*فرست عبدالرحمن مصطفى
ليست واحدا وخمسين عاما مجرد رقم في ذاكرة السياسة الكوردية بل هي عمرُ تجربةٍ كاملة كُتبت بالدم والحكمة والتحولات الكبرى. فمنذ اللحظة التي انطلق فيها الاتحاد الوطني الكوردستاني لم يكن مجرد حزب سياسي يبحث عن موقع في السلطة بل مشروعا لإعادة تعريف النضال الكوردي بأسلوبٍ أكثر وعيا وواقعية وقدرة على فهم العالم.
في زمن كانت فيه البنادق وحدها تتحدث جاء الاتحاد الوطني الكوردستاني بقيادة الفقيد الراحل مام جلال والنخبة المؤسسة في الاتحاد ليمنح الثورة الكوردية بعدا آخر، بعدا لا يكتفي بحمل السلاح بل يجيد أيضا صناعة الموقف السياسي وفتح أبواب الدبلوماسية وتحويل القضية الكوردية من شأنٍ محلي محاصر بين الجبال إلى قضيةٍ حاضرة على طاولات القرار الإقليمي والدولي.
لقد غيّر الاتحاد الوطني الكوردستاني شكل النضال حين أدرك أن الثورة لا تنتصر بالبندقية وحدها، بل بالعقل الذي يعرف متى يقاتل ومتى يفاوض ومتى يحوّل الخسائر إلى مكاسب تاريخية. ولهذا استطاع أن يحقق للكورد واحدة من أهم المراحل السياسية في تاريخهم الحديث، وأن يرسخ حضورهم كشريكٍ أساسي في معادلات العراق والمنطقة.
كان مام جلال مدرسة سياسية نادرة، رجلٌ استطاع أن يجمع بين صلابة الثائر ومرونة رجل الدولة. لم يكن قائدا عابرا في التاريخ الكوردي بل كان عقلا استثنائيا فهم تعقيدات العراق والمنطقة واستطاع أن يحمي القضية الكوردية وسط العواصف الكبرى التي مرّت بها المنطقة لعقود.
واليوم وبعد كل تلك التحولات والانقسامات والصراعات الداخلية والخارجية، يثبت الاتحاد الوطني الكوردستاني مرة أخرى أنه ليس حزب لمرحلة معيّنة بل قوة سياسية تمتلك القدرة على الاستمرار والتكيّف والدفاع عن شعبها في أصعب الظروف. فوسط الفوضى الإقليمية والانهيارات الاقتصادية ومحاولات إضعاف القرار الكوردي ظهر جيلٌ سياسي جديد بقيادة الرئيس بافل الطالباني يحمل ذات العقلية الواقعية، ولكن بأساليب معاصرة تواكب متغيرات العصر.
لقد أدرك هذا القائد ومن معه في القيادة أن معارك اليوم لم تعد تشبه معارك الأمس، فالحروب لم تعد فقط على الجبهات بل في الاقتصاد والإعلام والعلاقات الدولية وصناعة القرار. ولذلك استطاع الاتحاد الوطني الكوردستاني أن يحافظ على حضوره السياسي والجماهيري، وأن يتحول إلى أحد أهم عوامل حماية الاستقرار الكوردي رغم كل الضغوط والتحديات.
إن قوة الاتحاد الوطني الكوردستاني لم تكن يوما في السلطة فقط، بل في قدرته على البقاء قريبا من هموم الناس وفي امتلاكه مشروعا سياسيا يعرف كيف يتعامل مع الواقع دون أن يتخلى عن الثوابت الوطنية. ولهذا بقي بالنسبة للكثيرين صمام أمانٍ حقيقي للشعب الكوردي في المراحل الأكثر حساسية وخطورة.
في الذكرى الحادية والخمسين لتأسيسه، لا يستعيد الاتحاد الوطني الكوردستاني تاريخه فقط بل يواجه المستقبل أيضا. فالأمم لا تحترم الأحزاب التي تعيش على أمجاد الماضي بل تلك التي تستطيع أن تجدّد نفسها وتحمي شعبها في كل مرحلة.
وإذا كانت الثورة الكوردية قد بدأت من الجبل…
فإن أعظم انتصاراتها كانت حين تعلّمت كيف تُدير الدولة وتحمي القرار وتبني لحضور سياسي لا تسقطه العواصف.