*عماد أحمد
اقليم كوردستان والاتحاد الوطني في مرحلة التحولات الكبرى
لا تتغير مسارات التاريخ دائما بفعل الهزائم، فكثيرا ما تصنع النجاحات تحولات لا تقل عمقا وخطورة. فالهزيمة تدفع الإنسان إلى مراجعة ذاته والسؤال بشجاعة: لماذا سقطت؟ أما النجاح فيغريه بالاطمئنان، ويجعله أقل ميلا إلى مساءلة نفسه. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ إذ لا يأتي من الخصوم في الخارج بقدر ما يتسلل من الداخل، حين يتحول الماضي إلى ملاذ للركون بدلا من أن يكون منصة للانطلاق، وحين يصبح الإرث بديلا عن الحلم لا وقودا لحلم جديد، فتتراجع روح التجديد تحت وطأة الاكتفاء بما تحقق، ويبدأ التراجع من حيث ظن الجميع أن الانتصار قد اكتمل.
التاريخ حافل بتجارب دول وحركات وتنظيمات كبرى لم ينجح خصومها في إسقاطها، لكنها تعثرت حين أثقلتها أمجادها السابقة وأصبحت أسيرة إنجازاتها. فقد أظهرت قدرة استثنائية في ميادين النضال والكفاح، لكنها أخفقت في صيانة ما حققته وتجديده بما ينسجم مع متطلبات الزمن.
لذلك فإن الاختبار الأصعب لأي تنظيم لا يكون في لحظة التأسيس أو في خضم المعارك، بل يبدأ بعد الانتصار، عندما يتحول النجاح من إنجاز إلى مسؤولية، ومن محطة وصول إلى نقطة انطلاق جديدة.
واليوم، فيما يشهد العالم والمنطقة تحولات متسارعة وتتشكل موازين وقوى جديدة بصورة متواصلة، لا يكفي أن نسأل: ماذا حققنا؟ بل ينبغي أن يكون السؤال الأعمق: هل ما زلنا نمتلك الرؤية والإرادة والقدرة على صناعة ما هو أكبر وأهم مما تحقق؟ فالأمم والحركات تستمد شرعيتها من تاريخها، لكنها ترسخ مكانتها بما تبنيه للمستقبل. والإرث الحقيقي لا يُصان بالاحتفاء به وحده، بل بتحويله إلى قوة متجددة تنتج إنجازات جديدة وتضمن استمرارية الحضور والتأثير عبر الأجيال.
في تاريخ الشعوب والأمم، لا يظهر الخطر الأكبر دائما في لحظات الهزيمة والانكسار، بل كثيرا ما يتسلل في أوقات النجاح والازدهار. فالهزيمة تفرض على الإنسان مراجعة ذاته والتفكير في أسباب تعثره، أما النجاح فقد يغريه بالاطمئنان والركون إلى ما تحقق.
ولهذا كان الرئيس مام جلال يردد دائما: "لا تغفو فوق باقة زهور النصر". فالأمم والحركات التي تتوقف عند انتصاراتها السابقة تبدأ، من حيث لا تشعر، رحلة التراجع. ففي تلك اللحظات قد تتحول إنجازات الأمس إلى ستار يحجب رؤية تحديات اليوم، وقد يصبح الإرث الكبير، إذا لم يُجدد ويُطور، عبئا على المستقبل بدلا من أن يكون جسرا إليه فالتاريخ ليس لوحة جامدة، بل نهر متدفق لا يتوقف عند ضفة واحدة وما كان مصدر قوة بالأمس لا يظل كذلك تلقائيا، ما لم يتجدد بالرؤية والإرادة والقدرة على مواكبة المتغيرات. لذلك فإن حيوية الشعوب والتنظيمات لا تُقاس بمدى اعتزازها بماضيها فحسب، بل بقدرتها على تحويل ذلك الماضي إلى طاقة للمستقبل، إنها تحترم إرثها وتفخر به، لكنها لا تسمح له بأن يتحول إلى قيد على حركتها؛ تصونه باعتباره أساسا للانطلاق، لا جدارا يحاصر أحلام الأجيال القادمة. فالإرث الحقيقي لا يعيش في الذاكرة وحدها، بل في قدرته المستمرة على إنتاج مستقبل أكثر قوة واتساعا وتأثيرا.
واليوم يقف إقليم كوردستان والاتحاد الوطني الكوردستاني أمام مرحلة مفصلية لا تقل أهمية عن مراحل التأسيس والكفاح الأولى، مرحلة تتطلب إيجاد معادلة متوازنة تجمع بين الوفاء للإرث التاريخي والانفتاح على متطلبات المستقبل. فالتحدي لم يعد يقتصر على حماية ما تحقق، بل على القدرة على تحويل منجزات الأمس إلى طاقة متجددة تصنع إنجازات الغد وتوفر خدمة أفضل للمجتمع والإنسان.
إن السؤال الجوهري في هذا العصر لم يعد: ماذا أنجزنا؟ بل: كيف نجعل من تلك الإنجازات نقطة انطلاق نحو آفاق أوسع؟ وكيف نحول الرصيد التاريخي إلى قوة دافعة للإصلاح والتنمية والتجديد؟ فالقيمة الحقيقية لأي تجربة سياسية لا تُقاس بما حققته في الماضي فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج إجابات جديدة لتحديات الزمن المتغير.
ويشهد التاريخ بأن الامتحان الأصعب للتنظيمات والحركات لا يكون في سنوات النشوء والتأسيس، ولا في لحظات المواجهة الكبرى، بل يبدأ بعد النجاح. فصناعة الحلم غالبا ما تكون أسهل من حمايته، وتحقيق الإنجاز قد يكون أيسر من الحفاظ عليه وتطويره. ولهذا شهد العالم تجارب كثيرة لحركات امتلكت أعظم قوتها في زمن النضال، لكنها واجهت تحديات أكبر عندما انتقلت من مرحلة الكفاح إلى مرحلة البناء وإدارة الواقع.
وكوردستان اليوم تقف أمام هذا الاختبار التاريخي ذاته. فالأجيال السابقة خاضت معارك الوجود والهوية، وقدمت التضحيات الجسام دفاعا عن الأرض واللغة والحقوق والكرامة الإنسانية. أما جيل اليوم، فإنه يواجه أسئلة من نوع مختلف: كيف نصون هذه المنجزات ونحصنها؟ كيف نبني مؤسسات أكثر كفاءة وعدالة؟ كيف نعزز الثقة بين المواطن والدولة؟ وكيف نمنح الشباب أسبابا إضافية للإيمان بمستقبلهم داخل وطنهم بدلا من البحث عنه خارجه؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في استحضار أمجاد الماضي وحدها، ولا في الاكتفاء بالشعارات، بل في امتلاك رؤية متجددة وشجاعة إصلاحية وقدرة حقيقية على بناء الثقة وترسيخ الحكم الرشيد وتوسيع فرص التنمية والعدالة. فالمستقبل لا يحرسه التاريخ وحده، وإنما تصنعه الإرادة التي تعرف كيف تستلهم التاريخ لتبني به مستقبلا أكثر استقرارا وازدهارا.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني بوصفه مجرد محطة في تاريخ كوردستان المعاصر، بل باعتباره جزءا من الإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبلها. فالتنظيمات التي تولد من رحم النضال وتُبنى بتضحيات أجيال كاملة تصل، بعد عقود من الكفاح والإنجاز، إلى لحظة مفصلية يتعين عليها فيها أن تحدد دورها من جديد: هل تكتفي بحراسة إرثها التاريخي، أم تتحول إلى قوة قادرة على إنتاج رؤى وأحلام جديدة تستجيب لتحديات العصر وتطلعات الأجيال القادمة؟
إن قيمة الإرث لا تكمن في الاحتفاظ به باعتباره ذكرى للماضي، بل في تحويله إلى مصدر إلهام للمستقبل. فالحركات الحية لا تعيش على أمجادها، وإنما تستمد منها القدرة على التجدد والاستمرار. ومن هنا فإن المسؤولية التاريخية لأي تنظيم رائد لا تقتصر على حماية ما تحقق، بل تشمل أيضا بناء ما ينبغي أن يتحقق.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر إرث الرئيس مام جلال على ما أنجزه من مكاسب سياسية ووطنية، أو على الأدوار التاريخية التي اضطلع بها في كوردستان والعراق والمنطقة، بل يمتد إلى منهجه في التفكير وإدارته للصراعات والأزمات. فقد كان يؤمن بأن السياسة ليست فن السيطرة على السلطة، بل فن إيجاد الحلول الممكنة في أصعب الظروف، وأن القيادة الحقيقية تُقاس بقدرتها على فتح آفاق جديدة عندما تبدو الطرق مسدودة.
ولهذا أثبت في محطات عديدة أن الأزمات ليست قدرا محتوما، وأن الحكمة تستطيع أن تجد منافذ للحوار حتى في أكثر اللحظات توترا. فعندما كانت الأبواب توصد، كان يبحث عن نافذة؛ وعندما كانت لغة الصدام ترتفع، كان يصر على أن يبقى للعقل والحوار مكان في المشهد. ولم يكن يرى في التسويات السياسية علامة ضعف، بل تعبيرا عن الثقة بالنفس والقدرة على حماية المصالح الوطنية عبر التوازن والواقعية وبعد النظر.
ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي لمدرسة مام جلال لا يكون باستذكار إنجازاتها فحسب، بل باستلهام روحها القائمة على التجديد والمبادرة والبحث الدائم عن الحلول. فالأمم والحركات لا تستمر لأنها تمتلك تاريخا عظيما فقط، بل لأنها تمتلك القدرة على تحويل ذلك التاريخ إلى مشروع متجدد للمستقبل.
واليوم يتغير العالم والمنطقة بوتيرة متسارعة لم تعد تسمح بالركون إلى معادلات الأمس أو الاكتفاء بمنجزاته. ففي عصر التحولات الكبرى، لا تكفي الذاكرة وحدها لصناعة المستقبل، ولا يمكن مواجهة تحديات الغد بالأدوات ذاتها التي صُنعت بها انتصارات الماضي. ولهذا فإن إقليم كوردستان، كما الاتحاد الوطني الكوردستاني، مطالبان اليوم بأن ينظرا إلى الإنجازات المتحققة بوصفها نقطة انطلاق لا نقطة وصول، وأن يجعلا من التجديد والإصلاح خيارا استراتيجيا لا ترفا سياسيا.
فالإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يبقى شعارا يتردد في الخطابات، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة وممارسة يومية تشمل المؤسسات وآليات الإدارة وأساليب اتخاذ القرار والعلاقة بين السلطة والمجتمع. وهو يبدأ من ترسيخ مبدأ الكفاءة بوصفه معيارا للتقدم، ومن تعزيز الشفافية والمساءلة، ومن فتح الأبواب أمام الطاقات الشابة والنساء والكفاءات القادرة على الإسهام في بناء المرحلة المقبلة. فالمجتمعات لا تتقدم بما تمتلكه من موارد فقط، بل بما تمنحه من فرص عادلة لأبنائها للمشاركة في صناعة مستقبلها.
ولعل أخطر ما يواجه أي سلطة ليس نقص الإمكانات، بل تآكل الثقة بينها وبين المجتمع. فالقوانين قادرة على حماية المؤسسات، لكن الثقة وحدها هي التي تحمي شرعية المستقبل. وكل سلطة تستطيع أن تدير شؤون الحاضر بالأوامر والقرارات، غير أن السلطة القادرة على البقاء والتجدد هي تلك التي تنجح في بناء جسور الثقة مع مواطنيها، وتجعلهم شركاء في المشروع العام لا مجرد متلقين لنتائجه.
إن الشجرة العتيقة تبقى شامخة بعمق جذورها، لكنها لا تُقاس بعمرها وحده، بل بقدرتها على الإزهار والإثمار مع كل ربيع جديد. وكذلك هي حال الشعوب والتنظيمات الكبرى؛ فالإرث يمثل الجذور الراسخة التي تمنحها القوة والثبات، أما المستقبل فهو الأزهار والثمار التي تمنحها معنى الاستمرار. والجذور التي تعجز عن إنتاج حياة جديدة تفقد قدرتها على العطاء مهما كان تاريخها مجيدا، بينما الجذور التي تنجب ربيعا جديدا في كل مرحلة تبقى شابة في ذاكرة الزمن مهما تعاقبت عليها السنين.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس ماذا قدم الاتحاد الوطني الكوردستاني خلال نصف قرن من النضال والعطاء، ولا ماذا حقق إقليم كوردستان من مكاسب وإنجازات، بل ماذا يستطيعان أن يقدما للسنوات والعقود المقبلة. فالأمم تستمد قوتها من ذاكرتها، لكنها تبني مكانتها بأحلامها. وما دام هناك حلم جديد، ورؤية جديدة، وإرادة جديدة، فإن المستقبل يبقى مفتوحا على احتمالات التقدم والنجاح. أما حين يتوقف الحلم، فإن أعظم الإنجازات تتحول تدريجيا إلى صفحات مجيدة في كتاب التاريخ لا أكثر.
وبين الإرث والمستقبل تتحدد مصائر الشعوب والحركات. وليس المعيار الحقيقي لما كان موجودا بالأمس، بل لما يمكن صنعه غدا. فالتاريخ لا يخلد الذين اكتفوا بحراسة ما أنجزه السابقون، بل يحتفي بأولئك الذين امتلكوا الشجاعة والبصيرة ليضيفوا فصلا جديدا إلى قصة شعبهم، وينقلوا أحلامه من جيل إلى جيل. وهكذا تبقى الأمم حية، لا بما ورثته فقط، بل بما تجرؤ على صناعته.