×


  کل الاخبار

  العراق.. توازنٌ دقيقٌ في إقليم مضطرب



*د. علي موسى الكناني

 

في ظل تصاعد حدة التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط، يجد العراق نفسه أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في سياسته الخارجية والأمنية منذ سنوات، في وقت لا تزال فيه الدولة تعمل على ترسيخ استقرارها الداخلي بعد عقود من الاضطرابات. هذا الواقع المعقد يضع بغداد أمام اختبار دقيق يتمثل في كيفية الحفاظ على موقع متوازن وسط حرب مفتوحة تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية فاعلة، ما يجعل أي انزلاق نحو الاصطفاف خيارا عالي الكلفة سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

وانطلاقا من هذا الإدراك، تعتمد الحكومة مقاربة يمكن وصفها بـ"الحياد الحذر"، وهي مقاربة لا تقتصر على النأي بالنفس عن الصراع، بل تمتد إلى محاولة منع انعكاساته المباشرة على الداخل، مع الإبقاء في الوقت ذاته على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع مختلف الأطراف.

ويعكس هذا النهج قناعة رسمية بأن إدارة التوازنات الخارجية باتت جزءا من حماية الاستقرار الداخلي، خصوصا في بيئة إقليمية شديدة التقلب، حيث تتغير التحالفات وتتسع ساحات الاشتباك بشكل متسارع.

وفي هذا السياق، يبرز مبدأ السيادة الوطنية كأحد أهم ركائز الخطاب الرسمي العراقي، إذ تؤكد بغداد باستمرار رفضها القاطع لأي انتهاك لأجوائها أو أراضيها، أو استخدامها كمنطلق لأي عمليات عسكرية. ولا يأتي هذا التشديد من فراغ، بل يستند إلى تجربة طويلة مع التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، جعلت من مسألة صون القرار السيادي أولوية استراتيجية ترتبط مباشرة بمفهوم الدولة واستقرارها.

ومن ثم، تسعى الحكومة إلى إعادة ترسيخ صورة الدولة القادرة على ضبط حدودها السياسية والجغرافية، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

غير أن هذا الطموح يصطدم بتعقيدات الواقع الإقليمي، حيث يضطر صانع القرار العراقي إلى إدارة علاقات دقيقة مع أطراف متباينة أو متخاصمة في آن واحد، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة أو إيران أو المحيط العربي الأوسع.

ومن هنا، تتبلور سياسة "مسك العصا من الوسط" كخيار دبلوماسي يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن، بما يسمح باستمرار العلاقات دون الانزلاق إلى صدامات مباشرة، رغم ما يرافق ذلك من ضغوط متزايدة في ظل احتدام الاستقطاب الإقليمي.

ومع اتساع هذه الضغوط الخارجية، تتزايد في الداخل الهواجس الأمنية المرتبطة بإمكانية انتقال تداعيات الصراع إلى الساحة المحلية، ولذلك، تركز الحكومة على تعزيز إجراءاتها الأمنية ومنع أي انزلاق نحو الفوضى، إدراكا منها أن أي اهتزاز داخلي في هذه المرحلة قد تكون كلفته مضاعفة على الدولة ومؤسساتها.

وبالتوازي مع التحديات الأمنية، يبرز العامل الاقتصادي كعنصر ضغط إضافي لا يقل أهمية، إذ يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على عائدات النفط، ما يجعله شديد التأثر بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو الممرات البحرية. ومن ثم، تنظر بغداد بقلق إلى أي تصعيد قد ينعكس على أسعار النفط أو يهدد استقرار صادراتها، وهو ما يضيف بعدا اقتصاديا مباشرا إلى حسابات السياسة الخارجية، ويجعل من تجنب التصعيد خيارا وجوديا بقدر ما هو سياسي.

وأمام هذا المشهد، تحاول بغداد استثمار موقعها وعلاقاتها المتعددة لتقديم نفسها كمنصة ممكنة للحوار، مستفيدة من تجارب سابقة في استضافة لقاءات بين أطراف إقليمية متخاصمة.

 ورغم محدودية هذا الدور حتى الآن، إلا أنه يعكس رغبة عراقية في التحول من ساحة صراع إلى وسيط إقليمي يسهم في تخفيف التوترات، ولو بشكل تدريجي ومحسوب.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العراق مرشح للاستمرار في تبني سياسة الحياد الحذر في المدى المنظور، مع محاولات متواصلة لتعزيز أدواته الدبلوماسية والأمنية. غير أن استمرار الحرب –رغم توقفها مؤقتا- قد يضع هذا النهج أمام اختبارات أكثر صعوبة، خصوصا إذا تصاعدت الضغوط من الأطراف المتنازعة، ليبقى التحدي الأساسي أمام بغداد هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق دون أن يتحول إلى نقطة ضعف، في بيئة إقليمية لا تمنح كثيرا من هامش المناورة.


19/04/2026