×


  کل الاخبار

  استراتيجية تصحيح المسار عند الرئيس بافل جلال طالباني



من إعادة بناء الحزب إلى ترسيخ الشراكة الوطنية وحماية المسار الديمقراطي

 

 

في المراحل المفصلية من تاريخ الأحزاب والشعوب، لا تبرز أهمية القيادة من قدرتها على إدارة الواقع فحسب، بل من قدرتها على مراجعة هذا الواقع وتصحيح مساره عندما تتراكم التحديات وتتسع الفجوة بين الطموحات والإنجازات. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة المشروع السياسي للرئيس بافل جلال طالباني بوصفه استراتيجية متكاملة لتصحيح المسار، تستند إلى الإرث الوطني والنضالي للاتحاد الوطني الكردستاني، وتسعى في الوقت ذاته إلى بناء مرحلة جديدة تقوم على الإصلاح والتجديد والحوكمة الرشيدة وخدمة المواطن.

لقد جاء انتقال القيادة بعد رحيل الرئيس مام جلال في ظروف معقدة شهدت أزمات سياسية واقتصادية وإدارية، وتراجعا في الثقة بالمؤسسات، وتحديات داخلية وإقليمية متشابكة. ولذلك لم يكن التحدي الأساسي أمام بافل طالباني مجرد المحافظة على الحزب، بل إعادة بناء دوره التاريخي وتجديد رسالته السياسية بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.

ومن خلال البيانات والخطابات المتعاقبة، يمكن ملاحظة أن مفهوم "تصحيح المسار" تحول إلى عنوان جامع لرؤية سياسية متكاملة تقوم على خمسة محاور أساسية.

 

أولا: تصحيح المسار الحزبي وتعزيز التماسك التنظيمي

انطلقت رؤية بافل طالباني من قناعة بأن قوة الاتحاد الوطني لا تكمن في تاريخه وحده، بل في قدرته على التجدد والاستجابة لمتغيرات الواقع. ولذلك ركز على إعادة ترسيخ مفهوم الحزب الجماهيري الذي يستمد شرعيته من المواطنين لا من المواقع والمناصب.

وفي هذا السياق، أكد مرارا أن الاتحاد الوطني ليس ملكا لقياداته أو مؤسساته، بل هو ملك جماهيره ومناضليه وعوائل شهدائه. ومن هنا جاءت الدعوة إلى التجديد والإصلاح الداخلي، وتعزيز العمل المؤسساتي، وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب والنساء للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار.

كما عمل على ترسيخ وحدة الصف داخل الحزب باعتبارها شرطا أساسيا للحفاظ على دوره الوطني، انطلاقا من أن الأحزاب التاريخية لا تقاس بقدرتها على تجاوز الخصوم فحسب، بل بقدرتها على تجاوز أزماتها الداخلية والمحافظة على تماسكها ووحدة رؤيتها.

 

 ثانيا: تصحيح مسار الحكم في إقليم كردستان

يشكل هذا المحور أحد أبرز ملامح مشروع بافل طالباني السياسي. فقد أقر بوضوح بوجود حاجة إلى مراجعة التجربة الإدارية والسياسية في الإقليم، ووجود فجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وبين الموارد المتاحة ومستوى الخدمات المقدمة.

ومن هنا جاءت دعواته المتكررة إلى الحوكمة الرشيدة، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، وإدارة الموارد العامة بصورة عادلة، وضمان التوزيع المتوازن للثروات والخدمات بين المواطنين.

ولا تنطلق هذه الرؤية من منطق المعارضة أو المنافسة الحزبية الضيقة، بل من قناعة بأن استقرار إقليم كردستان ومستقبله يتطلبان بناء مؤسسات قوية وفاعلة تستند إلى القانون والعدالة والمساءلة.

 

كما أن التركيز على قضية الرواتب وحقوق الموظفين وتحسين الخدمات العامة يعكس انتقال الخطاب السياسي من دائرة الشعارات العامة إلى معالجة الاحتياجات اليومية للمواطن، باعتبار أن نجاح أي مشروع سياسي يقاس بقدرته على تحسين حياة الناس.

 

 ثالثا: وحدة الصف الكردستاني باعتبارها ضمانة للكيان والاستقرار

في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، يؤكد الرئيس بافل طالباني أن وحدة الصف الكردستاني لم تعد مجرد خيار سياسي، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لحماية مكتسبات إقليم كردستان وصون تجربته الدستورية.

وتقوم هذه الرؤية على استبدال منطق الإقصاء بمنطق الشراكة، ومنطق الاحتكار بمنطق التوافق، وتحويل الاختلافات السياسية إلى مصدر قوة وتنوع بدلا من أن تتحول إلى صراعات تستنزف طاقات المجتمع ومؤسساته.

ومن هذا المنطلق، يدعو باستمرار إلى الحوار بين القوى السياسية الكردستانية، وإلى بناء تفاهمات وطنية مشتركة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الانقسام يضعف الجميع بينما تعزز الوحدة القدرة على الدفاع عن الحقوق والمصالح المشتركة.

 

 رابعا: تعزيز الشراكة مع بغداد وحماية المسار الدستوري

على المستوى العراقي، تستند رؤية بافل طالباني إلى مدرسة مام جلال التي قامت على الجمع بين الدفاع عن الحقوق الدستورية للشعب الكردي والحفاظ على استقرار العراق ووحدته الاتحادية.

ولهذا يؤكد باستمرار أن العلاقة بين بغداد وأربيل يجب أن تبنى على الدستور والحوار والتفاهم، لا على سياسة فرض الإرادات أو إدارة الأزمات عبر التصعيد السياسي والإعلامي.

ويبرز هذا التوجه بصورة واضحة في مواقفه المتعلقة بملفات الرواتب والميزانية والنفط والمناطق المتنازع عليها، حيث يدعو إلى حل الخلافات من خلال المؤسسات الدستورية والتفاوض الجاد والشراكة الحقيقية.

كما يرى أن الكرد ليسوا طرفا خارج المعادلة العراقية، بل شركاء في تأسيس الدولة العراقية الحديثة وصياغة نظامها الديمقراطي، الأمر الذي يفرض عليهم المشاركة الفاعلة في إدارة الدولة وحماية استقرارها.

 

 خامسا: حماية الديمقراطية والتوافق الوطني

لا تقتصر استراتيجية تصحيح المسار على الملفات الحزبية أو الكردستانية، بل تمتد إلى دعم التجربة الديمقراطية العراقية برمتها.

فالرئيس بافل يربط بين الاستقرار السياسي وبين احترام التعددية والتعايش والشراكة الوطنية، ويرى أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات دورية، بل منظومة متكاملة تقوم على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.

ومن هنا تأتي دعواته المتكررة إلى ترسيخ التوافق الوطني بين المكونات العراقية، وتعزيز الحوار بين القوى السياسية المختلفة، وتجنب الخطابات التصعيدية التي تهدد الاستقرار وتضعف مؤسسات الدولة.

 

 من الحزب الثوري إلى حزب الدولة

إن جوهر المشروع الذي يطرحه بافل جلال طالباني يتمثل في الانتقال بالاتحاد الوطني الكردستاني من مرحلة الاعتماد على الشرعية التاريخية وحدها إلى مرحلة الشرعية السياسية المتجددة القائمة على الإنجاز والخدمة العامة.

فالحزب الذي قاد النضال من أجل الحقوق القومية والديمقراطية مطالب اليوم بأن يكون أيضا حزبا للإدارة الرشيدة والتنمية والاستقرار وبناء المؤسسات.

ولهذا فإن استراتيجية تصحيح المسار لا تعني القطيعة مع الماضي، بل تعني توظيف إرث مام جلال والرواد المؤسسين في خدمة المستقبل، وتحويل التجربة النضالية إلى مشروع دولة ومؤسسات وشراكة وطنية.

وفي ظل التحديات التي تواجه إقليم كردستان والعراق والمنطقة، تبدو هذه الرؤية محاولة جادة للجمع بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العصر، وبين حماية الحقوق الكردية وتعزيز الاستقرار العراقي، وبين الحفاظ على هوية الاتحاد الوطني وتجديد دوره في الحياة السياسية.

وهكذا يتقدم مشروع بافل طالباني بوصفه مشروعا للإصلاح والتجديد، هدفه إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، وتعزيز وحدة الصف الكردستاني، وترسيخ الشراكة مع بغداد، وحماية الدستور والديمقراطية، وصولا إلى بناء نموذج حكم أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

 

*المرصد -فريق التوثيق/ استندت هذه الصياغة إلى بياناته في 2022 و2023 و2024 وخطاب اليوبيل الذهبي 2025.


01/06/2026