يعيش بين مشروع بناء الدولة وأزماته السياسية، كما أن إقليم كوردستان بحاجة إلى مرحلة جديدة من الإصلاح والتجدد.
وفي هذا الظرف، إذا أراد الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يبقى كما كان دائما ،جوابا للمرحلة، فعليه أن ينصت أكثر من أي وقت مضى إلى صوت الناس، ولا سيما النساء والشباب، لأنهم علامة المستقبل. فالجذور القديمة إن لم تتجدد بأنفاس جديدة، تجف.
إن حماية المكتسبات، وترسيخ سيادة القانون، وصون الاستقرار والسلام والحرية، ومعالجة المشكلات الداخلية، وتحسين العلاقة بين الإقليم والمركز وفق الدستور، كلها مهام المرحلة الجديدة. فالأمة لا تستطيع أن تعيش على الذكريات وحدها، بل تحتاج إلى المستقبل أيضا.
إن الشعار التاريخي ل (خاڵه شهاب ورفاقه):" عِش قليلا، ولكن بإباء"، لم يكن مجرد مقولة ثورية، بل كان فلسفة أخلاقية تدعو الإنسان إلى أن يعيش بكرامة، حتى في السجن وحتى على أعواد المشانق. ومن هنا صغر الخوف من الموت، واتسع معنى الحياة.
وفي هذه الذكرى المهيبة، نبعث باقات الوفاء والتقدير إلى كاك کۆسرەت و هێرۆ خان وهما اسمين وتاريخين، قد يكون حضورهما بعيدا بالجسد، لكن روحهما وآثار نضالهما ما تزال حاضرة في ضمير الناس.
السلام على روح مام جلال الطاهرة، وعلى جميع شهداء طريق الحرية.
السلام على صمود البيشمركة، وعلى أولئك الأمهات اللواتي حملن الأمل وسط الدموع.
وبلا شك، فإن التاريخ لا يكتب أسماء الذين امتلكوا السلطة فقط، بل يخلّد الذين أشعلوا شعلة الأمل لأمتهم في أحلك اللحظات.
|