×

  کل الاخبار

  بعد قرن على لوزان... الحوار والتفاوض يعيدان رسم مسار القضية الكردية



 

في تموز عام 1923، وُقّعت معاهدة لوزان التي كرّست تقسيم كردستان بين أربع دول، بعد أن ألغت البنود الواردة في معاهدة سيفر بشأن الحكم الذاتي الكردي، ورسخت الحدود التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأعادت تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط، لتصبح واحدة من أكثر الاتفاقيات تأثيرا في تاريخ المنطقة.

وبالنسبة للكرد، ارتبطت المعاهدة بمرحلة مفصلية أنهت الآمال التي فتحتها معاهدة سيفر، ورسخت واقع تقسيم كردستان بين تركيا وسوريا والعراق وإيران.

واليوم، وبعد مرور 103 أعوام على توقيعها، تعود معاهدة لوزان إلى واجهة النقاش السياسي، ليس بوصفها وثيقة تاريخية فحسب، بل باعتبارها مرجعا لفهم التحولات التي تشهدها القضية الكردية في أجزاء كردستان الأربعة، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة.

فعلى امتداد العقود الماضية، بقيت آثار لوزان حاضرة في السياسات التي اتبعتها الدول الأربع تجاه الكرد، واختلفت أشكال التعاطي مع القضية بين الإنكار والصراع والتسويات الجزئية، إلا أن السنوات الأخيرة حملت تطورات دفعت إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصياغة جديدة، تتعلق بمستقبل الحقوق السياسية والثقافية للكرد، وإمكانية الوصول إلى حلول دائمة ضمن حدود الدول القائمة.

 

سوريا... هل يتغير موقع القضية الكردية؟

في سوريا، ولا سيما في مناطق الكرد روجافا لم تعد القضية الكردية تُناقش من زاوية المواجهة العسكرية فقط، بل أصبحت جزءا من مسار سياسي يتناول مستقبل الدولة وشكل نظامها، في تحول يراه مراقبون غير مسبوق منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.

وبدأ هذا التحول مع اتفاق 10 آذار 2025 بين الحكومة المؤقتة في سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، وضع للمرة الأولى إطارا سياسيا للعلاقة بين الجانبين، ونص على جملة من المبادئ، أبرزها الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وبدء حوار لمعالجة أوضاع شمال وشرق سوريا، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية، إلى جانب ضمان مشاركة جميع السوريين في العملية السياسية.

ورغم أن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات سياسية وأمنية خلال الأشهر التالية، فإنه بقي يشكل المرجعية الأساسية للحوار بين الطرفين، إلى أن أُعلن في 29 كانون الثاني 2026 عن اتفاق جديد تضمن آليات تنفيذية أكثر تفصيلا، وانتقل بالعلاقة من مرحلة المبادئ العامة إلى مرحلة التنفيذ العملي، ويتعلق بشأن الكرد في الدرجة الأولى أكثر مما ورد في بنود اتفاقية الـ 10 من اذار.

وأفضى اتفاق 29 كانون الثاني إلى تشكيل لجان مشتركة لمتابعة تنفيذ بنوده، وبدء التنسيق بين الحكومة المؤقتة والإدارة الذاتية في عدد من الملفات السياسية والإدارية والأمنية. كما شهدت المرحلة اللاحقة دخول قوات تابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة وقامشلو، وإعادة تفعيل بعض مؤسسات الدولة، إلى جانب استمرار الحوار حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، وآليات دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، وشكل الإدارة المحلية في شمال وشرق سوريا.

وفي موازاة ذلك، واصلت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية التأكيد، عبر تصريحات نقلتها وكالتنا سابقا، أن نجاح الاتفاقين لا يقاس بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما بمدى التقدم في الملفات السياسية، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بحقوق الكرد وسائر مكونات شمال وشرق سوريا، واعتماد نظام ديمقراطي لا مركزي يضمن المشاركة المتساوية في إدارة البلاد.

ورغم استمرار الخلافات حول بعض القضايا وآليات التنفيذ، فإن المسار الذي بدأ في آذار 2025 وتطور مع اتفاق 29 كانون الثاني 2026 يمثل، بحسب مراقبين، أول عملية تفاوض رسمية ومستدامة بين السلطة المركزية وممثلين عن الكرد في سوريا تتناول بصورة مباشرة قضايا الإدارة والحقوق الدستورية والشراكة السياسية.

 

تركيا.. عودة القضية الكردية إلى طاولة السياسة

في تركيا، يشهد الملف الكردي بشمال كردستان اليوم تحولا سياسيا وهو الأبرز منذ انهيار مسار السلام عام 2015، وذلك بعد إطلاق القائد عبد الله أوجلان "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي"، الذي فتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش حول إنهاء الصراع الممتد منذ أكثر من أربعة عقود، ونقل القضية الكردية من الميدان العسكري إلى المسار السياسي والقانوني.

ولم يبق النداء في إطار التصريحات، بل أعقبه إعلان حزب العمال الكردستاني إنهاء بنيته التنظيمية وبدء إجراءات مرتبطة بوقف الكفاح المسلح، الأمر الذي نقل النقاش داخل تركيا إلى مرحلة جديدة تركز على بناء إطار قانوني ينظم عملية السلام ويعالج القضية الكردية سياسيا.

وفي هذا السياق، كثف حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) لقاءاته مع الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، لبحث إعداد حزمة تشريعات تنظم مسار "السلام والمجتمع الديمقراطي"، فيما برزت مطالب متكررة بسن قوانين تتعلق بإعادة الإدماج، والحقوق السياسية، والحريات العامة، وضمان استمرار العملية السياسية على أساس قانوني واضح.

وآخر تلك التطورات هو دعوة القائد عبد الله أوجلان في الـ21 من تموز الجاري إلى استكمال المسار عبر توفير ضمانات قانونية وسياسية، مؤكدا أن الوصول إلى حل دائم للقضية الكردية يتطلب الانتقال من الإجراءات الأمنية إلى الإصلاحات الديمقراطية والمؤسساتية.

ويتزامن ذلك مع استمرار المشاورات داخل البرلمان التركي حول مشروع إطار قانوني للعملية، ليبقى نجاح هذا المسار معتمدا على قدرة الدولة التركية على ترجمة التفاهمات السياسية إلى إصلاحات دستورية وتشريعية ملموسة.

ويرى ساسة كرد وفي مقدمتهم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، أن التطورات التي أعقبت "نداء السلام والمجتمع الديمقراطي" تمثل أول محاولة جدية منذ سنوات لإعادة طرح القضية الكردية بوصفها قضية حقوق ومواطنة وديمقراطية، لا مجرد ملف أمني.

 

جنوب كردستان.. مكاسب دستورية تواجه اختبارات سياسية واقتصادية

يُعد إقليم كردستان العراق (جنوب كردستان) التجربة الكردية الأكثر تقدما من الناحية الدستورية، بعد أن أقر دستور العراق لعام 2005 بالإقليم ككيان اتحادي يتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة، ومنح اللغة الكردية صفة اللغة الرسمية إلى جانب العربية، فضلا عن الاعتراف بقوات البيشمركة بوصفها جزءا من المنظومة الأمنية في الإقليم.

إلا أن هذه المكاسب الدستورية لم تُنهِ الخلافات بين هولير وبغداد، إذ شهد العام الجاري استمرار التباينات حول عدد من الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها رواتب موظفي الإقليم، وآلية تصدير النفط، وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، وهي قضايا مستمرة لا تزال ترصدها وكالتنا.

كما عاد ملف النفط إلى واجهة الخلاف، مع استمرار توقف صادرات نفط الإقليم عبر ميناء جيهان التركي، وما ترتب على ذلك من ضغوط مالية انعكست على قدرة حكومة الإقليم في تأمين الإيرادات ودفع الرواتب، في وقت تطالب فيه بغداد بتسليم النفط إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو) وفق القوانين الاتحادية، بينما تؤكد حكومة الإقليم ضرورة التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق الطرفين ويحافظ على الصلاحيات الدستورية للإقليم.

وعلى الصعيد السياسي، هناك مباحثات بين أحزاب جنوب كردستان لتشكيل حكومة جديدة في الإقليم بعد الانتخابات البرلمانية، في ظل استمرار الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول توزيع المناصب وآلية إدارة المرحلة المقبلة.

وفي الوقت ذاته، لا تزال الملفات الأمنية تلقي بظلالها على العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، سواء من خلال استمرار العمليات العسكرية التركية داخل أراضي الإقليم بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني، أو من خلال الجدل المتواصل بشأن إدارة المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك، وشنكال، ومخمور.

 

إيران.. من الهامش إلى قلب النقاش الإيراني

في إيران بقي شرق كردستان (روجهلات) طوال أكثر من قرن يعيش خارج أي اعتراف دستوري بالحقوق القومية، في ظل اعتماد السلطات الإيرانية مقاربة أمنية في التعامل مع المطالب الكردية.

غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ انطلاق انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عقب مقتل الشابة الكردية جينا أميني، حملت تحولا نوعيا في مسار القضية الكردية داخل إيران، إذ انتقل الشعار الذي انطلق من المجتمع الكردي إلى عنوان لحراك وطني واسع في عموم إيران، ما جعل القضية الكردية جزءا من النقاش حول مستقبل إيران ونظامها السياسي.

وشكلت خلال العام الجاري الأحزاب السياسية في شرق كردستان، إطار تنسيقي مشترك بين عدد من القوى الكردية في إيران، بهدف توحيد الموقف السياسي تجاه التطورات التي تشهدها إيران بعد بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، والتأكيد على أن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تقوم على الاعتراف بالتعددية القومية والحقوق الديمقراطية لجميع المكونات.

وأكدت منظومة المجتمع الكردستاني (KCK)، أن الأزمات التي تشهدها إيران والمنطقة لا يمكن معالجتها عبر الحلول الأمنية، وإنما من خلال بناء نظام ديمقراطي يعترف بحقوق جميع الشعوب، وأن حل القضية الكردية يشكل مدخلا لاستقرار إيران والشرق الأوسط.

فيما يؤكد الناشطون والساسة الكرد في إيران أن القضية الكردية في إيران شهدت خلال الأعوام الأخيرة تحولا في طبيعة خطابها؛ فبعد أن انحصرت المطالب لعقود في الحقوق الثقافية ووقف السياسات الأمنية، باتت الأحزاب والقوى الكردية تتحدث بصورة متزايدة عن المشاركة في صياغة مستقبل الدولة الإيرانية، والاعتراف الدستوري بالتعددية القومية، وتبني نظام ديمقراطي يضمن حقوق جميع المكونات.

 

من سؤال الحدود إلى سؤال الحقوق

على امتداد أكثر من قرن، انصب النقاش حول معاهدة لوزان على الحدود التي رسمتها، إلا أن الخطاب الكردي في السنوات الأخيرة بات يركز بصورة أكبر على قضايا الحقوق الدستورية والإدارة الديمقراطية والاعتراف بالتعددية والهوية الثقافية، بدلا من إعادة طرح مشاريع تغيير الحدود.

ويشير مراقبون إلى أن القضية الكردية دخلت مرحلة مختلفة، تقوم على البحث عن حلول سياسية داخل الدول القائمة، مع استمرار المطالبة بضمانات دستورية تكفل المشاركة المتساوية والاعتراف بالحقوق القومية.

 

هل تجاوزت المنطقة إرث لوزان؟

رغم أن معاهدة لوزان لا تزال تمثل الإطار العام الذي أرسى الحدود الدولية في المنطقة، فإن التحولات التي تشهدها سوريا والعراق وتركيا وإيران تشير إلى أن النقاش السياسي لم يعد يدور حول الاتفاقية نفسها، بقدر ما يتركز على كيفية معالجة القضايا التي بقيت دون حلول منذ توقيعها.

وبينما تحل الذكرى الثالثة بعد المئة للمعاهدة، تبدو القضية الكردية أمام مرحلة مختلفة عما كانت عليه قبل عقود؛ مرحلة لا تلغي إرث لوزان، لكنها تعكس انتقال المطالب من الجغرافيا إلى السياسة، ومن النزاع على الحدود إلى السعي نحو الاعتراف الدستوري، والشراكة في إدارة الدولة، وترسيخ الحقوق القومية والثقافية.

ووفق كل تلك المعطيات، السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت التحولات الجارية ستفضي إلى تسويات سياسية مستدامة، أم أن إرث معاهدة لوزان سيظل حاضرا في معادلات المنطقة كما كان طوال القرن الماضي.

*ANHA


26/07/2026