×


  مام جلال ... حقائق و مواقف

  جلال طالباني:عن اسباب و ضرورات تاسيس الاتحاد الوطني الكردستاني



حين نتحدث عن تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، فإننا لا نستعيد ذكرى سياسية عابرة، ولا نتوقف عند محطة تنظيمية في تاريخ الحركة التحررية الكردستانية، بل نستذكر لحظة مفصلية فرضتها ضرورات التاريخ وإرادة الشعب وحاجات المستقبل.

لقد جاء تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني في مرحلة كانت من أصعب المراحل التي مرت بها كردستان المعاصرة. فبعد اتفاقية الجزائر عام 1975 وما ترتب عليها من انتكاسة كبيرة للحركة الكردية، ساد الإحباط واليأس لدى الكثيرين، واعتقد البعض أن القضية الكردية قد دخلت مرحلة الانكسار. لكننا كنا نؤمن أن الشعوب الحية لا تستسلم للهزائم، وأن الثورات الحقيقية لا تنتهي بانتكاسة أو تراجع، بل تعيد تنظيم نفسها وتنهض من جديد أكثر قوة وخبرة ووعيا.

لهذا اجتمعنا، مجموعة من المناضلين المؤمنين بحق شعبنا في الحرية والكرامة، وبدأنا حوارا عميقا حول أسباب ما جرى، وحول الطريق الذي يجب أن تسلكه الحركة الوطنية الكردستانية في المستقبل. ومن رحم تلك المراجعات ولد الاتحاد الوطني الكردستاني بوصفه مشروعا للتجديد قبل أن يكون تنظيما سياسيا، ومشروعا للأمل قبل أن يكون إطارا حزبيا.

لقد كانت الضرورة الكردستانية هي الدافع الأول لتأسيس الاتحاد الوطني. كنا نؤمن أن القضية الكردية بحاجة إلى فكر جديد وأدوات جديدة وقيادة قادرة على الجمع بين الثبات على الحقوق القومية والانفتاح على متطلبات العصر. ولم نرد حزبا يعيش على أمجاد الماضي، بل حركة سياسية متجددة تجعل من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة ركائز أساسية في نضالها.

ومنذ البداية أدركنا أن حماية حقوق شعب كردستان لا تتحقق بالانغلاق، بل ببناء وحدة الصف الكردستاني وتعزيز التعاون بين القوى الوطنية كافة. لذلك عملنا دائما من أجل الشراكة والتفاهم بين الأحزاب والقوى السياسية الكردستانية، لأن الانقسام كان وسيبقى أكبر هدية يمكن أن نقدمها لأعداء شعبنا.

لكن دوافع تأسيس الاتحاد الوطني لم تكن كردستانية فقط فقد كنا نرى أن مستقبل الكرد مرتبط أيضا بمستقبل العراق. ولذلك رفعنا منذ الأيام الأولى شعار الأخوة العربية الكردية والنضال المشترك، لأننا كنا نعتقد أن الديمقراطية في العراق وحقوق الكرد قضيتان متلازمتان لا يمكن الفصل بينهما.

لم ننظر إلى الاخوة العرب كشعب معاد، ولم ننظر إلى العراق بوصفه ساحة صراع دائم، بل رأينا أن بناء عراق ديمقراطي اتحادي تعددي يمثل ضمانة حقيقية لجميع مكوناته، وفي مقدمتها الشعب الكردي ولذلك سعينا إلى بناء علاقات متينة مع القوى الديمقراطية والوطنية العراقية، وشاركنا في كل الجهود الرامية إلى إسقاط الدكتاتورية وبناء عراق جديد قائم على الشراكة والدستور والعدالة. 

وعلى المستوى الإقليمي، كان تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني تعبيرا عن إدراك عميق لطبيعة المنطقة وتعقيداتها. فقد أثبتت تجربة اتفاقية الجزائر أن مصير الشعوب لا يجب أن يبقى رهينة للتفاهمات الإقليمية أو الصفقات الدولية.

ومن هنا سعينا إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات مع القوى التقدمية والتحررية في المنطقة، ومع مختلف الأطراف المؤمنة بحقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

لقد فهمنا منذ البداية أن القضية الكردية ليست قضية محلية معزولة، بل جزء من معادلة إقليمية أوسع، وأن نجاح نضالنا يتطلب حضورا سياسيا ودبلوماسيا قادرا على إيصال صوت شعبنا إلى العواصم المؤثرة ومراكز القرار في المنطقة والعالم. ولذلك نسجنا علاقات واسعة مع قوى عربية ودولية، ومع حركات تحرر ومنظمات تقدمية آمنت بعدالة قضيتنا ووقفت إلى جانب شعبنا في أصعب الظروف.

أما على المستوى الدولي، فقد أدركنا مبكرا أن القرن الجديد لا مكان فيه للحركات المنغلقة على ذاتها. ولهذا سعينا إلى تقديم القضية الكردية بوصفها قضية حرية وديمقراطية وحقوق إنسان، لا مجرد نزاع سياسي أو قومي. وحرصنا على أن يكون الاتحاد الوطني الكردستاني قوة تحظى بالاحترام في الأوساط الدولية، وأن يبني جسورا مع أوروبا والولايات المتحدة والقوى الديمقراطية والتقدمية في العالم.

ولم يكن هدفنا البحث عن الدعم الخارجي فحسب، بل تأكيد أن شعب كردستان جزء من الأسرة الإنسانية الكبرى، وأن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية التي نناضل من أجلها هي قيم عالمية مشتركة. ولذلك أصبح الاتحاد الوطني، بفضل نضاله ومواقفه وعلاقاته، قوة سياسية يحسب لها الحساب في كردستان والعراق والمنطقة وعلى المستوى الدولي.

لقد أثبتت العقود الماضية أن الأنظمة الاستبدادية لم تكن قادرة على حماية وحدة العراق رغم كل ما امتلكته من قوة وسلاح، لأن الوحدة الحقيقية لا تصنعها القبضة الأمنية، بل يصنعها الشعور بالمواطنة والعدالة والشراكة وعندما سقطت الدكتاتورية لم يتفكك العراق كما توقع البعض، بل بدأت تتشكل معادلة جديدة قوامها الديمقراطية والتعددية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ومن هنا جاءت أهمية التجربة التي دافع عنها الاتحاد الوطني الكردستاني، تجربة العراق الديمقراطي الاتحادي، باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لضمان حقوق الجميع، عربا وكردا وتركمانا وكلدوآشوريين، ومسلمين ومسيحيين وسائر المكونات الوطنية. فالفيدرالية في هذا الفهم ليست عنوانا للانقسام، بل وسيلة لتنظيم التنوع وتحويله إلى مصدر قوة واستقرار.

لكن الحفاظ على هذه المنجزات لا يتحقق بالاحتفال بها فقط، وإنما بالعمل المستمر لحمايتها وتطويرها. فالإرهاب الذي حاول تمزيق العراق، والخطابات التي سعت إلى نشر الكراهية بين أبنائه، أثبتت أن معركة بناء الدولة لا تقل صعوبة عن معركة إسقاط الدكتاتورية.

ولهذا ظل تعزيز الوحدة الوطنية وتوسيع مساحات التعاون بين القوى السياسية العراقية والكردستانية جزءا أساسيا من مشروع الاتحاد الوطني ورؤيته للمستقبل.

وفي الوقت نفسه، لا يكتمل أي مشروع وطني من دون مراجعة الذات والاعتراف بالنواقص والأخطاء. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني فقط تداول السلطة، بل تعني أيضا ترسيخ ثقافة النقد البناء ومكافحة الفساد وتطوير المؤسسات والارتقاء بأداء الدولة وقد كان هذا النهج جزءا من المدرسة السياسية التي آمنت بأن قوة التجربة لا تقاس بقدرتها على ترديد الإنجازات، بل بقدرتها على مواجهة التحديات ومعالجة أوجه القصور.

إن الرسالة الأعمق التي حملتها هذه الرؤية تتمثل في أن مستقبل العراق وكردستان لا يصنعه طرف واحد، ولا قومية واحدة، ولا حزب واحد. إنه مشروع مشترك يحتاج إلى إرادة مشتركة، وإلى إيمان بأن التنوع ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل حقيقة ينبغي إدارتها بحكمة وعدالة.

ولهذا بقي الاتحاد الوطني الكردستاني ينظر إلى الوحدة بوصفها قيمة نضالية قبل أن تكون ترتيبا سياسيا، وإلى الشراكة باعتبارها ضمانة للاستقرار قبل أن تكون تحالفا ظرفيا. وهي رؤية ما تزال تحتفظ بأهميتها في زمن تتجدد فيه التحديات وتتعاظم فيه الحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويؤمن بأن قوة العراق وكردستان تكمن في قدرة أبنائهما على العمل معا من أجل مستقبل أكثر أمنا وحرية وازدهارا.

واليوم، بعد عقود من التضحيات والنضال، ما زلت أؤمن أن الأسباب التي دفعتنا إلى تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني لم تفقد أهميتها. فما زالت كردستان بحاجة إلى الديمقراطية والوحدة والإصلاح، وما زال العراق بحاجة إلى الشراكة والتوافق واحترام الدستور، وما زالت المنطقة بحاجة إلى ثقافة الحوار بدلا من الصراع، وما زال العالم بحاجة إلى أصوات تدافع عن الحرية والعدالة وحقوق الشعوب.

لقد أسسنا الاتحاد الوطني الكردستاني لأننا رفضنا الاستسلام بعد النكسة والهزيمة، وآمنا بأن الأمل أقوى من اليأس، وبأن إرادة الشعوب أقوى من المؤامرات، وبأن مستقبل كردستان يجب أن يبنى على الحرية والديمقراطية والعدالة والشراكة الإنسانية.

وهذه هي الرسالة التي حملناها منذ اليوم الأول، والتي يجب أن تبقى حية في ضمائر الأجيال القادمة، لأنها ليست مجرد تاريخ حزب، بل جزء من تاريخ شعب ونضال أمة وطموح وطن.

*المرصد -فريق التوثيق/ هذا المقال ماخوذ من بعض بيانات الرئيس مام جلال بمناسبة تاسيس الاتحاد الوطني الكردستاني


01/06/2026