*زهير كاظم عبود
بلد لم ير انعكاسا لثرواته على الخدمات أو مستوى المعيشة
يتداول الشارع العراقي العديد من أشكال النقد اللاذع حول بلد يمتلك موارد طبيعية لا يملكها غيره، ولم يرَ انعكاسا لتلك الثروات على الخدمات العامة أو مستوى المعيشة، وينتظر الناس تبدل الحكومات على أساس أن كل واحدة منها تتحزم لبدء مرحلة لمحاربة الفساد والفاسدين، ولا نجد سوى سقوط فاسد واحد يتمكن من اختزال قضيته ومن ثم التملص من العقاب.
وصور التملص من العقاب باتت مكشوفة وواضحة، إلا أننا لم نلمس ضعفا في قدرة الفاسدين ولا توقفا عن الاستمرار بالنهب، ولا تبريرا مقنعا لنتائج التحقيق والمحاكمة لذيول الفاسدين، مع استمرار الفساد المالي والإداري في جميع أجنحة الحكومة، حتى باتت النزاهة نوعا من الأخلاق السامية التي نتمناها، مع استمرار هدر الأموال العامة وسوء الإدارة وضعف البنية التحتية، بل انعدامها، طيلة السنين التي عبرت العشرين. فلا مدارس حديثة، ولا مستشفيات، ولا طرق ووسائل نقل، ولا ميزانية يمكن إقرارها في موعدها المقرر، ولا إعادة للمعامل التي علاها الصدأ، ولا إعادة للمشاريع التي خصصت لها الأموال الضخمة من ميزانية العراق. والكهرباء مثال كبير على تلك المشاريع، التي بلغ الإنفاق عليها عشرات المليارات من الدولارات دون فائدة، ولم نلمس تحسنا في الشبكة.
وزيادة على كل هذا، أصبح استلام رواتب المتقاعدين والحماية الاجتماعية في موعدها المحدد نوعا من النصر والابتهاج.لم يزل بلدنا يعتمد أساسا، وبشكل مفرط، على تصدير النفط مع تضارب الأسعار العالمية، دون وجود بنى تحتية لإنتاج مشتقات النفط ومنتجاته الأساسية من دون استيرادها، ودون التفكير بشكل جدي بإيجاد بدائل أو موارد توازي النفط أو تساعده. فثروة البلاد لا يتم استثمارها بالشكل الذي يخدم المجتمع، وكل مواطن يشعر بأن هناك تفاوتا وفجوة بين الإيرادات التي نسمع عنها وبين الواقع المعيشي والخدمي.
مقياس حجم الفساد لا يتم بالنماذج والصور التي يتم انتقاؤها وعرضها على الناس، مثل قضية سرقة القرن وقضية وكيل وزير النفط وغيرها.
فالمقياس الحقيقي يكمن في الوسائل الرقابية والتحقيق الجدي والصريح والأحكام التي تصدر ويتم تنفيذها، وأن يتم اعتبار جميع حالات الفساد والاختلاس والرشوة ظروفا قضائية تستدعي استعمال الشدة في الأحكام.
المقياس هو جودة الإدارة بعيدا عن التخندق الحزبي أو الطائفي، والمقياس وفقا للتخطيط الاقتصادي العلمي. فالمنصب الحكومي، مهما كان صغيرا أو كبيرا، ليس مكسبا حزبيا أو شخصيا، بقدر ما يكون تكليفا على من يمثله أن يثبت النجاح والنزاهة والشفافية في عمله ومركزه. وبالعكس، فإنه فاشل، والفاشل يتم عزله وإعفاؤه من وظيفته.
والمهمة التي تقع على عاتق كل مواطن، مهما كان انتماؤه الحزبي أو القومي أو الديني، أن يجعل العراق أمانة داخل ضميره، وأن يقدم ما يتمكن من خدمات ومساهمة في خلق فرص عمل وتلبية احتياجات المواطنين. تلك هي الأسس التي يمكن عبرها قياس الفاسد من النزيه.