عن ضرورات الاتحاد الوطني الكردستاني في زمن التحولات
لم ينظر الاتحاد الوطني الكردستاني إلى ذكرى تأسيسه بوصفها محطة لاستذكار الماضي فقط، بل تعامل معها دائما باعتبارها فرصة لإعادة تعريف المهام المطلوبة في كل مرحلة تاريخية و تتجلى بوضوح رؤية الحزب لضرورات وجوده ودوره في الحاضر والمستقبل.
أهمية الأحزاب السياسية لا تقاس بعدد سنوات عمرها، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة المرحلة التي تعيشها شعوبها فهناك قوى تنشأ استجابة لظرف تاريخي معين ثم تنتهي بانتهاء ذلك الظرف، وهناك قوى تتحول إلى جزء من معادلة الاستقرار والتغيير لأنها تنجح في تجديد دورها كلما تغيرت التحديات.
وفي التجربة الكردستانية المعاصرة، لا يمكن فهم مسار التحولات السياسية والوطنية دون التوقف عند الدور الذي لعبه الاتحاد الوطني الكردستاني بوصفه أحد أبرز القوى التي ساهمت في إعادة صياغة المشروع الوطني الكردي، وربطت بين النضال القومي ومتطلبات الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
اليوم، وبعد عقود من النضال والتضحيات، لم تعد التحديات التي تواجه كردستان هي ذاتها التي واجهتها الأجيال الأولى من المناضلين فالمخاطر لم تعد تقتصر على الإنكار والتنصل من الالتزامات الدستورية، بل باتت أكثر تعقيدا وتشابكا، تتجسد في الصراع على الصلاحيات الدستورية، ومستقبل الفيدرالية، ومصير المناطق الكردستانية خارج إدارة الإقليم، فضلا عن التحولات الإقليمية المتسارعة التي تعيد رسم خرائط النفوذ والمصالح في المنطقة.
وسط هذه المعادلات، تبرز الحاجة إلى قوة سياسية تمتلك الخبرة التاريخية والقدرة التنظيمية والرؤية الواقعية للتعامل مع المتغيرات. وهنا تتجلى إحدى أهم ضرورات الاتحاد الوطني الكردستاني؛ فهو ليس مجرد إرث سياسي أو تجربة تاريخية، بل يمثل أحد أعمدة التوازن الوطني الكردستاني والعراقي، بما يمتلكه من حضور سياسي وجماهيري وعلاقات مؤثرة على المستويين الداخلي والخارجي.
كما أن حماية المكتسبات التي تحققت لشعب كردستان لم تعد مهمة مرتبطة بالشعارات، بل تتطلب عملا سياسيا ومؤسسيا متواصلا. فالفيدرالية والديمقراطية والحقوق الدستورية لا تحمي نفسها بنفسها، بل تحتاج إلى قوى مؤمنة بها وقادرة على الدفاع عنها في مواجهة محاولات التراجع أو الالتفاف عليها.
وفي الداخل الكردستاني تبرز ضرورة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية وتحصين البيت الكردي، فالتجارب أثبتت أن قوة الموقف الكردي كانت دائما ترتبط بقدرته على توحيد الجهود وتقديم المصالح الوطنية العليا على الحسابات الضيقة. لذلك فإن أي مشروع وطني جاد لا يمكن أن ينجح دون شراكة سياسية مسؤولة بين القوى الرئيسية، ودون الحفاظ على الاستقرار السياسي الذي يشكل قاعدة لأي تقدم اقتصادي أو اجتماعي.
وفي الوقت نفسه، فإن مستقبل التجربة الكردستانية لا يتوقف عند حماية المنجزات فقط، بل يتطلب معالجة التحديات الداخلية التي تشغل حياة المواطنين اليومية. فالإصلاح الإداري، ومكافحة الفساد، وتطوير المؤسسات، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز التنمية الاقتصادية، كلها ملفات باتت جزءا من معركة الحفاظ على المكتسبات الوطنية نفسها. إذ لا يمكن لأي تجربة سياسية أن تستمر إذا لم تنعكس نتائجها على حياة الناس ومستوى معيشتهم وثقتهم بالمؤسسات.
لقد ولد الاتحاد الوطني في واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ الكردي المعاصر، في زمن كانت فيه الهزيمة السياسية والعسكرية تبدو للكثيرين نهاية لمسيرة النضال. إلا أن خصوصية هذه التجربة تمثلت في قدرتها على تحويل لحظة الانكسار إلى نقطة انطلاق جديدة، وإعادة الثقة بإمكانية مواصلة الكفاح وتحقيق الأهداف الوطنية رغم اختلال موازين القوى وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.
غير أن المهمة التاريخية للاتحاد لم تتوقف عند إعادة إشعال جذوة المقاومة فمع تطور الأحداث وتحول النضال من ساحات الجبال إلى مؤسسات الحكم والإدارة، انتقلت المسؤولية إلى مستوى أكثر تعقيدا. وأصبح المطلوب ليس فقط حماية القضية الكردية، وإنما إدارة تجربة سياسية وديمقراطية ناشئة، وبناء مؤسسات قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وهنا برز دور الاتحاد الوطني بوصفه قوة تسعى إلى الجمع بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالحفاظ على الديمقراطية لم يعد شعارا سياسيا، بل مهمة يومية تتطلب حماية الحريات، وتعزيز دور البرلمان، واحترام التداول السلمي للسلطة، وتوسيع مساحة المشاركة السياسية، وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف.
كما أن تجربة الحكم أظهرت أن النضال من أجل الحقوق القومية لا ينفصل عن النضال من أجل تحسين حياة المواطنين فالتنمية الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز التعليم والصحة والاستثمار، كلها أصبحت جزءا من مفهوم التحرر الوطني في مراحله الجديدة. ولذلك فإن نجاح أي مشروع سياسي يقاس اليوم بقدرته على تحويل المكاسب السياسية إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس.
وفي السياق ذاته، يرى الاتحاد الوطني أن قوة التجربة الكردستانية لا تكمن فقط في إنجازاتها، بل في قدرتها على تصحيح أخطائها فالمراجعة والنقد والإصغاء إلى مطالب المواطنين ليست مظاهر ضعف، وإنما عناصر أساسية في أي نظام ديمقراطي يسعى إلى التطور والاستمرار. ولهذا فإن معالجة أوجه القصور ومكافحة الفساد وتطوير الأداء المؤسسي تبقى جزءا من المسؤولية الوطنية التي لا تقل أهمية عن حماية المكتسبات السياسية.
أما على المستوى الوطني العراقي، فإن المهمة الأساسية تتمثل في ترسيخ عراق ديمقراطي اتحادي قائم على الشراكة واحترام الدستور والتعددية فاستقرار كردستان وازدهارها يرتبطان ارتباطا وثيقا باستقرار العراق ونجاح تجربته الديمقراطية، كما أن معالجة الملفات العالقة وفي مقدمتها المناطق الكردستانية خارج إدارة الإقليم تبقى جزءا من النضال السياسي والدستوري المشروع.
لقد انتقل الاتحاد الوطني الكردستاني خلال عقود من كونه حركة مقاومة تواجه مشاريع الإلغاء إلى قوة سياسية تتحمل مسؤولية حماية تجربة ديمقراطية كاملة وبين هاتين المرحلتين تشكلت فلسفة سياسية قوامها أن النصر لا يتحقق فقط بإسقاط التحديات، بل بالقدرة على بناء البديل، وأن المحافظة على المنجزات لا تقل أهمية عن تحقيقها.
إن أهمية الاتحاد الوطني الكردستاني اليوم لا تنبع من ماضيه النضالي وحده، مهما كان ذلك الماضي حافلا بالتضحيات والإنجازات، بل من قدرته على أن يكون جزءا من الإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل. فالمراحل الانتقالية والتحولات الكبرى تحتاج إلى قوى تمتلك الذاكرة والخبرة والرؤية في آن واحد، وتستطيع الجمع بين الدفاع عن الحقوق الوطنية وبناء مؤسسات الدولة وترسيخ قيم الديمقراطية.
وهكذا، فإن المهمة التاريخية للاتحاد الوطني اليوم لا تتمثل في استحضار أمجاد الماضي فحسب، بل في مواصلة دوره كقوة إصلاح وشراكة وحماية للمشروع الديمقراطي الكردستاني، والعمل من أجل استكمال الأهداف الوطنية التي ما زالت تنتظر الكثير من الجهد والإرادة والعمل المشترك.
*المرصد -فريق التوثيق/ استندت هذه الصياغة إلى بعض بيانات المكتب السياسي للاتحاد الوطني في ذكرى التاسيس.