الغارديان السريلانكية/الترجمة والتحرير : محمد شيخ عثمان
من الواضح أننا نعيش اليوم ثورة عميقة في أساليب الحرب، فرضتها التحولات التكنولوجية. فالقوة الجوية التقليدية التي يقودها طيارون بشر باتت تستبدل تدريجيا بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. وقد أدى ذلك إلى تطورات مفاجئة، إذ تمكنت قوى تبدو أضعف مثل أوكرانيا وإيران من تعطيل قوى أكبر مثل روسيا والولايات المتحدة.
خلال الأسابيع الماضية، بدأت وسائل الإعلام الرئيسية تتناول حقيقة أن أوكرانيا تحقق أداء أفضل بكثير في ساحة المعركة، وأن الحرب مع روسيا قد تكون أخيرا في طريقها إلى التحول لصالحها. لكن بعض الادعاءات المتعلقة بهذه الثورة التكنولوجية مبالغ فيها، ومن الضروري فهم الطرق الدقيقة التي تتغير بها طبيعة الحرب.
لقد واجهت القوة الجوية دائما صعوبات كبيرة في تحقيق أهداف سياسية بحد ذاتها، وهو ما يظهر بوضوح في الحرب الإيرانية الجارية و"عملية الغضب الملحمي". وما أود بحثه هنا هو كيف تؤثر القوة الجوية في المعركة البرية، التي لا تزال الوسيلة الأساسية التي تؤثر بها الحروب في النتائج السياسية. وفي هذا المجال، يمكن تاريخيا تمييز ثلاثة مجالات رئيسية لاستخدامها.
المجال الأول هو الاستراتيجي: تدمير الأهداف الكبيرة في عمق خلف العدو، والتي تلعب دورا مهما في دعم مجهود الحرب، مثل المصانع، ومفترقات السكك الحديدية، وشبكات الطاقة، وما إلى ذلك.
أما الاستخدام الثاني للقوة الجوية فهو العملياتي: استهداف أهداف عسكرية أقرب إلى ساحة القتال، ربما على بعد 10 إلى 100 كيلومتر خلف خطوط الجبهة، بما في ذلك خطوط الإمداد، والدفاعات الجوية، والقوات التي تتجمع لشن هجوم، ومنشآت الاتصالات، ومراكز القيادة، والثكنات، أو مخازن الوقود اللازمة للقوات المدرعة المتحركة. وتعد هذه الهجمات حاسمة في “تشكيل” المعركة البرية من خلال تعطيل الاتصالات والإمداد.
أما المهمة الثالثة فهي الدعم الجوي القريب، أي مهاجمة القوات المعادية المنخرطة فعليا في القتال على خطوط الجبهة.
لقد تأثر المجالان الأول والثالث بالفعل بشكل كبير بالتقنيات الجديدة، ونحن على وشك أن نشهد تغييرات كبيرة في الفئة الثانية. فلننظر إلى ما أثبتته الحروب الأخيرة.
تتناول الكثير من التغطيات الإعلامية مؤخرا الحملة الأوكرانية لضربات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، والتي استهدفت منشآت النفط والغاز الروسية، وفي بعض الحالات على بعد آلاف الكيلومترات من الحدود الأوكرانية. كما أشار مراقبون إلى غياب المعدات العسكرية الثقيلة عن احتفالات “يوم النصر” في التاسع من مايو في الساحة الحمراء، بسبب المخاوف من هجمات أوكرانية خلال مراسم الاحتفال، إضافة إلى ما نقل عن خوف فلاديمير بوتين من احتمال استهدافه بطائرة مسيّرة.
لقد أحدثت التكنولوجيا تغييرا هائلا في هذا المجال. خلال الحرب العالمية الثانية، حاولت قيادة القاذفات البريطانية والقوة الجوية الثامنة الأمريكية ضرب أهداف استراتيجية مثل مصانع كرات التحمل في ألمانيا. لكن الدفاعات الجوية النازية أجبرت القاذفات على التحليق ليلا، حيث كانت دقتها ضعيفة للغاية. وقد أدى ذلك إلى قرار الحلفاء بقصف عشوائي للمدن المدنية، ما تسبب في تدمير مدن مثل دريسدن وهامبورغ وطوكيو، وسقوط مئات الآلاف من الضحايا المدنيين. ورغم الطروحات النظرية لبعض السياسيين مثل ليندسي غراهام، فإن هذه الهجمات على المدنيين تعد مرفوضة أخلاقيا، كما أنها لم تثبت فعاليتها في تغيير الحسابات السياسية للدول المستهدفة. وقد استهدفت روسيا بدورها مدنا أوكرانية طوال الحرب؛ ورغم أنها جعلت حياة المدنيين أكثر صعوبة، فإنها لم تؤد إلى استسلام أوكرانيا.
أما في مجال الدعم الجوي القريب، فقد أحدثت تكنولوجيا الطائرات المسيّرة تحولات ثورية. تاريخيا، كان تنفيذ هذه المهمة بالغ الصعوبة: قبل ظهور الذخائر الموجهة بدقة في أواخر القرن العشرين، مثل صواريخ “مافريك” أو القنابل الموجهة GBU-10وGBU-12، كان من الصعب إصابة الأهداف الدقيقة من الجو. وحتى مع ذلك، فإن الطائرات “المنخفضة والبطيئة” مثل طائرات AC-130الهجومية أو طائرة A-10وورثوغ كانت عرضة للدفاعات الجوية، كما واجهت خطر “النيران الصديقة”، حيث قد تصيب الطائرة أهدافا صديقة عن طريق الخطأ.
لقد غيّرت الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة من نوع FPV، التي تنتجها أوكرانيا حاليا بملايين الوحدات سنويا، هذه المعادلة بالكامل. لقد أصبحت حرب المناورة المشتركة التقليدية، أي الاختراقات السريعة للدبابات التي تتوغل عميقا في خلفية العدو لقطع خطوط الإمداد والسيطرة على الأرض، شبه مستحيلة. إذ جعلت طائرات FPVساحة المعركة شفافة بالكامل؛ فهي ترى كل شيء وتستهدف كل ما تراه، ليس فقط الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي، بل حتى الجنود الأفراد. كما أن هذه الطائرات، على الأقل حتى الآن، أقل عرضة لأنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وهي أدق بكثير من الذخائر السابقة.
ولا تزال المهمة الوحيدة التي تحتفظ فيها القوة الجوية بدورها التقليدي هي المهمة العملياتية، بدءا من تحقيق التفوق الجوي في المراحل الأولى من الحملة العسكرية. فبعد تحييد بطاريات الصواريخ أرض–جو وتدمير الطائرات المعادية، سواء على الأرض أو في الجو، تبقى الطائرات المأهولة أداة فعالة للغاية. كما أن الطائرات ضرورية أيضا لبعض المهام الاستراتيجية، مثل إسقاط القنابل الثقيلة الخارقة للتحصينات (bunker buster) التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد منشأة فوردو الإيرانية لتخصيب اليورانيوم في الصيف الماضي.
لكن المهام العملياتية نفسها تشهد تحولا متسارعا. ففي المراحل الأولى من الحرب، استخدم الأوكرانيون صواريخ “هيمارس” الأمريكية، التي يتراوح مداها بين عشرات إلى مئات الكيلومترات، وحققت نتائج فعالة. غير أن هذه المنظومات أصبحت إلى حد كبير أقل فاعلية بسبب الإجراءات المضادة الروسية، في حين تعمل أوكرانيا على تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة والصواريخ القادرة على الضرب في العمق العملياتي.
ونرى هذا التطور يتجلى حاليا في شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية. فقد عملت أوكرانيا بشكل منهجي على استهداف منظومات الدفاع الجوي الروسية باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ متوسطة المدى. كما أن شبه الجزيرة تعتمد على خطوط إمداد محدودة، عبر طريق بري وسكك حديد تمر عبر ممر ضيق إلى الشمال، إضافة إلى جسر مضيق كيرتش الذي يربطها بالبر الروسي. وتشير التقارير إلى أن أوكرانيا باتت تسيطر جويا على مسار الممر البري، كما استهدفت الجسر مرارا خلال السنوات الثلاث الماضية.
في ظل هذه الظروف، لن يكون من المستغرب إطلاقا إذا قررت القيادة الروسية في مرحلة ما خلال العام المقبل أن وضعها في شبه جزيرة القرم أصبح غير قابل للاستمرار، وبدأت بسحب قواتها منها، كما سحبت بالفعل الجزء الأكبر من أسطولها البحري. مثل هذا الانسحاب سيعني بالطبع هزيمة سياسية كبيرة لفلاديمير بوتين.
القوة الجوية ليست قد أصبحت بلا دور بعد. فما زال النجاح في الحرب يعتمد على دفاعات متعددة الطبقات وعلى أنظمة قادرة على العمل داخل كل طبقة من هذه الطبقات. لكن عند تقييم مستقبل الطائرات المسيّرة مقابل القوة الجوية التقليدية، فإن المسألة لا تتعلق بالقدرات المطلقة، لأن القوة الجوية ستظل متفوقة في بعض المهام العملياتية والاستراتيجية، بل تتعلق أساسا بمسألة التكلفة النسبية.
فبينما تستطيع صواريخ “باتريوت” إسقاط طائرة مسيّرة من طراز “شاهد”، فإن تكلفة صاروخ باتريوت تتجاوز 4 ملايين دولار، في حين أن طائرة “شاهد” تنتج بأقل من 40 ألف دولار وبأعداد أكبر بكثير. وفي المستقبل، ستكون دول مثل أوكرانيا قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، تدار بشكل ذاتي عبر أنظمة ذكاء اصطناعي. أما “عملية الغضب الملحمي” في الشرق الأوسط، فقد أظهرت أن أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة التي زوّدت بها حلفاء الولايات المتحدة في الخليج لم تتمكن من منع أضرار كبيرة أصابت منشآتهم نتيجة هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. وسيتواصل هذا التوازن في القدرات إلى أن يتم التوصل إلى نظام مضاد للطائرات المسيّرة منخفض التكلفة وفعّال في الوقت نفسه، وهو ما تعمل عليه اليوم العديد من الدول والشركات، لكنه لم يتحقق بعد.
فرانسيس فوكوياما هو زميل أول في “أوليفييه نوميليني” بجامعة ستانفورد. وأحدث كتبه هو “الليبرالية وسخطها”. كما يكتب عمود “فرانكلي فوكوياما” الذي انتقل من American Purposeإلى Persuasion.